تسجيل الدخولالفصل السادس
كل امرأة عرفت رجلًا آخر بقي السؤال معلقًا عند باب الشقة: — من هذه يا كريم؟ لم يجب. انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم. قالت لميس: — نعم، من أنا يا كريم؟ فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة. — سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا. اشتد وجهها. — سألتك من هذه. قال بنبرة أكثر صرامة: — ليس أمام الطفل. نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد. راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها. سألته: — كم عمره؟ رفع كريم عينيه إليها. — ثلاث سنوات. ثلاث سنوات. كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته. لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا. قالت سارة ببطء: — لماذا تسألين عن عمر ابني؟ لم تستطع لميس أن تجيبها. بدت المرأة متعبة ومذعورة أكثر مما بدت غاضبة. لم تكن عشيقة مفاجئة خرجت لتنتزع منها رجلًا، بل امرأة تقف داخل بيتها وتحمل ابنها، ولا تعرف أن حياتها تُفتح أمام غريبة. قال كريم: — ادخلا. الجيران يراقبون. أجابته لميس: — لن أدخل. اقترب وخفض صوته: — أحضرتك لأن حياتك في خطر، لا لكي نصنع فضيحة في الممر. قالت سارة: — حياتها في خطر؟ ماذا يحدث؟ وضع كريم الطفل في ذراعيها. — خذيه إلى الداخل، وسأشرح لك كل شيء. — أنت تقول هذه الجملة منذ سنوات، ولا تشرح شيئًا. صمت. عرفت لميس تلك الجملة جيدًا. قالتها لكريم بصيغ مختلفة، وانتظرت بعد كل مرة أن يأتي التفسير الذي لا يصل. دخلت الشقة. لم تفعل ذلك لأنها صدقته، بل لأنها لم تعد تحتمل الوقوف خارج حياة كان يعيشها بعيدًا عنها. كانت غرفة الجلوس صغيرة ودافئة. انتشرت ألعاب الطفل قرب الأريكة، وتعلقت فوق الجدار صورة لكريم وسارة يوم زفافهما. تقدمت لميس نحو الصورة. كان كريم أصغر سنًا، لكنه يحمل الابتسامة نفسها التي منحها لها حين التقطا صور الحفل. وقفت سارة إلى جانبه بفستان أبيض، تنظر إليه بثقة امرأة لم تتعلم بعد أن بعض الوجوه تستطيع أن تعيش في أكثر من قصة. سألت لميس دون أن تلتفت: — هل أنتما مطلقان؟ أجاب كريم: — منفصلان. قالت سارة في اللحظة نفسها: — لا. التفتت لميس إليهما. قال كريم بسرعة: — نحن منفصلان عاطفيًا منذ عامين. إجراءات الطلاق تأخرت بسبب الطفل والبيت. ضحكت سارة بذهول. — منفصلان عاطفيًا؟ هل اخترعت هذه العبارة الآن؟ — لا تبدئي. — عدت إلى هذا البيت الأسبوع الماضي، ونمت في غرفتي، وأخبرتني أنك تحاول إصلاح ما بيننا! أغمض كريم عينيه. — عدت من أجل يزن. — وقلت إننا سنغادر المدينة معًا حين تنتهي مشكلتك مع مديرتك. نظرت سارة إلى لميس. — أنت مديرته المتسلطة، أليس كذلك؟ صاحبة الشركة التي تجبره على مرافقتها في الحفلات، وتهدده بالطرد إذا رفض طلباتها. توقفت لميس عن التنفس لحظة. ثم ضحكت. لم تكن ضحكة فرح، بل صوتًا حادًا خرج حين لم يجد الألم مكانًا آخر. قالت: — وهل أخبرك أنني أجبرته أيضًا على النوم معي؟ اتسعت عينا سارة. قال كريم: — لميس، لا تفعلي هذا. استدارت نحوه. — ماذا أفعل؟ أفسد الكذبة التي اخترتها لها؟ قالت سارة: — ماذا تقصدين بالنوم معك؟ لم تجب لميس. كانت ترى وجه المرأة يتغير، وترى اللحظة التي بدأ فيها عقلها يجمع الغيابات والمكالمات الصامتة والأعذار المتكررة. قال كريم: — علاقتي بلميس بدأت بعد أن اتفقنا على الانفصال. صرخت سارة: — لم نتفق على شيء! بدأ الطفل يبكي. حملته أمه، لكن عينيها بقيتا معلقتين بزوجها. — كنت تقول إنك تعمل معها لأننا نحتاج إلى المال. وحين ظهرت صورتكما في الحفل، قلت إن الأمر دعاية للمشروع. نظرت لميس إلى كريم. — أخبرتها أنني مديرتك، وأخبرتني أنك غير متزوج. قال: — لم أقل إنني غير متزوج. تجمدت. كان محقًا بطريقة جعلتها تكرهه أكثر. لم تسأله يومًا السؤال مباشرًا، وهو تركها تبني الجواب الذي يريده. قالت: — قلت إنك وحيد. — وكنت وحيدًا. رفعت سارة صوتها: — كنت تعود إلى بيتك وزوجتك وابنك! صرخ كريم: — وجودكما في البيت لا يعني أنني لم أكن وحيدًا! ارتجف الطفل، فضمته أمه إلى صدرها. قالت لميس ببطء: — لا تستعمل وحدتك عذرًا لخيانة امرأتين. التفت إليها كريم. — أنت تعرفين كيف كانت حياتي. أخبرتك أنني عشت سنوات مع إنسانة لا تفهمني. قالت سارة: — وماذا أخبرتها عني أيضًا؟ أنني قاسية؟ مريضة؟ أستعمل ابنك ضدك؟ لم يجب. هزت رأسها وكأن صمته أكمل قائمة سمعتها سابقًا. وضعت الطفل داخل غرفته، وأغلقت الباب بعد أن وعدته بأنها ستعود. ثم رجعت تحمل هاتفها. فتحت صورة وقدمتها إلى لميس. كان كريم يجلس إلى جانب سارة في مطعم، وأمامهما قالب حلوى كتب عليه: «ذكرى زواج سعيدة». ظهر تاريخ الصورة في أعلاها. قبل ثلاثة أسابيع. في تلك الليلة نفسها، أخبر كريم لميس أنه اضطر إلى السفر بسبب مرض والدته. رفعت لميس عينيها إليه. — هل كانت أمك مريضة؟ فتح كريم فمه، لكن سارة سبقته: — أمه تعيش في إسبانيا منذ عام. وهو لم يزرها منذ ولادة يزن. أعادت لميس الهاتف إلى سارة. لم تصرخ. لم تصفعه. شعرت فقط أن جسدها أصبح أثقل من قدرتها على حمله. اتجهت نحو الباب. وقف كريم أمامها. — الدليل. نظرت إليه كأنها نسيت لماذا جاءت. قال: — جئت من أجله. إذا خرجت الآن، ستخسرين الفرصة الوحيدة لاستعادة شركتك. سألته سارة: — أي دليل؟ وأي شركة؟ قال كريم: — الأمر أكبر من علاقتنا. ضحكت لميس بمرارة. — بالطبع. كلما انكشفت كذبة، وضعت خلفها كارثة أكبر حتى لا نجد وقتًا لمحاسبتك عليها. أخرج من جيبه ذاكرة إلكترونية صغيرة. — هنا المراسلات بين نادر وشريف، وسجلات التحويلات. تثبت أن نادر خطط لاستعمال المشروع لإسقاطك والاستيلاء على إدارة «أفق». مدها نحوها. لم تأخذها. — أعطها للشرطة. — الشرطة مخترقة. — هذا ما يقوله كل هارب. — لأن نادر أخبرني باسم المفتش الذي سيستلم القضية قبل أن تصل الشكاوى إليه. تذكرت المفتش سليم، وهدوءه، وأسئلته الدقيقة. قال كريم: — إذا سلمت نفسي الآن، سيختفي هذا الدليل، وسأصبح أنا المذنب الوحيد. ونادر سيبقى داخل شركتك. أشارت سارة إلى الباب. — اخرجا. لا أريد سماع المزيد. نظر إليها كريم. — سارة، يجب أن نبقى هنا حتى الصباح. — لن تبقى دقيقة واحدة. — نادر هدد يزن. توقفت. نظرَت إليه بعينين اتسعتا خوفًا. — ماذا قلت؟ اقترب منها. — لهذا أتيت إليكما. لم آتِ للاختباء. جئت أحميكما. لميس رأت التحول يحدث أمامها. قبل لحظة كانت سارة زوجة مخدوعة مستعدة لطرده، والآن أصبحت أمًا خائفة على ابنها. كان كريم يعرف أي جرح يلمس في كل امرأة حتى تعود إلى المكان الذي يريده. قالت لميس: — هل يوجد دليل على التهديد؟ — رسالة وصلتني ثم حُذفت. — بالطبع حُذفت. — لدي صورة للشاشة في الذاكرة. رفعها مجددًا. هذه المرة أخذتها لميس. قالت سارة: — أنت تصدقينه؟ نظرت لميس إلى القطعة الصغيرة في يدها. — لا. ابتسم كريم ابتسامة بالكاد ظهرت. كان يعرف، كما عرفت هي، أن أخذها للدليل يعني أنها لم تتوقف تمامًا عن تصديقه. قال: — لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت. — لماذا؟ — الملفات مربوطة بنظام يمحوها إذا اكتُشف الدخول. — وكيف أفتحها؟ — معي جهاز مخصص. سأريك كل شيء. أغلقت أصابعها حول الذاكرة. — لا. سيقوم شخص آخر بفحصها. اقترب منها. — إذا أعطيتها لريانا، ستسلمها للشرطة قبل أن تفهم ما فيها. — وهذا ما يجب أن يحدث. — وحينها سيعرف نادر أننا نملكه، وسيتصرف قبل أن نستطيع إثبات شيء. قالت سارة: — لا أريد اسم ابني داخل أي ملف أو تحقيق. خذا مشاكلكما واخرجا من بيتي. نظرت لميس إليها. كان من السهل أن تكرهها لأنها زوجة كريم، لكن المرأة أمامها لم تسرق منها شيئًا. كلتاهما دفعت ثمن رجل صنع لكل واحدة منهما نسخة مختلفة من نفسه. سألتها لميس: — هل كنت تعرفين مشروع «خطوة»؟ — قال إنه مشروع تابع لشركتك، وإنه سيحصل بعد نجاحه على منصب رسمي عندك. ابتلعت لميس مرارتها. — وهل أعطيتِه مالًا؟ ترددت سارة. — بعت السيارة التي تركها لي أبي. أغلق كريم عينيه. قالت لميس: — كم؟ — مئة وعشرون ألف درهم. — سارة، كان المال من أجل مستقبل يزن، قال كريم. استدارت نحوه. — لا تنطق اسمه كي تجعل سرقتك تضحية. تلاقت عيناها بعيني لميس. وللمرة الأولى، لم تكونا زوجة وعشيقة تتنازعان رجلًا، بل امرأتين أدركتا أنه وضع كل واحدة منهما في قصة تكون فيها الأخرى هي العدو. قالت سارة: — خذي دليلك واخرجي. وإذا كنت ذكية كما يقولون عنك، فلا تعيدي هذا الرجل إليّ ولا إلى نفسك. غادرت لميس الشقة. لحق بها كريم إلى السلم. — انتظري. واصلت النزول. — لميس، لم أكذب بشأن مشاعري نحوك. توقفت عند منتصف الدرج. — كذبت بشأن زوجتك وابنك وأمك وأموالك ومشروعك. لماذا يجب أن تكون مشاعرك الشيء الوحيد الصادق؟ اقترب درجة. — لأنك شعرت بها. كانت إجابة ذكية. لم يطلب منها أن تصدق كلامه؛ طلب منها أن تثق بما شعرت به هي، وكأن قلبها لم يكن أكثر شاهد خدعه. قال: — أعلم أنني لا أستحقك. لكن ما بيننا لم يكن كذبة كله. نظرت إليه طويلًا. كان وجهه متعبًا، وصوته مكسورًا، وعيناه تحملان ذلك الضعف الذي جعلها تحبه منذ البداية. عرفت أنه يستعمله. عرفت أنه لا يبكي على ما فعله، بل على ما قد يخسره. ومع ذلك، تحرك داخلها حنين مؤلم إلى الرجل الذي ظنت أنه كانه. قالت: — سأفحص الذاكرة. إذا كانت فارغة، أو مزورة، أو حاولت الاتصال بي مرة أخرى قبل أن أعرف الحقيقة، فسأخبر الشرطة بمكانك. — وإذا كانت صحيحة؟ كان عليها أن تقول إن صحتها لن تغير زواجه ولا كذبه ولا الأموال التي أخذها. لكنها صمتت. ابتسم كريم بحزن. — هذا كل ما أريده. ألا تحكمي قبل أن تعرفي كل شيء. أكملت نزولها. كانت الجملة نفسها التي استعملتها أمام ريانا مرارًا. أعادها إليها الآن، فعجزت عن رفضها من دون أن تعترف بأنها كانت تخدع نفسها منذ البداية. --- وجدت ريانا وهناء تنتظران قرب سيارتها. توقفت لميس عند باب العمارة. اقتربت ريانا منها بسرعة. — هل أنت بخير؟ لم تجب. عانقتها هناء، فبقي جسد لميس جامدًا لحظات قبل أن ينهار. تشبثت بمعطف صديقتها، وخرجت منها شهقة حاولت خنقها منذ رأت صورة الزواج. سألت هناء: — ماذا فعل بك؟ قالت لميس من بين أنفاسها: — لديه زوجة. أغمضت ريانا عينيها. — هل آذاك؟ — ولديه طفل. ضمّتها هناء أكثر. قالت ريانا: — أين هو؟ ابتعدت لميس عن حضن هناء ومسحت وجهها. — لا أعرف. حدقت ريانا فيها. — خرجتِ الآن من العمارة التي يوجد فيها. — غادر قبل وصولي. كانت الكذبة الثالثة. اختلفت عن سابقتيها؛ هذه المرة رأت في وجه ريانا أنها تعرف. قالت ريانا: — ماذا تحملين في يدك؟ نظرت لميس إلى الذاكرة الإلكترونية. كانت قد نسيت أنها ما زالت تقبض عليها. — لا شيء. مدت ريانا يدها. — أعطيني إياها. — قال كريم إن فيها أدلة ضد نادر. — إذن كان هناك. لم تجب لميس. قالت ريانا: — كذبتِ على الشرطة، والآن تكذبين علينا. ماذا طلب منك مقابل هذه الذاكرة؟ — لم يطلب شيئًا. — الرجال مثله لا يعطون دليلًا. يعطون حبلًا، ثم ينتظرون أن تمسكيه بيدك. تدخلت هناء: — دعينا نعود أولًا. سنتحدث بهدوء. قالت لميس: — سأعطيها لآدم. — ليس قبل توثيق مكان العثور عليها وتسليمها رسميًا، قالت ريانا. إذا كانت دليلًا حقيقيًا وعبثنا بها، قد تفقد قيمتها. أغلقت لميس أصابعها عليها. — وإذا سلمناها للشرطة وكان نادر يسيطر على التحقيق؟ سألت ريانا: — من أخبرك بذلك؟ كريم؟ عرفت لميس كيف يبدو الأمر: كل معلومة تملكها جاءت من الرجل الذي كذب عليها في كل شيء. ومع ذلك، لم تستطع تجاهل احتمال أن تكون هذه المعلومة الوحيدة الصادقة. قالت: — سأحتفظ بها حتى نفهم. فتحت باب سيارتها. قالت ريانا: — أنت لا تحتفظين بدليل. تحتفظين بسبب يسمح لك بتأجيل نهايته. دخلت لميس السيارة وأغلقت الباب. قبل أن تشغّل المحرك، وصلتها رسالة من رقم مجهول. كانت صورة قديمة لكريم يقف إلى جانب امرأة لم تعرفها. لم تكن سارة، وكانت الصورة تعود، بحسب التاريخ الظاهر عليها، إلى عام سابق لزواجه. تحت الصورة كُتبت جملة واحدة: «سارة ليست أول امرأة أخفى وجودها... وأنت لن تكوني الأخيرة.» رفعت لميس رأسها نحو نافذة العمارة. كان كريم واقفًا خلف ستارة الطابق الثالث يراقبها. رن هاتفها. المتصل هو الرقم المجهول نفسه. ترددت، ثم أجابت. جاءها صوت امرأة هادئ: — اسمي مريم. قبل سبع سنوات، أعطيته مالي واسمي وصدّقت أنه يحبني. توقفت المرأة لحظة، ثم قالت: — إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا
الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—
الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد
الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق
الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري
الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع







