مشاركة

الفصل الخامس

مؤلف: Jamaleddine
last update تاريخ النشر: 2026-10-03 23:40:27

الفصل الخامس

حين كذبت من أجله

ظل هاتف لميس داخل قبضتها، كأن إرخاء أصابعها سيجعل الرسالة تنكشف أمام الجميع.

«سامحيني. لم أكن أملك خيارًا. إذا كنت تحبينني حقًا، فلا تخبريهم بما تعرفين.»

رفعت ريانا يدها مرة أخرى.

— أعطني الهاتف.

أطفأت لميس الشاشة ووضعته داخل حقيبتها.

— إنها رسالة شخصية.

— من رجل هارب تلاحقه شكاوى سبعة وعشرين شخصًا. لم تعد رسائله شخصية.

قال نادر من الطرف الآخر للطاولة:

— هل تواصل معك كريم؟

انتقلت عينا لميس إليه.

كان جالسًا بين أعضاء مجلس الإدارة بهدوء، وربطة عنقه مستقيمة، ويداه متشابكتين فوق الملف أمامه. قبل ليلة واحدة، كان يقف إلى جانب كريم فوق المنصة ويمدح مشروعه. أما الآن، فبدا كأنه لم يسمع باسم «خطوة» إلا من الأخبار.

سألته لميس:

— لماذا يهمك الأمر؟

— لأن اسم شركتنا أصبح مرتبطًا برجل مختفٍ. إذا كان قد اتصل بك فعلينا إبلاغ الشرطة.

قالت ريانا:

— لميس، أجيبـي بوضوح. هل الرسالة منه؟

شعرت لميس بأن الغرفة كلها تضيق حولها. نظرت إلى أعضاء المجلس، ثم إلى ريانا، وفكرت في كريم وحيدًا في مكان لا تعرفه. ربما كان خائفًا. ربما كان يحاول جمع الأدلة. وربما كان نادر فعلًا وراء كل شيء، كما بدأ الشك يهمس لها منذ الحفل.

قالت:

— الرسالة ليست منه.

كانت كذبة قصيرة، خرجت بصوت ثابت حتى إنها أخافتها.

لم تتحرك ريانا، لكن شيئًا في عينيها انطفأ.

أما نادر فأمال رأسه قليلًا، كما لو أنه لم يصدقها، ثم قال:

— في هذه الحالة نتابع الاجتماع.

أعلن رئيس المجلس نتيجة التصويت بعد دقائق. عُلقت صلاحيات لميس التنفيذية مؤقتًا، ومُنعت من التوقيع باسم «أفق» إلى حين انتهاء التحقيق الداخلي.

سمعت القرار كما لو أنه يخص امرأة أخرى.

هذه الشركة بنتها من مكتب ضيق وطاولة مستعملة. باعت سيارتها الأولى كي تدفع رواتب الموظفين، ونامت ليالي فوق الأريكة لأن العودة إلى منزلها كانت تضيع ساعتين من العمل. والآن، جلس رجال لم يكونوا معها في البدايات ليقرروا أنها خطر على ما صنعته.

قال رئيس المجلس:

— يمكنك الاحتفاظ بمكتبك، لكن القرارات المالية والإدارية ستنتقل مؤقتًا إلى لجنة يرأسها الأستاذ نادر.

رفعت لميس رأسها بسرعة.

— نادر؟

أجاب الرجل:

— كان الوحيد الذي وافق على تحمل المسؤولية في هذه الظروف.

التقت عيناها بعيني نادر. منحها ابتسامة حزينة محسوبة.

— صدقيني، لم أكن أريد أن يحدث هذا. سأحمي الشركة حتى تنتهي الأزمة.

كانت العبارة مطمئنة ظاهريًا، لكنها شعرت بشيء بارد يتحرك تحتها.

قالت:

— قبل أقل من أربع وعشرين ساعة كنت تحتفل مع كريم.

— حضرت بدعوة منك.

— لم أدعك.

تغير وجهه لحظة.

— أخبرني كريم أنك تعرفين بحضوري.

— وأخبرتني أنت أنك تعرف مشروعه.

— أعرف فكرته فقط. لو كنت أعرف ما يفعله بأموال الناس، لما دخلت القاعة.

تدخل أحد الأعضاء:

— ليس هذا وقت تبادل الاتهامات.

أغلقت لميس ملفها ونهضت.

— بل هذا هو الوقت بالضبط. لأنكم سلمتم شركتي لرجل ظهر إلى جانب المشروع نفسه الذي تعاقبونني بسببه.

وقف رئيس المجلس.

— لم تعد لديك سلطة الاعتراض على قرار اتُّخذ بالتصويت.

أجابته بصوت خافت:

— لم أقل إنني سأعترض. قلت إنني سأتذكر.

غادرت القاعة.

لحقت بها ريانا إلى الممر.

— توقفي.

واصلت لميس السير.

— ليس الآن.

أمسكت ريانا بذراعها وأدارتها نحوها.

— كذبتِ عليّ.

نظرت لميس إلى يدها حتى تركتها.

— قلت إن الرسالة شخصية.

— قلت إنها ليست من كريم.

— وما الفرق بالنسبة إليك؟ حكمتِ عليه وانتهى الأمر.

اتسعت عينا ريانا.

— الرجل اختفى بعد جمع أموال الناس، وترك اسمك مكانه. أي جزء آخر أحتاج إليه قبل أن أحكم؟

— ربما هرب لأنه خائف.

— وممّن؟ من الأشخاص الذين أخذ أموالهم؟

— من نادر.

توقفت ريانا.

— ماذا؟

تذكرت لميس أنها لم تخبرها بما قاله كريم في الهاتف، لكنها كانت قد بدأت الكلام ولم يعد بإمكانها التراجع.

— قال إن نادر وراء المشروع، وإنه يملك أدلة.

— متى قال ذلك؟

لم تجب.

اقتربت ريانا منها.

— قبل الاجتماع أم أثناءه؟

— لا يهم.

— بل يهم. اتصل بك رجل مطلوب، وأخفـيتِ اتصاله، ثم كذبتِ أمام مجلس الإدارة. هل تدركين ما فعلت؟

قالت لميس بعناد:

— أحاول معرفة الحقيقة.

— لا. تحاولين منحه الوقت كي يصنع حقيقة تستطيعين احتمالها.

رفعت لميس صوتها:

— لماذا ترفضين احتمال أن يكون ضحية؟

— لأن الضحايا لا يستعملون أسماء الآخرين لجمع المال ثم يهربون!

وصل بعض الموظفين إلى الممر، فخفضت ريانا صوتها.

— أعطني الهاتف. سنسلم الرسالة للشرطة، وإذا كان كريم يملك أدلة فليقدمها إليهم.

— لن أعطيك شيئًا.

بدت الصدمة على وجه ريانا هذه المرة أوضح من الغضب.

— هل تختارينه فعلًا بعد كل ما حدث؟

— أنا لا أختاره. أختار ألا أتهم إنسانًا قبل أن أسمعه.

ضحكت ريانا بمرارة.

— استمعتِ إليه أكثر مما استمعتِ إلى كل من آذاهم.

جاءت هناء مسرعة من آخر الممر، وقد استدعتها ريانا قبل الاجتماع.

نظرت إلى وجهيهما.

— ماذا حدث؟

قالت ريانا من دون أن ترفع عينيها عن لميس:

— كريم راسلها، وهي أخفت الرسالة وكذبت لحمايته.

توقفت هناء أمام صديقتها.

— هل هذا صحيح؟

قالت لميس:

— لا أحتاج إلى محاكمة أخرى.

— أنا لا أحاكمك. أريد فقط أن أعرف إن كنت في خطر.

لان وجه لميس قليلًا.

هذا هو الفرق بينهما: ريانا تحاصر الكذبة حتى تسقط، وهناء تبحث عن الجرح الذي جعل صاحبه يحتاج إليها.

قالت هناء:

— هل طلب منك مقابلته؟

لم تجب لميس.

أغمضت هناء عينيها لحظة.

— لا تذهبي.

— لم أقل إنني سأذهب.

— لكنك تفكرين في ذلك.

ابتعدت لميس نحو باب مكتبها.

قالت هناء خلفها:

— حين تضطرين إلى إخفاء علاقة عن الأشخاص الذين يحبونك، لا تسألي لماذا لا يفهمون حبك. اسألي ماذا يعرفون عنه وتخافين أنت من معرفته.

دخلت لميس مكتبها وأغلقت الباب.

---

وجدت ثلاثة رجال من الشرطة ينتظرونها في الداخل.

نهض أحدهم وعرّف نفسه باسم المفتش سليم. كان صوته هادئًا، لكنه لم يبتسم.

— نحتاج إلى طرح بعض الأسئلة.

جلست لميس خلف مكتبها، وشعرت للمرة الأولى أن المقعد الذي منحها القوة سنوات لا يحميها من شيء.

وضع المفتش المطوية الإعلانية أمامها.

— هل سمحتِ باستعمال صورتك؟

— سمحت بنشر مقطع محدد، لا هذه المطوية.

— هل شركة «أفق» شريكة في المشروع؟

— لا.

— هل حصلتِ على مقابل مالي؟

— لا.

— هل كنت تعرفين أن السيد كريم يجمع رسومًا من المشاركين؟

تذكرت السؤال الذي طرحته عليه قبل التصوير: «هل ستستعمل المقطع لجمع المال؟»

وتذكرت جوابه المراوغ: «سأستعمله لجذب المهتمين.»

قالت:

— عرفت بوجود رسوم، لكنني لم أعرف قيمتها ولا طريقة استعمالها.

كتب المفتش ملاحظة.

— متى كان آخر اتصال بينكما؟

شعرت بالهاتف داخل حقيبتها كأنه ينبض.

— قبل الحفل.

رفعت ريانا رأسها نحوها. كانت قد دخلت مع الشرطة بصفتها محامية الشركة، وسمعت الكذبة الثانية.

سأل المفتش:

— ألم يتصل بك بعد ذلك أو يرسل رسالة؟

— لا.

هذه المرة خرجت الكلمة بصعوبة أكبر.

لم تكن الكذبة الثانية تشبه الأولى. في مجلس الإدارة كانت تحمي رجلًا تحبه. أما الآن، فهي تخفي معلومة عن الشرطة.

قال المفتش:

— إذا تواصل معك، أبلغينا فورًا. مساعدته على الاختباء أو إخفاء دليل قد يغير صفتك في القضية.

أومأت.

بعد مغادرتهم، بقيت ريانا قرب الباب.

قالت:

— كنت أستطيع حمايتك لو قلت الحقيقة.

— لم أطلب حمايتك.

— ستطلبينها عندما يصبح ما تفعلينه جريمة.

ارتجف وجه لميس.

— اخرجي.

— أعطني الرسالة، وسأتصرف كأنك أخبرتني بها قبل وصول الشرطة.

— قلت اخرجي.

بقيت ريانا لحظة، ثم فتحت الباب.

وقبل أن تغادر، قالت:

— أعرف أنك تظنين أنك تحمينه. لكنك في الحقيقة تعلمينه كم كذبة يستطيع أن يطلبها منك قبل أن تقولي لا.

أغلقت الباب خلفها.

وضعت لميس رأسها بين كفيها.

اهتز هاتفها.

وصلتها رسالة من كريم:

«لماذا لم تجيبي؟ لم يعد لدي وقت. إذا أردتِ إثبات براءتي، تعالي وحدك إلى العنوان الذي سأرسله. لا تخبري ريانا.»

تبعتها إحداثيات لمكان في أطراف المدينة.

نظرت لميس إلى الباب الذي خرجت منه صديقتها، ثم إلى الرسالة.

كتبت:

«لماذا لا تسلم نفسك؟»

أجاب فورًا:

«لأن نادر يملك رجالًا داخل الشرطة. إذا ذهبت إليهم قبل أن أعطيك الدليل، سيختفي كل شيء.»

«أرسل الدليل إليّ.»

«لا أستطيع. إنه في جهاز غير متصل بالإنترنت.»

«دع ريانا تأتي معي.»

تأخر في الرد هذه المرة.

ثم كتب:

«إن كنت تثقين بها أكثر مني، فلا تأتي.»

ألقت لميس الهاتف فوق المكتب.

كان تلاعبًا واضحًا. لم تعد تحتاج إلى ريانا كي تسميه. فهمت أنه يضعها مجددًا أمام اختيار زائف: إما أن تطيعه، وإما أن تعترف بأنها لا تحبه.

نهضت وسارت في المكتب، ثم عادت إلى الهاتف.

فتحت محادثة ريانا وكتبت:

«كريم طلب مقابلتي. هذا هو العنوان.»

ظل إصبعها فوق زر الإرسال.

تخيلت الشرطة تصل قبله، وكريم يرى السيارات فيكتشف أنها خانته. تخيلته يختفي إلى الأبد ومعه الدليل الذي قد يعيد إليها شركتها واسمها.

حذفت الرسالة.

أخذت حقيبتها وغادرت من المصعد الخلفي.

---

كان العنوان عمارة قديمة في حي هادئ على أطراف المدينة.

أوقفت لميس سيارتها بعيدًا، وبقيت داخلها دقائق. أخبرت نفسها أنها ستدخل، تأخذ الدليل، ثم تغادر. لن تسامحه، ولن تصدق دموعه، ولن تسمح له بلمسها.

كانت قد قالت لنفسها عبارات مشابهة قبل كل تنازل سابق.

صعدت إلى الطابق الثالث وطرقت الباب.

فتح كريم بعد لحظات.

بدا مرهقًا. لحيته غير مرتبة، وقميصه مجعد، وفي عينيه احمرار لم تعرف إن كان من السهر أم البكاء.

ما إن رآها حتى أطلق نفسًا طويلًا.

— كنت أعلم أنك ستأتين.

لم تدخل.

— أين الدليل؟

— في الداخل.

— أحضره.

نظر نحو الدرج.

— لا نستطيع الوقوف هنا.

— قلت إنني جئت من أجل الدليل فقط.

اقترب خطوة.

— خسرت كل شيء يا لميس.

— وأنا عُلقت صلاحياتي في شركتي، واسمي موجود في شكوى، وكذبت على الشرطة من أجلك. لا تقل لي إنك خسرت كل شيء وكأنني خرجت سالمة.

ظهر الذنب فوق وجهه.

— لم أرد أن يصل الأمر إلى هنا.

— ماذا كنت تريد إذن؟

— أردت أن ينجح المشروع. أردت أن أصبح رجلًا يليق بك.

— فاستعملت اسمي لأن اسمك لم يكن كافيًا؟

خفض رأسه.

— نادر هو من اقترح ذلك. قال إنك ستدعمينني، وإن الأموال ستذهب إلى مشاريع حقيقية. اكتشفت متأخرًا أنه يحولها إلى شركات تابعة له.

— لماذا هربت؟

— لأن شريف اختفى بالملفات، ونادر هدد ابني.

رفعت لميس عينيها بسرعة.

— ابنك؟

توقف كريم.

مرّت لحظة كاملة قبل أن يقول:

— كنت سأخبرك.

شعرت ببرودة تصعد من قدميها إلى صدرها.

— تخبرني بماذا؟

جاء صوت حركة من داخل الشقة، ثم بكاء طفل.

استدار كريم نحو الباب خلفه.

ظهرت امرأة في الممر الداخلي تحمل طفلًا صغيرًا فوق كتفها. كان شعرها مبعثرًا، ووجهها شاحبًا من التعب.

توقفت حين رأت لميس.

سألت كريم:

— من هذه؟

لم يجب.

نظرت المرأة إلى لميس، ثم إلى حقيبتها وملابسها الأنيقة، وكأنها بدأت تفهم شيئًا لا تريد فهمه.

قالت:

— أنت مديرته، أليس كذلك؟

فتح الطفل عينيه عند سماع صوتها، ومد يده نحو كريم.

ثم قال بنعاس:

— بابا.

ظلت لميس واقفة عند العتبة.

خلفها كان السلم مفتوحًا، وبإمكانها النزول والرحيل.

وأمامها وقف الرجل الذي كذبت على صديقاتها ومجلس إدارتها والشرطة من أجله، عاجزًا للمرة الأولى عن اختراع جواب سريع.

سألت المرأة من جديد:

— من هذه يا كريم؟

نظر كريم إلى لميس.

ولم تكن تخشى إجابته بقدر ما كانت تخشى أن يجيب... فتصدقه مرة أخرى.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل العاشر

    الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التاسع

    الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التامن

    الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السابع

    الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السادس

    الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status