مشاركة

الفصل الرابع

مؤلف: Jamaleddine
last update تاريخ النشر: 2026-10-02 04:39:50

حين أصبحت هي المتهمة

لم تنم لميس تلك الليلة.

جلست على طرف سريرها، لا تزال ترتدي الفستان الأسود، والحاسوب مفتوح أمامها على الملف الذي أرسله كريم. طلب منها كلمة مرور، ثم اختفى.

اتصلت به سبع مرات.

في المرة الأولى، ظل الهاتف يرن حتى انقطع. وفي الثانية، أغلق المكالمة. أما المحاولات التالية فانتقلت مباشرة إلى البريد الصوتي.

كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحًا حين أرسلت إليه:

«إذا لم تتصل بي خلال عشر دقائق، سأسحب دعمي علنًا وأطلب إيقاف التسجيل.»

ظهرت علامتا القراءة.

انتظرت.

مرّت عشر دقائق، ثم عشرون، ولم يجب.

فتحت صفحة مشروع «خطوة». ارتفع عدد المسجلين في المرحلة الجديدة إلى ثلاثة وأربعين شخصًا. كان المقطع المثبت في أعلى الصفحة يبدأ بوجهها، ثم ينتقل إلى كريم وهو يعلن أن المشروع يحظى بثقة أسماء كبيرة في عالم الأعمال.

وفي الأسفل كُتبت عبارة:

«كن واحدًا ممن اختارت لميس السالمي أن تؤمن بهم.»

لم تقل ذلك قط.

التقطت صورة للشاشة، وكتبت منشورًا تنفي فيه أي شراكة أو ضمان.

توقفت قبل نشره.

تخيلت ثلاثة وأربعين شخصًا يرون المنشور بعد أن دفعوا أموالهم. تخيلت كريم يقول إن ذعرها المفاجئ حطم مشروعًا كان يمكن إنقاذه. وتخيلت الصحافة تسأل لماذا وقفت على المنصة إن لم تكن تعرف شيئًا.

حذفت المنشور.

قالت لنفسها إنها لن تتصرف بغضب، وإن الصباح أوضح من الليل، وإن كريم سيشرح كل شيء عندما يهدأ.

كانت تعرف أنها لا تنتظر الصباح.

كانت تنتظر عذرًا.

---

في الثامنة، دخلت لميس مقر «أفق» من المرأب الخلفي لتتفادى الصحافيين المتجمعين أمام الباب الرئيسي.

وجدت هناء تنتظرها داخل المكتب، تحمل كيسًا من الطعام وكوب قهوة.

رفعت لميس حاجبيها.

— ماذا تفعلين هنا؟

وضعت هناء القهوة أمامها.

— جئت قبل أن تدّعي أنك تناولت الفطور.

— لست جائعة.

— لهذا أحضرته.

نزعت لميس معطفها وألقته فوق المقعد. اقتربت هناء منها، فرأت بقايا مستحضرات التجميل تحت عينيها.

— لم تنامي.

— لم يكن لدي وقت.

— أم لم يرد كريم؟

تصلبت ملامح لميس.

— لا أريد محاضرة.

— وأنا لا أحمل واحدة. أحمل شطيرة وقهوة.

جلست لميس خلف مكتبها، وضغطت كفيها على صدغيها.

قالت بعد صمت:

— استعمل وجودي لفتح التسجيل أمام الناس.

— رأيت.

— أخبرته بوضوح أنني لا أضمن المشروع.

— ثم قلت إنك تؤمنين به.

رفعت لميس رأسها.

— لأنني كنت فوق منصة أمام عشرات الكاميرات. ماذا كان يفترض أن أفعل؟ أتهمه بالاحتيال من دون دليل؟

جلست هناء قبالتها.

— كان يمكنك قول الحقيقة فقط: إنك لا تعرفين تفاصيل المشروع.

— كان سينهار كل شيء.

— ربما كان يجب أن ينهار.

— ومن يعيد للناس أموالهم إذا انهار؟

— ومن يعيدها إليهم إذا استمر؟

بقيت لميس صامتة.

طرقت ريانا الباب ودخلت، يتبعها رجل يحمل حاسوبًا وحقيبة مستندات.

كان طويلًا، هادئ الملامح، يرتدي قميصًا أزرق داكنًا بلا ربطة عنق. لم ينظر إلى أثاث المكتب ولا إلى المنظر خلف الزجاج. وقعت عيناه مباشرة على شاشة الحاسوب المفتوحة على صفحة «خطوة».

قالت لميس بحدة:

— من هذا؟

أجابت ريانا:

— آدم منصور، مدقق مالي مستقل.

— ومن سمح لك بإحضار مدقق إلى شركتي؟

قال آدم بهدوء:

— لم أدخل إلى حسابات شركتك، ولم أطلب الاطلاع عليها. أنا هنا بسبب الملفات التي قدمها مشروع «خطوة» للمشتركين.

نظرت لميس إلى ريانا.

— فعلت هذا من وراء ظهري.

— لأنك كنت مشغولة بالوقوف فوق منصة كريم.

وقفت لميس.

— اخرجا.

لم تتحرك ريانا.

أما آدم، فأغلق حاسوبه كما لو أنه مستعد للمغادرة فعلًا.

قال:

— سأترك لك معلومة واحدة، ثم أخرج. الملف الذي أرسله إليك كريم الليلة ليس محميًا بكلمة مرور لحماية البيانات.

توقفت لميس.

— كيف عرفت أنه أرسل إليّ ملفًا؟

— النسخة نفسها وصلت إلى بعض المشاركين هذا الصباح. فحصت واحدة منها.

فتح حاسوبه مجددًا، لكنه لم يدفعه نحوها حتى أشارت له بالمتابعة.

— الملف لا يحتوي على وثائق، بل على رابط متصل بخادم خارجي. حين تكتبين كلمة المرور التي يعطيك إياها كريم، يستطيع صاحب الخادم معرفة من فتحه، ومتى، ومن أي جهاز. ويمكنه تغيير المحتوى بعد فتحه.

قالت هناء:

— أي إنه يستطيع أن يري كل شخص ملفًا مختلفًا؟

— أو يستبدل الملفات لاحقًا، ثم يدعي أن الجميع استلموا النسخة نفسها.

سألت لميس:

— هل هذا غير قانوني؟

أجاب آدم:

— التقنية في ذاتها ليست جريمة. استعمالها لتغيير العقود أو الأدلة قد يكون جريمة. لكنني لا أملك دليلًا على أنه فعل ذلك بعد.

أعجبتها دقته رغم غضبها. لم يحاول إخافتها، ولم يقدم شكه على أنه حقيقة.

سألته:

— وماذا وجدت أيضًا؟

نظر إلى ريانا كأنه يتأكد أن لميس هي من طرحت السؤال هذه المرة.

ثم قال:

— مؤسسة «خطوة للتطوير» سُجلت قبل خمسة أشهر برأس مال محدود. لا تملك مركز تدريب، ولا موظفين مصرحًا بهم، ولا ترخيصًا لتلقي استثمارات. العقود تسمي الأموال «رسوم خدمات»، بينما الإعلانات تقدمها للناس باعتبارها مساهمات في مشاريع مستقبلية.

— لكن كريم عرض تقارير ودراسات.

— التقرير الذي عرضه عن مشروع آية جُمّع من ثلاث دراسات منشورة على الإنترنت. غُيرت أسماء المدن والأرقام فقط.

شعرت لميس كأن أحدًا سحب المقعد من تحتها رغم أنها كانت واقفة.

تذكرت الصورة المسروقة التي وجدتها، والرسالة التي كتبتها بعد ذلك: «شكرًا لأنك لم تخذلني.»

كانت الحقيقة أمامها منذ الأمس. لم تحتج إلى آدم كي يكتشفها؛ احتاجت إليه فقط لأنها اختارت ألا تثق بعينيها.

قالت ريانا:

— سنصدر الآن بيانًا ينفي صلة «أفق» بالمشروع، ونطلب وقف استعمال اسمك وصورتك. بعدها نتقدم بشكوى.

قالت لميس بسرعة:

— لا.

حدقت بها الصديقتان.

سألت ريانا:

— ماذا قلت؟

— إذا أصدرنا البيان الآن، قد يسحب كريم الأموال أو يختفي. نحتاج إلى معرفة أين ذهبت.

قال آدم:

— هذا احتمال صحيح.

التفتت ريانا إليه بغضب.

— لا تساعدها على اختراع سبب جديد للتأجيل.

أجابها:

— التأجيل لحفظ الأدلة مختلف عن التأجيل لحماية شخص. المهم: أيهما تفعل؟

اتجهت الأنظار نحو لميس.

قالت:

— أعطوني حتى المساء.

ضحكت ريانا بمرارة.

— له أم لنا؟

— سأطلب منه الحضور وتسليم الحسابات.

— طلبت ذلك أمس.

— وهذه المرة يعرف أنني جادة.

— وكيف سيعرف؟ لأنك ستقولينها بصوت أشد؟

تدخلت هناء:

— لميس، ماذا ستفعلين إذا قدم لك تفسيرًا آخر؟

أجابت بعد تردد:

— سأعرف إن كان يكذب.

أغمضت ريانا عينيها.

— كنت تعرفين في كل مرة.

ساد الصمت.

شعرت لميس بالإهانة، لكنها لم تستطع الرد. كانت الجملة صحيحة أكثر مما تحتمل.

قال آدم:

— إذا كنت ستقابلينه، لا تخبريه بما اكتشفناه عن الملف أو التقارير. اطلبي فقط كشفًا بالحسابات وأسماء المستفيدين.

— ولماذا أثق بك؟

لم يتغير وجهه.

— لا تثقي بي. تحققي من كلامي.

كان جوابه مختلفًا عن كريم. لم يحوّل السؤال إلى إهانة، ولم يطلب منها إثبات مشاعرها. ترك لها باب الشك مفتوحًا، من دون أن يخشى أن تمر منه.

قالت ريانا:

— سنبقى في الغرفة المجاورة أثناء اللقاء.

— لا. إذا رآكم فلن يتكلم.

— ولن نتركك معه وحدك.

— هذا مكتبي.

ردت ريانا:

— وهذه المرة لن أجعل ملكيتك للمكان تقنعك بأنك تملكين الموقف.

اهتز هاتف لميس فوق المكتب.

ظهر اسم كريم.

راقب الأربعة الشاشة.

مدت لميس يدها، لكن ريانا أمسكت الهاتف قبلها.

— افتحي مكبر الصوت.

سحبت لميس الهاتف منها.

— لا تعطيني الأوامر.

ثم أجابت من دون تشغيل المكبر.

— أين كنت؟

جاء صوته متعبًا:

— أحاول إصلاح الكارثة التي صنعتِها.

— أنا صنعتها؟

— كلامك فوق المنصة أخاف المستثمرين. حين قلت إن «أفق» ليست شريكًا تعاقديًا، ظنوا أنك تتراجعين.

لم تصدق ما تسمعه.

— كنت قد أخبرتني أن الشركة لن تُذكر أصلًا.

— لم أذكرها أنا. الصحافية سألتك.

— وصورتي؟ وعبارة الضمان؟ والملفات المزورة؟

صمت كريم.

نظرت لميس إلى آدم، فعرفت من عينيه أن صمت الرجل في الطرف الآخر أهم من أي جواب سيأتي بعده.

قال كريم أخيرًا:

— ريانا عندك، أليس كذلك؟

— أجبني.

— لا أستطيع الحديث بحرية وهي تحرضك ضدي.

— التقارير منسوخة من الإنترنت.

— من قال ذلك؟ المدقق الذي أحضرته؟

تجمدت لميس.

لم تذكر وجود آدم.

سألته:

— كيف عرفت أن هناك مدققًا؟

تأخر جوابه.

— شريف رأى رجلًا يدخل مع ريانا.

نظر آدم نحو الباب الزجاجي. لم يكن شريف في الخارج، ولم يظهر منذ الحفل.

قال كريم بسرعة:

— لميس، اسمعيني. هناك من يحاول إسقاط المشروع، وأنت تمنحينهم ما يريدون. نادر غاضب، والمستثمرون يهددون بالانسحاب. إذا أصدرتِ بيانًا الآن، سيضيع كل شيء، وسيطالبنا الناس بأموال لم نعد نملكها نقدًا.

توقفت عند عبارته الأخيرة.

— أين الأموال؟

— موزعة على المشاريع والمصاريف.

— أرسل إليّ كشف الحساب.

— لا يمكنني.

— لماذا؟

— لأن الحساب جُمّد هذا الصباح.

— من جمّده؟

— البنك، بعد شكاوى المشاركين.

قالت ريانا بصوت يكفي ليصل إلى الهاتف:

— كاذب. لا يوجد قرار تجميد حتى الآن.

تنفس كريم بعنف.

— كنت أعلم أنها تستمع.

قالت لميس:

— تعال إلى مكتبي.

— لن أدخل غرفة أعددتموها لمحاكمتي.

— إذا لم تأت خلال ساعة، سأصدر البيان.

خفض صوته:

— بعد كل ما بيننا، تهددينني؟

أغمضت لميس عينيها.

ها هو يفعلها مرة أخرى؛ ينقل الحديث من الأموال إلى الحب، ومن حقها في السؤال إلى قسوتهـا في طرحه.

قالت:

— ساعة واحدة.

أنهت المكالمة.

قالت ريانا:

— لن يأتي.

— سيأتي.

— لماذا؟ لأنه يحبك؟

أجابت لميس، ولم تعرف إن كانت تقنع صديقتها أم نفسها:

— لأنه لا يملك خيارًا آخر.

---

مرّت الساعة.

ثم ساعة ثانية.

لم يأت كريم.

في الواحدة ظهرًا، تلقى مجلس إدارة «أفق» دعوة عاجلة إلى الاجتماع. كان الخبر قد انتشر: «سيدة الأعمال لميس السالمي تواجه اتهامات بضمان مشروع استثماري غير مرخص.»

دخلت لميس قاعة المجلس، فوجدت نادر يجلس في مكانه المعتاد، يقلب هاتفه بوجه متجهم.

قال فور رؤيتها:

— ماذا فعلتِ؟

توقفت.

— أنا؟

رفع هاتفه، وعرض عليها مقطعًا من الحفل.

— استعملتِ اسم الشركة لدعم مشروع حبيبك من دون موافقة المجلس.

— أنت كنت في الحفل.

— حضرت بصفتي مدعوًا. لم أكن أعرف أن «أفق» ستُقحم في الأمر.

تذكرت كلماته لكريم: «حين أخبرني أنك تدعمينه، عرفت أن المشروع يستحق الاهتمام.»

قالت:

— أنت أخبرتني أنك تعرف المشروع.

— أعرف فكرته، لا حساباته. وهناك فرق تعرفه مديرة شركة مثلك.

نظرت إليه طويلًا.

لأول مرة، أدركت أن كريم ربما لم يكن الرجل الوحيد الذي يختار كلماته بعناية.

جلس أعضاء المجلس. بدأت الأسئلة تنهال عليها: من سمح باستعمال الشعار؟ هل أخذت مقابلًا؟ هل «أفق» ضامنة للأموال؟ لماذا ظهرت فوق المنصة؟

أجابت بما تعرف، واعترفت بما لا تعرف.

قال أحد الأعضاء:

— تصرفك عرّض الشركة لخطر قانوني وسمعة سيئة. أقترح تعليق صلاحياتك مؤقتًا حتى انتهاء التحقيق.

انتفضت لميس.

— أنا من بنى هذه الشركة.

قال نادر بهدوء:

— ولهذا يؤلمنا ما حدث. لكن الشركة أكبر من أي شخص، حتى مؤسستها.

بدأ التصويت.

وقبل إعلان النتيجة، فُتح باب القاعة. دخلت ريانا ووجهها شاحب، تحمل وثيقة في يدها.

توجهت مباشرة إلى لميس.

— لا تقولي شيئًا آخر.

سألت لميس:

— ماذا حدث؟

وضعت ريانا الوثيقة أمامها.

كانت شكوى جماعية موقعة من سبعة وعشرين مشاركًا في مشروع «خطوة». اتهمت كريم وشريف بجمع الأموال عن طريق معلومات مضللة، وذكرت لميس بصفتها الشخص الذي منح المشروع المصداقية والضمان العلني.

قالت ريانا:

— الشرطة في طريقها إلى مقر المشروع، لكنه فارغ.

رفعت لميس عينيها.

— وكريم؟

— هاتفه مغلق، ومنزله خالٍ.

شعرت بأن القاعة تميل من حولها.

استندت إلى الطاولة.

اهتز هاتفها برسالة جديدة من رقم كريم.

فتحتها بيد مرتجفة.

«سامحيني. لم أكن أملك خيارًا. إذا كنت تحبينني حقًا، فلا تخبريهم بما تعرفين.»

قرأت الرسالة مرة ثانية.

لم يسأل إن كانت بخير، ولم يعتذر عن اسمها الذي تركه وسط الفضيحة، ولم يخبرها أين ذهبت أموال الناس.

طلب منها فقط دليلًا أخيرًا على الحب.

رفعت ريانا يدها.

— أعطني الهاتف.

لكن لميس أغلقت الشاشة وقبضت عليه.

سألتها ريانا ببطء:

— ماذا قال؟

نظرت لميس إلى أعضاء المجلس، وإلى نادر، وإلى الوثيقة التي تحمل اسمها بين المتهمين، ثم إلى الرسالة المختبئة داخل يدها.

كان يكفي أن تفتحها أمامهم.

كان يكفي أن تقول إن كريم اتصل، وإنه هرب، وإنه طلب منها الصمت.

فتحت فمها، لكن الكلمات التي خرجت لم تكن الحقيقة كاملة.

— لم يقل شيئًا مهمًا.

حدقت ريانا فيها بذهول.

وفي تلك اللحظة، لم تعد لميس تخفي كذبة رجل تحبه فقط.

بدأت تكذب هي أيضًا كي تحميه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل العاشر

    الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التاسع

    الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التامن

    الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السابع

    الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السادس

    الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status