Home / الخيال العلمي / الفقد / الفصل الرابع — أرض محايدة

Share

الفصل الرابع — أرض محايدة

Author: عبود
last update publish date: 2026-06-02 20:02:51

---

# الفصل الرابع — أرض محايدة

---

الممالك الثلاث تحركت في وقت واحد.

لم يكن مصادفة.

عرف كاييران ذلك من اللحظة التي وصلته فيها التقارير — ثلاث رسائل في يوم واحد، من ثلاث حدود مختلفة، بنفس المضمون وبنفس النبرة التي تستخدمها الممالك حين تريد الحرب لكنها تريد أن تبدو وكأن الحرب فُرضت عليها.

مملكة **أوران** في الشرق أعلنت أن مرسوم القرابين "إهانة للآلهة المشتركة بين الشعوب" وأنها لن تقبل جاراً يكفر بالأرباب.

مملكة **سيدار** في الغرب أرسلت جيشها دون رسائل. الجيش كان يتكلم بما يكفي.

أما **قبائل الشمال** — تلك الفوضى المسلحة التي لم تتوحد يوماً إلا حين تشم دماً — فقد تحركت نحو الحدود كأنها تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.

"ثلاث جبهات." قال الجنرال **أورين** وهو يضع الخرائط أمام الملك. رجل ضخم بشعر رمادي وعيون تعبت من رؤية الحروب لكنها لم تتوقف عن رؤيتها. "لم نواجه هذا من قبل يا مولاي."

"واجهناه مرة." قال كاييران دون أن يرفع عينيه عن الخريطة. "في عهد أبي. خسرنا ثلاثين ألف رجل وربحنا الحرب."

"أبوك لم يكن يخوض ثلاث جبهات في وقت واحد."

"أبي لم يكن يمنع القرابين أيضاً." رفع عينيه أخيراً. "الفرق بيننا أنني أعرف لماذا أفعل ما أفعله."

أورين لم يجادله. تعلّم على مر السنين أن جدال كاييران مضيعة للوقت — ليس لأن الملك لا يسمع، بل لأنه يسمع أكثر مما تريده وسيفعل ما يريده على أي حال.

"إذن؟"

"الشمال أولاً." قال كاييران. "القبائل تتحرك بسرعة لكنها لا تتحرك معاً. إذا ضربناهم قبل أن يتوحدوا، ننهي جبهة ونتفرغ للباقي."

---

تحركوا بعد يومين.

عشرون ألف جندي — ليس الجيش كله، لكن يكفي. كاييران يختار حجم جيشه بدقة كما يختار كلماته — لا أكثر مما يلزم ولا أقل مما ينجح.

ركب في مقدمة الجيش كما يفعل دائماً. الحراس يكرهون هذا. الجنرالات يكرهونه. هو يعرف أنهم يكرهونه ويفعله على أي حال — لأن الجنود يقاتلون بشكل مختلف حين يرون ملكهم أمامهم لا خلفهم.

المسافة بين العاصمة والحدود الشمالية ثلاثة أيام سيراً. قطعوها في يومين.

---

المعركة جاءت عند فجر اليوم الثالث.

لم تكن المعركة الكبرى التي تكتب عنها الملاحم — تلك ستأتي لاحقاً، في مكان آخر، حين يكون العالم مختلفاً تماماً. كانت اشتباكاً ضارياً في واد ضيق بين تلال متقاربة، حيث تضاءلت ميزة العدد وأصبحت الشجاعة والسرعة هما الفيصل.

قاتلت قبائل الشمال بطريقتها المعهودة — بلا تنسيق واضح، بلا خطوط ثابتة، بالصراخ والاندفاع وذلك النوع من الجنون المحسوب الذي يربك الجيوش النظامية.

لم يربك جيش كاييران.

قاتل الملك في الخطوط الأمامية حتى انتهى القتال. لم يكن بطولة — كان حساباً. وجوده هناك يساوي عشرة آلاف جندي في الروح المعنوية، وهذا رقم لا تجده في أي ميزانية حرب.

حين انتهى القتال، كان الميدان هادئاً بذلك الهدوء الثقيل الذي يتبع المعارك — حين تتوقف الأصوات كلها فجأة وتدرك أن ما كان ضجيجاً هائلاً قبل دقائق أصبح لا شيء.

---

الخسائر كانت أقل مما توقع. لكن "أقل مما توقع" في الحرب لا يعني قليلة.

"مئة وأربعة وثلاثون." قال أورين وهو يقرأ من ورقته. صوته مسطّح — ذلك التسطيح الذي يتعلمه الجنرالات لأن البديل لا يُحتمل.

مئة وأربعة وثلاثون.

كاييران لم يقل شيئاً. كان يمسح سيفه بقطعة قماش وعيناه على الأرض. مسحة واحدة. مسحتان. ثلاث.

*مئة وأربعة وثلاثون جرحاً كونياً جديداً في العالم.*

"الجرحى؟"

"ثلاثمئة وأحد عشر. بعضهم لن يكملوا الطريق إذا لم نتوقف."

"أقرب قرية؟"

فتح أورين الخريطة. أصبعه يتحرك ببطء ثم يتوقف.

"**دارن**. ساعتان شمالاً. صغيرة. لكن فيها ماء وسقف."

نظر كاييران إلى السماء. الشمس كانت تتراجع نحو الغرب.

"نتحرك الآن."

---

وصلوا حين كانت الشمس تلامس قمم الجبال.

رأت آيا الغبار أولاً — سحابة كثيفة في الأفق الجنوبي تعني شيئاً واحداً لمن نشأ يسمع قصص الحروب. أيقظت أمها. أيقظت الجيران. وصل الخبر إلى الشيخ أبو ثابت قبل أن يصل الجيش بعشرين دقيقة.

"لا أحد يتحرك." قال الشيخ بهدوء مدروس. "لا أحد يأخذ سلاحاً ولا يفر. جيش يرى قرية فارغة يحرقها. جيش يرى قرية بشر يتساءل ماذا يفعل."

حكمة بسيطة من رجل عاش ما يكفي ليرى جيوشاً تمر.

وقفت القرية كلها عند المدخل.

كاييران كان في المقدمة حين رأهم — مجموعة من الناس البسطاء بوجوه لا تخفي خوفها تماماً ولكنها لا تنهار أيضاً. رجل عجوز في المقدمة بعيون هادئة أكثر مما ينبغي.

أوقف كاييران فرسه.

"نحن لا نؤذي من لا يؤذينا." صوته واضح ومباشر. "لدينا جرحى يحتاجون ماءً وراحة. سنبقى ليلة واحدة ونرحل فجراً. سيُعوَّض أهل القرية عن كل شيء يُستخدم."

الشيخ أبو ثابت نظر إليه بطريقة يقيّم فيها الرجال لا الملوك.

"القرية بيتكم الليلة." قال أخيراً.

---

تحوّلت دارن في ساعة واحدة إلى شيء لم تكنه من قبل.

البيوت الكبيرة أصبحت مشافي مؤقتة. النساء — اللواتي رأين في الجرحى أزواجهن وآباءهن الغائبين — تحركن بسرعة لا تحتاج طلباً. أوعية الماء، القماش النظيف، ما تيسّر من أعشاب تعرفها كل امرأة في قرية ريفية.

آيا كانت في وسط كل هذا.

لم تكن تفكر في الملك ولا في الجيش — كانت تفكر في الرجل الممدد أمامها، شاب لا يكبرها بكثير، سهم لا يزال في كتفه لأن كسره داخل الجرح أخطر من تركه.

"هل تثق بي؟" سألته بهدوء.

نظر إليها بعيون حمراء من الألم والتعب. "ليس عندي خيار."

"دائماً في خيار." قالت وهي تمسك بالسهم بيدين ثابتتين. "لكن هذا ليس وقت النقاش."

سحبت.

صرخ الرجل. ثم أغمي عليه. ثم — بعد دقائق طويلة — فتح عينيه وهي تضمد الجرح بقطعة قماش نظيفة.

"شكراً." قالها بصوت ضعيف.

"اشرب ماء وانم."

قام تقديرها عنده كثيراً.

---

حين انتهت من الجرحى الذين تستطيع مساعدتهم، خرجت لتأخذ هواءً.

الليل كان قد نزل بالكامل. النيران المشتعلة في ساحة القرية ألقت ضوءاً دافئاً على كل شيء. الجنود الذين يستطيعون الجلوس كانوا يأكلون ويتحدثون بأصوات خافتة، مرهقة.

جلست على حجر بعيد قليلاً عن الضجة ونظرت إلى النار.

"هل أنتِ من سحب السهم؟"

التفتت.

لم تعرفه في البداية — لم تكن قد رأته من قبل. رجل يقف على بُعد خطوات منها، بدرع عليه آثار المعركة لكن وجهه نُظِّف. طويل القامة، عيناه رماديتان في ضوء النار، ينظر إليها بطريقة لا تشبه الطريقة التي ينظر بها الجنود عادةً.

"نعم." قالت.

"كيف عرفتِ أن تسحبيه بدل أن تكسريه؟"

"لأن السهم كان بجانب الوريد بأقل من إصبع. كسره كان سيقتله."

صمت لحظة. ثم جلس على الحجر المقابل لها — بدون استئذان لكن بدون وقاحة أيضاً. كأن الجلوس كان الشيء الطبيعي الوحيد.

"تعلمتِ هذا من أين؟"

"من أمي. وأمي من جدتها. في القرى البعيدة عن المدن، المرأة طبيبها بنفسها."

نظر إلى النيران. شيء في ملامحه تغيّر — ليس كثيراً، لكن بما يكفي لمن يُحسن القراءة.

"الرجل الذي أنقذتِه اسمه **فارس**. كان سيموت لو لا أنتِ."

"كان سيعيش أيضاً." قالت آيا. "الناس أقوى مما نظن."

نظر إليها.

"وأحياناً أضعف مما يظنون هم."

قالها بصوت هادئ جداً. بصوت رجل لا يتكلم عن فارس.

آيا نظرت إليه بهدوء. لم تسأل من هو. كان ثمة شيء فيه — ذلك الثقل الذي يحمله بعض الناس كأنه معطف غير مرئي — يقول إن السؤال غير ضروري.

"من أين أنتِ؟" سألها.

"من هنا." ثم بعد ثانية: "دارن."

"هل تحبينها؟"

سؤال غريب من رجل غريب في ليلة غريبة. لكن آيا لم تجد فيه غرابة.

"هي كل ما أعرفه." قالت ببساطة. "لكن نعم، أحبها."

"حتى لو كان خارجها أكبر بكثير؟"

"خاصةً لأن خارجها أكبر بكثير."

أجابت بثقة لم تتكلّف فيها. وكان في إجابتها شيء جعل الرجل الجالس أمامها — الرجل الذي حكم إمبراطوريات وخاض حروباً ورأى عواصم تحترق — يتوقف.

يتوقف فعلاً.

كأنها قالت شيئاً لم يسمعه منذ وقت طويل جداً.

الحقيقة.

---

قبل أن يقوم، نظرت إليه آيا مباشرة.

"اسمك؟"

توقف. نادراً ما يُسأل هذا السؤال بهذه البساطة — دون لقب، دون "مولاي"، دون الانحناءة التي تسبق أي كلام.

"كاييران."

لم تتغير ملامح وجهها. لم تنهض، لم تنحنِ، لم تبدل نبرتها.

نظرت إليه فقط — بتلك العيون التي قال عنها أهل القرية إنها ترى أكثر مما ينبغي — ثم أومأت برأسها بهدوء.

"آيا."

قام، أدار ظهره، مشى خطوتين. ثم توقف دون أن يلتفت.

"شكراً على فارس."

"شكر الآلهة." قالت. "أنا فعلت ما أعرفه فقط."

لم يجب.

لكنها رأت — أو ظنت أنها رأت — شيئاً يشبه الابتسامة في الجانب الذي يظهر من وجهه قبل أن يبتلعه الظلام.

---

في تلك الليلة لم ينم كاييران.

لم يكن هذا جديداً. لكن السبب كان جديداً.

كان يفكر في جملة قصيرة قالتها فتاة ريفية لا يعرفها، بصوت لم يكن فيه محاولة للتأثير:

*"خاصةً لأن خارجها أكبر بكثير."*

كان يفكر في متى آخر مرة أحبّ فيها شيئاً لمجرد أنه يعرفه.

لم يجد إجابة.

لكنه — ولأول مرة منذ أمد بعيد — أراد أن يجدها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفقد    الفصل التاسع عشر — ما يبدأ بعد النهايات

    يوسف بن ثابر أكل وحده في الصباح لأول مرة منذ أشهر.لا يبدو هذا شيئاً كبيراً من الخارج. لكن آيا — التي جلست بجانبه تشرب قهوتها وتراقبه — رأت كيف أمسك الكوب بيديه. ببطء. باهتمام. كأنه يتأكد من أن الكوب حقيقي. أن يديه تعملان كما ينبغي. أن الاختيار الصغير — أن يشرب الآن لا بعد دقيقة — هو اختياره هو.الأشياء الصغيرة أثقل ما تكون حين تغيب.---"أبي."رفع عينيه."كيف تشعر؟"فكّر. رجل في الخمسين يفكر في إجابة بجدية من يعرف أن السؤال يستحقها."كأنني كنت في غرفة مغلقة ثم فُتح الباب." قال. "الهواء جديد. لكن المشي لا يزال بطيئاً.""هذا طبيعي." قال كاسيوس من الزاوية حيث يجلس. "العقدة تُضعف الإرادة تدريجياً. العودة ستكون تدريجية أيضاً.""كم وقت؟""أيام. أسابيع." توقف. "يعتمد على الشخص."نظر يوسف إلى يديه."أيام تكفي."---طلب يوسف رؤية كاييران في الضحى.آيا أخبرت الملك.كاييران الذي واجه جيوشاً وآلهة وحاكم عالم سفلي — وقف أمام باب البيت الصغير لثانيتين أكثر مما ينبغي."ادخل." قالت آيا من خلفه."أعرف.""إذن ادخل.""أعرف.""كاييران—""دقيقة."---دخل.يوسف كان جالساً بالقرب من النافذة في الضوء. أفضل

  • الفقد   الفصل الثامن عشر — المواجهة

    السهل جنوب دارن لم يكن ساحة معركة.كان أرضاً زراعية — حقول قمح قديمة تركتها قرى أصغر من دارن منذ سنوات حين ضاق بها الرزق وضاق بها الملح معه. الأرض لا تزال خصبة. لا تزال تتذكر ما كانت تُنبته. لكن لا أحد بقي ليسألها عن ذاكرتها.حتى هذا الصباح.---أورين رتّب الجنود.مئة وثلاثة وثلاثون رجلاً — خطّهم الأمامي رقيق كورقة مياه قبال ما يأتي. لكن أورين رجل عاش ما يكفي من الحروب ليعرف أن الأرقام تكذب أحياناً. والخط الرقيق الذي يعرف سببه يبقى أطول من الخط السميك الذي لا يعرف.ريم وتسعة معه — اختفوا نحو الغرب من دارج الصباح.وكاييران مع آيا وكاسيوس والرجلين — يمشون بموازاة الجيش. لا أمامه ولا خلفه. على جانبه. مثل سكين بجانب جرح لم يُحدد بعد أين يقع.---الغبار الجنوبي أصبح شكلاً.ثم أشكالاً.ثم جيشاً.---الجيش كان أكبر مما تخيّله أورين حين سمع الأرقام.الأرقام تكذب أيضاً في الاتجاه الآخر.خمسة آلاف رجل حين يُكتبون على ورق يبدون رقماً. حين يمشون نحوك وأنت واقف في سهل مفتوح يُصبحون أفقاً بديلاً. الأرض تحتهم تهتز همساً. والرايات البيضاء والذهبية تتحرك في هواء لا يحرّكه أي شيء آخر."يا إلهي." قال أح

  • الفقد   الفصل السابع عشر — ما يُتخلى عنه

    في الصباح الأول بعد الكهف — لم يتكلم أحد عن الاختيار.ليس لأن أحداً نسي. بل لأن بعض الأشياء تحتاج أن تجلس في الهواء قبل أن تُلمس. مثل خبز السكر الساخن الذي تعرف أنه موجود لكنك تنتظر حتى يبرد قليلاً قبل أن تمد يدك.آيا استيقظت فجراً كعادتها. خرجت كعادتها. ذهبت إلى التل كعادتها.لكن هذا الصباح — التل كان مختلفاً.ليس في شكله. في ما حملته إليه.---جلست وأخرجت الخاتم.خاتم جدتها. الذهب المخدوش والحجر الأزرق الصغير.أمسكته بين أصبعيها وأدارته ببطء. الذهب دافئ رغم برودة الهواء — كأنه يحتفظ بحرارة من مسّه.فكّرت في جدتها التي لم ترها. في جدة جدتها. في سلسلة نساء حملن شيئاً لم يفهمنه وأعطينه لمن بعدهن.هل كنّ يعرفن؟هل كانت إحداهن تجلس على تل ما وتنظر إلى خاتم وتتساءل عن نفس السؤال؟---"أنت هنا منذ الفجر."صوت كاييران من خلفها.لم تلتفت. "أنت أيضاً."جلس بجانبها. نظر إلى الأفق الذي يبدأ يتلوّن."لم تنامي.""نمت قليلاً." ثم: "أنت أيضاً لم تنم.""قليلاً."صمت مريح. الصمت الذي تعلّماه بدون أن يُقرراه."الورقة." قالت أخيراً. "البديل للقرابين. ماذا ستفعل به؟""سأُرسله لسيدور في العاصمة." قال. "ل

  • الفقد   الفصل السادس عشر — رسالة من تحت الأرض

    قرأها كاييران مرتين.ثم أعادها إلى كاسيوس دون كلام. وكاسيوس أعادها لأن الورقة في يد كاييران لم تكن في مكانها.الرسالة كانت لآيا.---وجداها عند النبع الصغير خلف القرية — المكان الذي اكتشفه كاسيوس قبل يومين ووصفه بأنه "نقطة ماء تحمل شيئاً لا تحمله المياه العادية." آيا اكتشفته قبل كاسيوس بسنوات لكنها لم تجد له وصفاً أفضل من "المكان الذي يهدئ التفكير."كانت تغسل يديها حين سمعت خطواتهما.التفتت.رأت وجهيهما."ماذا؟"أعطاها كاسيوس الرسالة.---قرأتها واقفة.ببطء في البداية. ثم أبطأ. ثم توقفت في منتصفها وعادت إلى البداية وأعادت القراءة.حين انتهت — بقيت تنظر إلى الورقة."كاسيوس." قالت دون أن ترفع عينيها. "ترجمتها أنت؟""نعم.""هل الترجمة دقيقة؟""بقدر ما يسمح بها علمي بهذه اللغة. نعم.""إذن—" رفعت عينيها أخيراً. "إذن حاكم العالم السفلي يعرف اسمي.""يعرف أكثر من اسمكِ." قال كاسيوس.---قرأها كاييران بصوت عالٍ لأورين وريم لاحقاً — ليس كلها. الجزء الذي يخص القرار.لكن آيا حفظتها كلها في أقل من دقيقتين.بعض الأشياء لا تحتاج جهداً لتحفظها. تحفظ نفسها.---**الرسالة:***"إلى آن — الأصل — وإلى الم

  • الفقد   الفصل الخامس عشر — ما يُقال في الليل

    أخبر كاسيوس كاييران في الصباح.لم يُخطط لأن يفعل ذلك مبكراً. كان يُريد وقتاً أكثر — وقتاً يُراجع فيه الورقة ويتأكد وربما يجد فيها شيئاً مختلفاً عما قرأه الليلة الماضية. لكنه قرأها ست مرات وما فيها لم يتغير.وكاسيوس يعلم أن بعض الأشياء لا تتغير بالتمني.---جلسا وحدهما.قرأ كاييران الورقة مرة. مرتين.وضعها."إذن كل مرة تُعطي دمها—""تفتح الحجاب أكثر." قال كاسيوس. "الهمج ستزداد. وفي النهاية—""الثمن يكبر.""الثمن يكبر."طال الصمت."وهي لا تعرف؟""لا."نظر كاييران إلى الجدار. ثم: "ستُخبرها."لم يكن أمراً. لم يكن سؤالاً. كان تقريراً لما يجب."أعرف." قال كاسيوس. "لكنني أردتك أن تعرف أنت أولاً.""لماذا؟"نظر إليه كاسيوس بطريقة مدركة."لأنك ستحتاج أن تكون جاهزاً لما ستقوله بعدها."---وجدها عند أبيها.يوسف كان جالساً في زاوية البيت — الجنديان اللذان يحرسانه أُبعدا إلى الخارج بطلب منها. قالت لريم إنها تُريد دقائق. ريم وافق بعد تردد.كانت تتحدث إليه بهدوء. تحكي — عن سارة وكيف كبرت، عن القرية وما تغيّر، عن أمه مريم التي لا تزال تصنع الخبز بنفس الطريقة القديمة.يوسف يسمع. عيناه عليها. لكن وراء ا

  • الفقد   الفصل الرابع عشر — الدواء والسُّم

    في الصباح، مات أول واحد.جندي شاب — ريم قال إنه من مدينة بعيدة، أول مرة يبتعد فيها عن عائلته. ذهب بهدوء في نومه. الجلد حوله أصبح ذلك الأسود الكامل المتصل.آيا غطّت وجهه بنفسها.ثم خرجت وجلست على الأرض خارج البيت ونظرت إلى السماء.وقف كاييران بجانبها دون كلام."كم بقي؟" سألت."ثلاثة وعشرون.""وأهل القرية الثلاثة؟""يتغيرون أيضاً. ببطء أشد." توقف. "مريم تعتني بهم.""أمي تعتني بالجميع." قالتها بصوت فيه شيء كثير."تشبهكِ.""أنا أشبهها."---كاسيوس لم يخرج من الغرفة.أوراقه منتشرة على كل سطح. صناديقه الثلاثة مفتوحة. وهو في المنتصف — يقرأ ويكتب ويُقارن ويعود ليقرأ.دخل عليه كاييران في الظهر."شيء؟""ربما." رفع ورقة. "النبع الذي جمعت منه السائل — ماء الغابة القديمة. أبطأ الهمج لكن لم يوقفها. ما يعني أنه يُضعف ما فيها لكن لا يُلغيه." وضع الورقة. "لكن آيا—""ماذا عنها؟""آيا لم تتراجع منها الهمج فقط. تراجعت بسرعة. كأن وجودها أقوى من السائل." نظر إليه. "وهذا يعني أن ما تحمله هي — ما جعل الفيراث تعرفها — هو نفسه ما يُبطل الهمج.""فقدها.""لا." توقف. "عكسه. الهمج مصنوعة من فقد بلا صاحب. وآيا—" نظ

  • الفقد   الفصل الخامس — ما تبقّى من الإنسان

    ---# الفصل الخامس — ما تبقّى من الإنسان---في الفجر، حين أعطى أورين أمر التحرك، لم يتحرك الملك.وقف الجنرال أمام فرسه المُسرَّج وانتظر. كاييران كان ينظر إلى القرية النائمة بعيون لا تقول شيئاً — أو تقول شيئاً كثيراً ولا تريد أن يُقرأ."يا مولاي." قال أورين بحذر. "الجبهة الغربية—""أعرف.""إذا تأخر

  • الفقد   الفصل الثالث — الفتاة من التراب

    ---# الفصل الثالث — الفتاة من التراب---اسمها **آيا**.لا لقب بعده، لا نسب يفخر به أحد، لا عائلة تُذكر في سجلات الإمبراطورية. فقط آيا — كلمة قصيرة قالتها أمها لأول مرة وهي تنظر إلى وجهها الصغير، وقررت أن هذا يكفي.وكان يكفي.عاشت في قرية **دارن** — مجموعة من البيوت الحجرية التي تتكئ على بعضها كأن

  • الفقد   الفصل الثاني — الوريث المكسور

    كان عمره تسع سنوات حين شاهد أباه يقتل رجلاً بيده لأول مرة.لم يكن المشهد ما توقعه. لم تكن ثمة صرخات طويلة ولا خطب ملكية تسبق الفعل. فقط الإمبراطور العجوز ماروس، واقفاً في منتصف قاعة صغيرة، وأمامه رجل ركع حتى لمس جبهته الأرض، ثم الصوت — ذلك الصوت القصير الجاف الذي أصدره السيف وهو يجد طريقه.بعدها صم

  • الفقد   الفصل الأول — العرش الملطّخ

    الفصل الأول — العرش الملطّخقالوا إن المدينة بُنيت فوق قبور أعداء الإمبراطورية الأولى.قالوا إن كل حجر في أسوارها العالية يحمل اسم رجل مات وهو يصرخ، وأن الأرض تحتها لا تزال دافئة من دماء لم تجف منذ مئات السنين. ربما كانوا يبالغون. وربما لم يكونوا."أريوس."لم يلتفت الحارس للوهلة الأولى. كان ثمة شيء

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status