LOGINالجزء الثالث عشر: ليلة المولد.. وخطة "السيستم الأخير"
كانت ساحة مولد الشيخ "أبو العزم" تضج بالحياة؛ أنوار ملونة معلقة بالحبال تتأرجح مع نسمات الليل، رائحة البخور تختلط برائحة غزل البنات والفول السوداني، وصوت "المزمار البلدي" يثقب الآذان بإيقاع حماسي يرفع الأدرينالين في الصدور. في وسط الساحة، تحلق أهل القرية في دائرة واسعة، يترأسهم كبار العائلات والحاج مرسي، بانتظار "مبارزة الموسم". دخل "عواد" إلى الحلبة أولاً، يرتدي جلباباً صعيدياً داكناً وصدرية من الصوف الفاخر، ويمسك بنبوته الغليظة المصنوعة من خشب الزان. كان يلف العصا في الهواء ببراعة مذهلة، محدثاً صوتاً يشبه أزيز الطائرات، وسط تشجيع وهتاف أصدقائه: "عاش يا وحش! وريه لغة الصعيد يا عواد!" وفي الجانب المقابل، وقف كريم. كان يرتدي جلباباً أبيض بسيطاً استعاره من والد نشوة، ويمسك بالعصا التي تدرب عليها. كان قلبه يدق بسرعة 200 نبضة في الدقيقة، لكنه تذكر كلمات "كابتن نشوة": عواد جسمه زي الحيطة، لو لعبت معاه بالقوة هيموتك، العب معاه بالكمبيوتر اللي في دماغك. لمح كريم نشوة تقف وسط النساء من بعيد؛ كانت ترتدي الثوب الفيروزي الذي اشتراه لها من السوق، وتنظر إليه بعينين يملأهما القلق والدعم الصامت. أومأت له برأسها، وكأنها تقول: "أنا واثقة فيك". تنحنح الحكم (وهو شيخ كبير من أعيان البلد) وقال بصوت جهوري: "يا أهل البلد.. المبارزة دي على "الأصول والسلم"، اللي عصايته تقع أو يلمس الأرض، يبقى خسران.. ابدأوا على بركة الله!" تقدم عواد بخطوات ثقيلة وواثقة، وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه: "ها يا بشمهندس؟ لسه عندك فرصة تنسحب وترجع لـ "الإنترنت" بتاعك قبل ما أعمل منك بطاطس محمرة." ابتسم كريم بثبات مصطنع وقال: "ابدأ يا عواد.. ودع العصا تتحدث." بدأت المعركة. هجم عواد بقوة مفرطة، هاوياً بعصاه نحو كتف كريم الأيسر. هنا، تحول عقل كريم إلى شاشة حاسوب؛ بدأ يحلل حركة عواد كأنها "بيانات" (Data) برمجية. تذكر "البوابة الأولى"، فمال بجسده للخلف ورفع عصاه بزاوية مائلة. "طااااخ!" اصطدمت العصا بعصا كريم، وتزحلقت ضربة عواد القوية نحو الأرض دون أن تصيب كريم بأذى. تعالت صيحات الإعجاب من الجمهور: "الله! الولد البندر بيعرف يصد!" غضب عواد من صد الضربة، وبدأ يوجه ضربات متتالية وسريعة: يميناً، يساراً، ومن الأعلى. وكان كريم يطبق خطة "المراوغة والامتصاص"؛ لم يكن يضرب عواد، بل كان يكتفي بالدفاع والتحرك بخفة، مستغلاً وزنه الخفيف مقارنة بضخامة عواد. بعد خمس دقائق من الهجوم المتواصل، بدأ عواد يلهث، وظهر التعب على حركاته التي أصبحت بطيئة ومكشوفة بسبب الغضب ونقص اللياقة. هنا، أدرك كريم أن "السيستم" عند عواد بدأ يعاني من "Lag" (بطء في الاستجابة). — "جه دوري يا عواد!" همس كريم. وفي لحظة اندفاع أعمى من عواد بضربة علوية، لم يقم كريم بالصد هذه المرة، بل انحنى بالكامل تحت العصا (كما كان يفعل فوق طشت الغسيل)، واستدار بسرعة 180 درجة ليصبح خلف عواد تماماً. وبحركة خاطفة وذكية، وجه طرف عصاه نحو كاحل عواد، وشدها بقوة. فقد عواد توازنه بسبب ثقل جسمه، وطار في الهواء ليسقط على ظهره وسط الغبار بـ "بوممممب" مدوية، وطارت عصاه من يده لتستقر عند أقدام الحكم! ساد صمت رهيب في الساحة لثوانٍ.. لم يصدق أحد أن "الأفندي" أسقط عملاق القرية! وفجأة، انفجرت الساحة بالهتاف والتصفيق، وكانت نشوة تطلق زغرودة ريفية حادة هزت أرجاء المولد وهي تقفز فرحاً. تقدم الحكم ورفع يد كريم عالياً: "المستأجر الجديد هو الكسبان! مبروك يا بشمهندس، طلعت ابن بلد بجد!" قام عواد وهو يجر أذيال الخيبة، ينفض التراب عن جلبابه، ونظر إلى كريم بنظرة غيظ ممزوجة باحترام مكتوم، قبل أن ينسحب من الساحة وسط سخرية أهالي البلد. اقتربت نشوة من كريم وهي تحمله طبقاً من "الأرز باللبن" والمكسرات، وقالت وعيناها تلمعان بدموع الفرح والشقاوة: — "الله عليك يا كيمو! والنعمة إنت عملت خطة "هاكرز" عالمية! عواد وقع زي شوال الرز!" أخذ كريم الطبق وهو يلهث، ونظر إليها بحنان وقال: "لقد نفذت تعليمات الكابتن بدقة.. والآن، أين هو "الحمام المحشي" الذي وعدتِني به؟" غمزت له نشوة وقالت بصوت منخفض: — "الحمام في الفرن بيستوي يا بطل.. بس من بكرة، مفيش تدريب عصايا، فيه تدريب من نوع تاني.. هعلمك إزاي "تخطب" بنت ريفية من أبوها، عشان البلد كلها بقت بتقول إنك "خاطف قلبي"!" اتسعت عينا كريم من الصدمة السعيدة، وأدرك أن معركة النبوت كانت سهلة، لكن المعركة القادمة مع الحاج مرسي و"شروط الزواج الريفي" ستكون التحدي الأكبر في حياته!الجزء الخامس والثلاثون بعد المائة: سهرة الحبر والدفء.. ختام الحصاد وبداية الرواية الكبرى!مع هدوء الليل وانطفاء آخر وميض لعواصف عواد الميكانيكية، عاد السكون العجيب والدافئ ليحتضن أركان الدوار. كانت الساحة قد غُسلت ونُظفت، وخيّم عبير الشاي بالنعناع والمرمية على المكان المنعش، بينما ألقى القمر أشعته الفضية اللينة على حوائط الطين والتبن الأصيلة.استند كريم ونشوة بجانب بعضهما فوق الوسائد الصوفية أمام الكانون الذي كان يرسل ومضات حمراء هادئة تدفئ الأجواء الشتوية. وضعت نشوة رأسها المكلل بالبراءة والدلال على كتف كريم، وأخذت تقلب بأصابعها ريشة الكتابة والدفتر الجلدي العتيق، بينما استقر كف كريم الدافئ فوق يدها ليمنحها شعوراً لا يُقادر بالاستقرار والأمان الأبدي.همست نشوة بصوتها العذب الذي يشبه خرير الماء في الساقية:— "تعال يا كيمو يا سندي ومهندس عمري.. خلصنا مونة السنة كلها، من الجبنة والمش، لحد الفطير والعسل والسمن والفول.. كأننا بنينا حصن من البركة والخير بيدنا. تفتكر روايتنا الجديدة اللي بنكتبها هتقدر تنقل كل الدفء والريحة والطيبة دي للناس؟"تأمّل كريم وجهها المضيء بضوء النار، وابتسم بحن
الجزء الرابع والثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتعتيق "سمن الحليب الصافي وكبّة الكشك الصعيدي بالفريك".. وريحة الخضيرة المعتقة!مع نسيم الليل الشتوي العليل وانبعاث الدفء من أركان الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أفخر وأعرق طقوس المونة العتيقة على الإطلاق: موسم "صهر وتصفية السمن البلدي المعتق من قشدة الحليب الصافي، وتشكيل كِباب الكشك الصعيدي المعجون باللبن الزير والفريك الذهبي" لتعتيقه على أطباق الخوص تحت أشعة الشمس.فُرشت الساحة بأغطية الصوف الكبيرة، ورُصت عليها أوانٍ نحاسية متوهجة يتصاعد منها عبير السمن البلدي أثناء صهره على نار جمر الكانون الهادئة، وبجانبها قصاع خشبية ضخمة مليئة بعجين الكشك البلدي المعجون باللبن الرايب المخمر والفريك المغسول، والمصمم على شكل كرات صغيرة (كِباب) متناسقة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون خمري عميق مطرز بالخيوط الذهبية والفضية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تشكيل كِباب الكشك برقة ودقة متناهية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات الفخار المسامية وملعقة الخشب الكبيرة لتصفية مرتة السمن، و
الجزء الثالث والثلاثون بعد المائة: موسم تحميش وتخزين "الفول البلدي العريض ودرس الكمونية والعدس المنسوب".. وقنبلة الدش!مع اشتداد نسيم الليل الشتوي البارد وسطوع الفوانيس فوق عروق الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق طقس من أهم طقوس المونة الفلاحية الصلبة: موسم "غربلة وتحميش الفول البلدي العريض، ودشّ العدس الأصفر، وتنقية حبات الكمونية الفلاحية" استعداداً لموسم التدميس الشتوي العتيق.فُرشت الساحة بأغطية الخيش العريضة، ورُصت عليها أطباق الخوص المجدولة، وبجانبها قدر كبير نحاسي لتجفيف وتدفئة حبات الفول فوق جمر الكانون الخفيف، وأوانٍ تضم الملح الخشن والكمون العريض لمقاومة الرطوبة وتأمين الحبوب طوال الشتاء.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أخضر زيتي مطرز بالخيوط الصفراء والبرتقالية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ غربلة الفول البلدي بحركات يدوية متناغمة تشبه الرقص الريفي الأصيل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمصفاة الخشبية وجرار الفخار الكبيرة، ونظارته الطبية تعكس بريق الجمر، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بش
الجزء الثاني والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتصويم "الفلفل الأحمر الشطة ودرس الملح والكمون البلدي".. وقنبلة الشطة!مع زوال حرارة الظهيرة واعتدال هواء المساء الفلاحي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أكثر طقوس المونة حماساً وإثارة: موسم "تجفيف ودق الشطة الحمراء البلدي ونخل الملح والكمون العريض" لتحضير توابل الدوار للسنة الجديدة.فُرشت الساحة بقطع الخيش النظيفة، وتلألأت عليها أكوام الفلفل الأحمر القاني شديد الجفاف، إلى جانب أوانٍ نحاسية تضم حبيبات الكمون البلدي العطرة، والملح الرشيدي الخشن، وجرون الحجر العتيقة مع يدان الهاون الثقيلة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً بلون أصفر شتوي مطرز بخيوط حمرة الرمان، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ نخل الكمون ودق قرون الشطة داخل الجرن الحجري بدقة وتأنٍّ. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بالمناخل وجرن الحجر الصغير، ونظارته الطبية تعكس بريق الشمس، فقالت له بصوت يفيض بالشقاوة والدلال الريفي:— "تعال هنا يا بشمهندس الدق والسيستم المشطشط صح! درس الشطة والكمون البلدي ده هو أصل (الـ Fine Grinding & Aroma Retent
الجزء الواحد والثلاثون بعد المائة: موسم تجفيف وتقميع "الثوم البلدي الأحمر وعقد عناقيد البصل الشتي".. وريحة الخزين الساحرة!مع أنسام الأصيل الدافئة وتصاعد حفيف أوراق الزيتون في ساحة الدوار، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أهم وأعرق طقوس "المونة العتيقة" التي تحمي الدار وتضمن بركتها طوال العام: موسم "تجفيف الثوم البلدي الأحمر الروسي، وتقليم وتقميع عروش البصل الشتي الذهبي، وعقد العناقيد الشريفة" لتعليقها في مناشر وسقائف الدوار.فُرشت الساحة بأربطة من الصوف والخيش الدافئ، ورُصت عليها أطنان من رؤوس الثوم البلدي ذي اللون الأرجواني الزاهي والشديد الصلابة، إلى جانب أكوام البصل الشتي المتوهجة بالقشرة الذهبية، وبجانبها مقصات التقليم العتيقة والحبال المجدولة من ليف النخيل الصافي.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون برتقالي محروق مطرز بالخيوط النيلية والذهبية، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بدلال يسرق القلوب، وشمرت عن ساعديها لتبدأ ضفر عروش الثوم مع حبال الليف بحركات يد سريعة ومتقنة تشبه ضفر شعر الجدايل. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً بمقصات التقليم وحبال القنب، ونظارته الطبية تعكس
الجزء الثلاثون بعد المائة: موسم صهر وتجميع "عسل النحل الجبلي وشمع الجبح الفلاحي".. وريحة أزهار الموالح!مع نسيم الصباح العليل وتفتح نوار أزهار الموالح والبرسيم الشتي، أعلنت نشوة عن انطلاق واحد من أنقى وأبهى طقوس الخزين في الدوار: موسم "جني وتصفية عسل النحل البلدي الجبلي واستخلاص شمع الجباح العتيقة" لتعبئته في المرطبانات الزجاجية وتخزينه لمونة الشتاء.فُرشت الساحة بأغطية قماشية ناصعة البضاضة، ورُصت عليها أقراص الشمع الذهبية المليئة بشهد العسل الصافي، وبجانبها أوانٍ نحاسية متوهجة، ومصافٍ حريرية دقيقة نُسجت خصيصاً لتصفية العسل وخلعه عن الشمع دون أن تفقد قطرة واحدة من قيمته الغذائية ونكهته العطرة.خرجت نشوة مرتدية ثوباً فلاحياً دافئاً بلون أصفر خردلي زاهٍ مطرز بالورود البيضاء، وربطت رأسها بمنديلها الشقي بطريقة تفيض بالجمال والشقاوة الفلاحية، وشمرت عن ساعديها لتبدأ تقطيع أقراص الشمع بحرص ونعومة فوق المصافي النحاسية. ونظرت إلى كريم الذي كان يجلس بجانبها ممسكاً ببرطمانات التخزين ومكبس الشمع اليدوي، ونظارته الطبية تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة، فقالت له بصوت يملأه الدلال والأنوثة الريفية:
الجزء الثامن: أسرار السطوح.. والكمين الرومانسيكان الليل في البادية يمتلك لوناً أسوداً مخملياً لا تراه في المدن؛ حيث النجوم تبدو قريبة لدرجة أنك تظن أن بإمكانك قطفها كحبات العنب. صعد كريم سلم بيته الطيني بحذر، قلبه يدق كطبلة بلدية، متسائلاً عن "السر" الذي وعدته به نشوة.عندما وصل إلى السطح، وجدها
الجزء السابع: وليمة "الحاجة".. وفنون الإغواء بالبطكان بيت "الحاج مرسي" تفوح منه روائح تدوخ الرأس؛ رائحة تقلية البصل، مع زفر الطيور، ورائحة الخبز الذي خرج للتو من الفرن. دخل كريم وهو يحاول هندمة قميصه الذي نجا بأعجوبة من سباق الحمير، وشعر برهبة لم يشعر بها يوم مناقشة مشروع تخرجه.في وسط الغرفة ال
الجزء السادس: "فيراري" الغيط.. وسباق الكرامة الضائعةطلع الصباح برائحة الأرض المبللة، وكان كريم قد بدأ يستوعب أن قوانين "الأتيكيت" لا مكان لها هنا. كان يجلس أمام باب بيته، يحاول تنظيف حذائه الرياضي من طين ليلة أمس، حين سمع وقع حوافر تقترب بصوت منتظم، وصوتاً مألوفاً يصيح:— "وسع.. وسع للسكة! الوحش
الجزء الخامس: ليلة الشموع.. والاعترافات المتقطعةلم تكن "العاصفة" التي تنبأت بها الأرصاد الجوية عادية؛ فقد بدأت السماء تزمجر برعود قوية هزت جدران البيت الطيني، وسرعان ما انهمر المطر بغزارة كأن السماء تفتح أبوابها. وكما هو متوقع في القرى البعيدة، استسلم التيار الكهربائي سريعاً للرياح، وغرق البيت في







