تسجيل الدخول— ماذا؟!
لم يأتِه جواب. كان هناك فراغ مشحون في الطرف الآخر، وأنفاس بطيئة محسوبة كأن صاحبها يستمتع بكل ثانية. اشتدّت قبضة لوكا على الهاتف حتى ابيضّت أصابعه. — تكلّم يا هذا. أنا أسمعك. سكوت. — تكلّم، أيها الوغد! تحوّل صوته إلى زمجرة مكتومة، لكن الخط ظلّ صامتًا ثوانيَ ثقيلة، ثم انقطع الاتصال بنقرة جافة. حدّق لوكا في الشاشة السوداء لحظة واحدة، ثم رفع ذراعه وقذف الهاتف بكل قوته نحو الأرض، فتحطّم على الرخام وتناثرت أجزاؤه في كل اتجاه. — اللعنة! دوّى الصوت في أرجاء المكتب، وارتدّ صداه عن الزجاج. انفتح الباب بسرعة، ودخل مساعده كاسبر ملهوفًا، وعيناه تجولان بين الشظايا المتناثرة ووجه سيده الذي اكتسى بلون رمادي غريب. — سيدي، ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟ أخذ لوكا نفسًا عميقًا، وأعاد ترتيب ملامحه بصعوبة، فعادت إليها برودتها المعتادة. رفع كفّه ومسح وجهه، ثم قال بصوت خافت يحاول أن يبدو عاديًا: — لا شيء. شخص لعين اتصل كي يمزح. — يمزح؟ بهذه الطريقة؟ — لم يقل شيئًا يُذكر. — صمت لوكا لحظة، وعيناه معلقتان بنقطة بعيدة في الفراغ. — أصدر فحيحًا فقط... كفحيح الثعابين. ثم سكت. ظلّ ذلك الفحيح يتردد في رأسه كأنه ما زال معلقًا في الهواء، بطيئًا، متعمدًا، يحمل تهديدًا لا يحتاج إلى كلمات. — سيدي، — قال كاسبر بحذر، — رأيتك تواجه أخطر الخصوم دون أن تتغير ملامحك. هذه المرة تبدو مختلفًا. — أنا بخير يا كاسبر. لا تقلق. تردد كاسبر وهو ينحني ليجمع الأجزاء المحطمة. — هل أتتبّع الرقم يا سيدي؟ — افعل. — قال لوكا دون أن يلتفت. — واحرص على ألا يعرف أحد، ولا حتى باركر. وفي صدره، تحت القميص، انقبض القلب الذي كان قبل دقائق مخدّرًا بالحرير. ثم مدّ يده إلى جيبه الداخلي ولمس القماش الحريري كما يتشبث غريق بقشة، لكن هذه المرة لم يهدأ شيء في داخله. كان الفحيح أقوى منه بكثير، وأقرب إلى قلبه مما ينبغي له. في مكان اخر في القصر الفسيح في الغرفة المقابلة للقاعة التي هدأت أخيرًا، كانت إيفا قد استيقظت منذ وقت قصير. جلست أولًا على حافة السرير تتأمل السقف المزخرف، ثم نهضت بخطوات متمهلة نحو النافذة الكبيرة، ولفّت حول كتفيها غطاءً خفيفًا. كان حلقها ما زال يؤلمها قليلًا، لكن الضوء الذي يتسلل من الستائر المفتوحة بدا لها أجمل من كل شيء رأته في أسبوعها هذا. وقفت عند الزجاج، وابتسمت من تلقاء نفسها. *(هذا المنزل جميل جدًا.)* أسندت جبينها بخفة إلى النافذة، وأدارت بصرها في الغرفة من جديد. *(هذه الغرفة وحدها أكبر من البيت الذي نشأتُ فيه. بل أكبر منه ومن بيت الجيران معًا.)* تأملت الباب الجانبي الذي يؤدي إلى الحمام الرخامي، وعيناها تتسعان. *(أستطيع أن أتخذ حمام هذه الغرفة بيتًا مستقلًا. سأضع فيه سريرًا صغيرًا، وأعلّق على بابه لافتة: «إيفا كلارك، المقيمة الدائمة».)* انفلتت منها ضحكة قصيرة، فكتمتها بكفها. *(توقفي عن الحسد يا فتاة! أنتِ ضيفة هنا، لا مالكة. ولا يليق بضيفة أن تفكر في الاستيلاء على الحمام.)* ثم هزّت رأسها بمرح، وأعادت نظرها إلى الخارج. كانت الحديقة تمتد تحتها كلوحة مرسومة بعناية: ورود حمراء وبيضاء متراصّة على جانبي الممر الحجري، وأشجار مشذّبة بدقة هندسية، ونافورة رخامية في المنتصف يتدفق منها الماء في أقواس فضية تتكسر عليها الشمس. وأبعد من ذلك، عند الجهة الخلفية للقصر، تلألأ حمام السباحة الواسع بزرقة صافية. توقفت عيناها عنده. *(بحر صغير.)* ضاق حلقها قليلًا، كأن شيئًا بارد مرّ فيه لحظة، لكنها لم تفهم سببه. فتحت فمها لتتنفس بعمق، وأبعدت نظرها بسرعة نحو النافورة كأنها تهرب من شيء لا تعرف اسمه. *(لا بأس... أنا بخير.)* طرقٌ خفيف على الباب قطع أفكارها. — آنسة إيفا؟ جاء صوت امرأة هادئ مهذب، يحمل رنّة احترام متكلفة. أحكمت إيفا الغطاء حول كتفيها، وخطت نحو الباب وفتحته قليلًا. كانت إحدى الخادمات واقفة هناك، بزيّها الأسود وياقتها البيضاء، ويداها مضمومتان أمامها بأدب صارم. — صباح الخير. أرجو ألا أكون قد أزعجتك. — أبدًا. — ابتسمت إيفا. — بل أنقذتني من حسد خطير على الحمام. رمشت الخادمة مرتين، ولم تفهم، لكنها واصلت بالنبرة نفسها: — السيدة تيفاني أرسلتني لأطمئن عليك. وطلبت أن أبلغك رسالة صغيرة. — تفضلي. أخذت الخادمة نفسًا قصيرًا، وقالت بصوت مرتب كأنها حفظته: — إذا تحسنتِ يا آنسة إيفا، فمن الأفضل أن تعودي إلى قصر الضيوف. ضحكة إيفا توقفت في منتصفها. ابتسامتها لم تختفِ تمامًا، لكنها فقدت شيئًا من دفئها. — فهمت. — قالت بهدوء. — شكرًا لك. سأجمع أغراضي حالًا. انحنت الخادمة قليلًا وانصرفت. أغلقت إيفا الباب ببطء، ثم استندت إليه ونظرت إلى الغرفة الواسعة. *(وداعًا أيها الحمام العزيز... كنا سنكون سعداء معًا.)* ثم أخذت حقيبتها الكبيرة من زاوية الغرفة، وتنهدت وهي تتذكر ثقلها. كان عليها أن تحمل كل شيء بنفسها مرة أخرى، لكنها ابتسمت، فقد كان يومًا جميلًا جدًا. حملت إيفا حقيبتها وخرجت من الغرفة، ثم توقفت عند العتبة والتفتت إلى الباب. مدّت أصابعها ولمسته بحنان، كأنها تودّع صديقًا قديمًا قابلته قبل ساعات فقط. كانت الخادمة تنتظرها في الممر، فابتسمت لها بتهذيب وقالت: — يبدو أنك أحببتِ الغرفة بسرعة يا آنسة. — إنها جميلة جدًا. — أجابت إيفا ضاحكة. — وفيها حمام كبير. ثم سكتت. سكتت طويلًا، كأن الزمن امتدّ بين الكلمتين كدهر كامل. نظرت إلى الأرض، وتلاشت ابتسامتها شيئًا فشيئًا، وعادت تتكلم بصوت أخفض بكثير: — لكنني أحب حمام بيتي أكثر. رفعت عينيها، وبدت فيهما ابتسامة دافئة مبللة بالحنين. — حيث كانت أمي تحمّمني في طفولتي، بعد كل شجار في الحارة. كنت أعود كل مرة بركبة مجروحة وشعر مليء بالتراب، وهي توبخني بصوت عالٍ ثم تغسل جراحي بيد رقيقة. لم تجد الخادمة ما تقوله. ثم رفعت إيفا الحقيبة على كتفها، وابتسمت ابتسامة صغيرة، ومضت في الممر دون أن تلتفت، وبقيت الخادمة تتبعها بنظراتها طويلًا.كانت ردهة القصر الرئيسي ممتدة أمامها، واسعة كأنها صُمّمت لاستقبال ملوك لا فتاة تحمل حقيبة ثقيلة على كتفها. قابلت خادمًا يحمل صينية فضية، فانحنى لها دون أن ينظر إليها، فارتبكت وانحنت له أيضًا بمبالغة. ثم مشت إيفا فوق الرخام اللامع، وخطواتها تتردد بصدى خفيف بين الأعمدة العالية، وعيناها ترتفعان من حين إلى آخر نحو الثريا الكريستالية المعلقة في السقف كأنها نجمة أسرها أحدهم. على الجدران علّقت لوحات بإطارات ذهبية ثقيلة: وجوه رجال قدماء بملامح صارمة، ومناظر طبيعية في ضباب ناعم، وامرأة ترتدي ثوبًا أخضر تنظر من إطارها نظرة من يعرف كل الأسرار. شعرت إيفا أن الجميع يراقبها في صمت، فخفضت صوت أنفاسها دون أن تدري. وعند منتصف الردهة ارتفع السلم الرئيسي في دورانين رخاميين، تلتف فوقه سجادة حمراء كلسان طويل. توقفت عنده دون قصد، وأمسكت بالدرابزين البارد. كانت مايلي قد سقطت عن درج مثل هذا قبل يومين، ولم تتوقع إيفا يومًا أن تقف على سلم يشبهه دون أن تتذكر ذلك السقوط المفزع. *(أتمنى أن تكون بخير يا مايلي... الدرج ليس ممازحًا.)* أفلتت الدرابزين بسرع
— ماذا؟!لم يأتِه جواب. كان هناك فراغ مشحون في الطرف الآخر، وأنفاس بطيئة محسوبة كأن صاحبها يستمتع بكل ثانية.اشتدّت قبضة لوكا على الهاتف حتى ابيضّت أصابعه.— تكلّم يا هذا. أنا أسمعك.سكوت.— تكلّم، أيها الوغد!تحوّل صوته إلى زمجرة مكتومة، لكن الخط ظلّ صامتًا ثوانيَ ثقيلة، ثم انقطع الاتصال بنقرة جافة.حدّق لوكا في الشاشة السوداء لحظة واحدة، ثم رفع ذراعه وقذف الهاتف بكل قوته نحو الأرض، فتحطّم على الرخام وتناثرت أجزاؤه في كل اتجاه.— اللعنة!دوّى الصوت في أرجاء المكتب، وارتدّ صداه عن الزجاج.انفتح الباب بسرعة، ودخل مساعده كاسبر ملهوفًا، وعيناه تجولان بين الشظايا المتناثرة ووجه سيده الذي اكتسى بلون رمادي غريب.— سيدي، ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟أخذ لوكا نفسًا عميقًا، وأعاد ترتيب ملامحه بصعوبة، فعادت إليها برودتها المعتادة. رفع كفّه ومسح وجهه، ثم قال بصوت خافت يحاول أن يبدو عاديًا:— لا شيء. شخص لعين اتصل كي يمزح.— يمزح؟ بهذه الطريقة؟— لم يقل شيئًا يُذكر. —
خيّم صمت ثقيل على مكتب المدير التنفيذي، لا يقطعه سوى عقرب الساعة الجدارية الذي بدا أعلى صوتًا من المعتاد. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وشعاعها الأحمر يتسلل عبر الواجهة الزجاجية فيصبغ الطاولة بلون الدم.جلس لوكا في مقعده الجلدي، وأصابعه مشبّكة أمامه. وقف الرجال الثلاثة قبالته: باركر وهاريس وويلز، وفي يد باركر ملف رقيق ترتجف حوافّه.— سيدي، انتهينا من الفحص.— وماذا وجدتم؟ — جاء صوت لوكا منخفضًا، خاليًا من أي انفعال.ابتلع باركر ريقه.— فحصنا هواتفنا وحساباتنا وسجلات دخولنا إلى الخوادم منذ شهر كامل. وراجعنا كاميرات الطابق، وبصمات الدخول، وحتى سجلّ الطباعة. لا شيء يا سيدي. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا نسخة واحدة. المسرِّب ليس أحدنا.رفع لوكا عينيه ببطء.— كرّرها.— ليس أحدنا يا سيدي. أقسم لك...— لا أريد قسمًا. — قاطعه لوكا. — أريد تفسيرًا. الأرقام السرية لم يعرفها سواكم. فإن لم يكن أحدكم، فمن؟— لا نعرف. — تلعثم هاريس. — ربما هناك رجل رابع.— أحدهم رأى الملف دون أن نعلم يا سيدي. — أضاف ويلز
في ردهة القصر الكبير ، وقفت تيفاني بقامة مشدودة وابتسامة مهنية لم تتغير منذ أن نزل جون من الأعلى. أمامها جلس جون بلاك على الأريكة الجلدية، ساقًا فوق ساق، بهدوء رجل يعرف أن البيت الذي يجلس فيه ملك لخصم لا يملك ما يردّ به.كان في التاسعة والعشرين، بوجه منحوت وعينين رماديتين تزنان كل ما حولهما بنظرة واحدة: الثريا الكريستالية، واللوحات الباهظة، والخادمة التي تقف عند الجدار وتحبس أنفاسها. بدلته الفحمية خالية من أي تجعيدة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى.أشارت تيفاني إلى الخادمة، فتقدمت بصينية فضية عليها فنجان يتصاعد منه البخار.— زوجي غير موجود الآن يا سيد بلاك، ولم تحدد موعدًا لزيارتك ، لكن حقا مجيئك أنقذ إيڤا ، لولا تدخلك السريع لماتت الفتاة.— لما يا سيدة بينيت ، هل كان خدم المنزل و الحرس ينوون تركها تغرق دون اخراجها ؟ ثم إن المواعيد للذين يخشون ألا يُستقبلوا يا سيدتي.ابتلعت تيفاني الجملة بابتسامتها نفسها. لم يذكر لوكا هذا الرجل أمامها بكلمة قط، ومع ذلك كان يجلس في صالونها كأنه يعرف كل زاوية فيه ، يتكلم معها كأنها متهمة.قالت با
قصر بينيت — غرفة التدريبارتفع صوت تيليا وسط القاعة الفسيحة، وقد اختفت ابتسامتها المتعالية خلف انفعال بدا حقيقيًّا أكثر مما ينبغي.— أتجرؤين على تحدِّي أوامري، آرا؟! أتظنين أن زواجك من الملك سيجعلك ندًّا لي؟!وقفت إيفا في موضعها، مرتدية ثوب المسرحية، وعيناها مثبتتان على تيليا بثبات أربكها.— لست بحاجة إلى أن أكون ندًّا لكِ يا ليدي سيلا. يكفي أنني أملك ما عجزتِ عن امتلاكه؛ كرامتي.تشنج فك تيليا.كانت تكره تلك النظرة الهادئة، تكره الطريقة التي تستطيع بها إيفا انتزاع إعجاب الجميع دون أن تتوسل إليه، وكأن وجودها وحده إهانة شخصية لها.اقتربت منها، متجاوزة العلامة المحددة لموضع الوقوف.— أعيدي الجملة!رفعت إيفا حاجبيها.— انتهى المشهد، تيليا.— قلت أعيديها!— وأنا قلت إن المشهد انتهى.في اللحظة التالية، دفعتها تيليا بكلتا يديها.لم يكن الدفع جزءًا من النص.تراجعت إيفا مترنحة، واصطدمت قدمها بحافة السجادة الممتدة قرب باب الشرفة. حاولت التشبث بذراع تيليا، لكن
قبل السروال الداخلي قبلات صغيرة متلاحقة و هو يهمس:— أعلم أن مدللة دادي متعبة اليوم و حزينة أيضا لكن لا بأس الآن... أنتِ هنا مع دادي الذي حبك أكثر من روحه . أنا وأنتِ فقط. يا صغيرتي الجميلة.وضع قطعة الحرير السوداء بعناية على فخذه، وكأنها مصنوعة من الزجاج. أخذ يملس كل ثنية بأطراف أصابعه، ببطءٍ وبحالةٍ تشبه التعبد. مراقباً القماش تحت أصابعه.همس قائلاً: —آه منك يا أميرة دادي انظري إلى نفسك؛ رقيقة جداً، ومثالية للغاية. أنتِ أجمل شئ في هذا العالم ، أجمل شئ في حياة داديدادي سيدللكِ بلا حدود. —لدي مناقصة غدا عندما اربح سأحضر لك قلادة من العقيق الأحمر و أيضا سأحضر لك فرس عربية أصيلة و أخيرا عندما نكون معا للأبد كل ما عليك أن تخبريني فقط بما ترغبين ، وسيكون طلبكِ مُجاباً قبل بزوغ الفجر.تهدّج صوته وهو يضيف:—أنتِ روح "دادي"... لم تعد لديّ روحٌ خاصة بي.بدأ يعبث بهكما يعبث عاشقٌ مهووسٌ بجسد امرأة.رفعه الى وجهه مجددا يقبله و يشمه و يلعقه في مكان اخر و ع







