ログインكانت ردهة القصر الرئيسي ممتدة أمامها، واسعة كأنها صُمّمت لاستقبال ملوك لا فتاة تحمل حقيبة ثقيلة على كتفها. قابلت خادمًا يحمل صينية فضية، فانحنى لها دون أن ينظر إليها، فارتبكت وانحنت له أيضًا بمبالغة. ثم مشت إيفا فوق الرخام اللامع، وخطواتها تتردد بصدى خفيف بين الأعمدة العالية، وعيناها ترتفعان من حين إلى آخر نحو الثريا الكريستالية المعلقة في السقف كأنها نجمة أسرها أحدهم.
على الجدران علّقت لوحات بإطارات ذهبية ثقيلة: وجوه رجال قدماء بملامح صارمة، ومناظر طبيعية في ضباب ناعم، وامرأة ترتدي ثوبًا أخضر تنظر من إطارها نظرة من يعرف كل الأسرار. شعرت إيفا أن الجميع يراقبها في صمت، فخفضت صوت أنفاسها دون أن تدري. وعند منتصف الردهة ارتفع السلم الرئيسي في دورانين رخاميين، تلتف فوقه سجادة حمراء كلسان طويل. توقفت عنده دون قصد، وأمسكت بالدرابزين البارد. كانت مايلي قد سقطت عن درج مثل هذا قبل يومين، ولم تتوقع إيفا يومًا أن تقف على سلم يشبهه دون أن تتذكر ذلك السقوط المفزع. *(أتمنى أن تكون بخير يا مايلي... الدرج ليس ممازحًا.)* أفلتت الدرابزين بسرعة، كأنها لمست شيئًا ساخنًا. *(لا تتجولي هكذا كأنك تسرقين شيئًا. فقط امشي بثقة، وكأنك تملكين نصف هذا المكان.)* رفعت ذقنها قليلًا، لكن حقيبتها اختارت تلك اللحظة لتنزلق عن كتفها وتصطدم بالأرض بصوت مدوٍّ. تجمدت إيفا في مكانها، ثم نظرت حولها بسرعة. لم يكن هناك أحد. التقطت الحقيبة وهمست: — حسنًا. نصف المكان فقط. بلغت الباب الكبير في نهاية الردهة، ودفعته بكلتا يديها فانفتح على نور النهار. استقبلتها رائحة العشب المبلل والزهور، فأغمضت عينيها لحظة، وملأت صدرها بهواء لم تعرف له شبيهًا في حارتها القديمة. نزلت درجات الحجر الثلاث، وسارت على الممر المفروش بالحصى الناعم. كان صوت خطواتها هنا مختلفًا: متقطعًا، دافئًا، كأن الأرض نفسها تتحدث معها. ثم توقفت. كان حمام السباحة أمامها، ممتدًا بزرقة صافية تلمع تحت الشمس، يتراقص على سطحه ضوء الظهيرة في شظايا بيضاء. لم يكن في الماء أحد. لم يكن فيه شيء سوى سكون هادئ يبدو بريئًا إلى حد غير مريح. كانت مضخات خفية تحرك سطحه حركة بطيئة، فتنشأ فوقه دوائر صغيرة تتسع وتتلاشى دون أن يراها أحد. وعلى الجانب الآخر صُفّت مقاعد بيضاء ومظلات مطوية، كأن المكان ينتظر ضيوفًا يعرفون كيف يستمتعون بالماء. وقفت على حافة البلاط، والحقيبة معلقة في يدها. حدّقت في الماء طويلًا. شيء ما تحرّك في داخلها، بعيدًا جدًا، كحلم نُسي بعد الاستيقاظ بدقائق: زرقة تتحول إلى عتمة، وصوت فقاعات متتابعة، وبرد يلتف حول صدرها كحبل. ثم لا شيء. شهقت دون صوت، وتراجعت نصف خطوة. *(ما بك يا إيفا؟ إنه مجرد ماء.)* أجبرت نفسها على الزفير ببطء، وحاولت أن تبتسم، لكنها شعرت أن وجهها لا يطاوعها. وفي تلك اللحظة، من دون سبب واضح، رفعت رأسها. على شرفة الطابق العلوي، خلف حاجز حجري منحوت، كانت تيليا واقفة. لم تكن تفعل شيئًا. لم تلوّح، ولم تبتسم، ولم تعبس. كانت تنظر إلى إيفا فحسب، بوجه هادئ تمامًا، وعينين خاليتين من أي انفعال، كمن ينظر إلى طائر يمرّ في السماء أو إلى غيمة ليست من شأنه. كان شعرها البني القصير يتحرك مع الريح، وكان فستانها الفاتح ينسدل على جسدها دون أن تتحرك فيه ثنية. تبادلتا النظر لثانية، ثم لثانيتين. لم تجد إيفا في ذلك النظر ما تقرؤه. كان عاديًا إلى حد غريب، وبدا لها لوهلة أنه أخطر من أي غضب. وفي لحظة ما خُيّل إليها أن شفتي تيليا تحرّكتا قليلًا، كأنها ستقول شيئًا، لكنها لم تقل. ظلّت واقفة كتمثال لا يرمش، والريح وحدها تحرك أطراف شعرها. *(ربما لم تكن تنظر إليّ أصلًا. ربما تنظر إلى الأشجار خلفي.)* أبعدت عينيها بتهذيب، ثم استدارت ومشت بعيدًا عن الماء بخطوات أسرع قليلًا مما أرادت. عند منعطف الممر لمحت وردة حمراء وحيدة تتفتح على غصن مائل، كأنها أُرسلت إليها وحدها. اقتربت منها، وانحنت، ومدت إصبعها ولمست بتلة منها برفق. كانت ناعمة جدًا، كأنها أنفاس مجمّدة، وفي قلبها قطرة ندى صغيرة بقيت من الصباح. *(في حارتي كانت الورود تباع لمن يستطيع شراءها. أما هنا فتنبت بلا ثمن.)* وتذكرت أمها التي كانت تقف أمام نافذة المحل وتقول إن الوردة الحمراء لا تُشترى إلا في يوم لا يُنسى. ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة، وتركت الوردة تعود إلى مكانها. مشت أكثر، وتحت قدميها حصى يطقطق وعلى جانبيها أسوار من شجيرات مشذّبة. وقفت قرب كتلة هيدرانجيا زرقاء ضخمة، تتدلى أزهارها كأنها سحب صغيرة نزلت إلى الأرض واستقرت عليها. لمست إحداها بكفّها كلها، فانتفخت تحت يدها كوسادة ناعمة. وعلى بعد خطوات منها، اصطفت أزهار التوليب في صفوف حمراء وصفراء وبنفسجية، كجنود صغار ينتظرون أمرًا. انحنت إلى أقربها وهمست له: — أنتَ أكثر انضباطًا مني. ضحكت بصوت خافت، وكأن الضحك أعاد إلى جسدها شيئًا من الدفء الذي سرقه الماء قبل دقائق. مرّت فراشة صفراء بجانب وجهها، ثم حطّت على غصن قريب، فتوقفت إيفا تراقبها. وللحظة قصيرة، من دون أي مبرر، خطر لها وجه إيثان في الممر أمس، حين التقت عيناهما مصادفة. شعرت بدفء مفاجئ يصعد إلى وجنتيها. *(لا. لا لا لا. ليس هذا الآن، وليس هذا أبدًا.)* هزّت رأسها بقوة كمن ينفض الماء عن شعره، وتابعت المشي أسرع. مرّت بجانب النافورة، فتطاير رذاذها البارد على خدّها. فركت وجهها بكفها وابتسمت بسخرية. *(ماء هنا، وماء هناك، وماء في كل مكان. هذا القصر لا يشبع من الماء كما لا يشبع من الذهب.)* ثم أصلحت حقيبتها على كتفها، وواصلت سيرها بين الأشجار والزهور والنافورة التي ما زالت تنثر أقواسها الفضية، حتى لاح أمامها في آخر الحديقة قصر الضيوف: بناء صغير أنيق ببابه الخشبي الأبيض ونوافذه المفتوحة، يبدو كأنه أخ أصغر للقصر الكبير، أقل زينة وأكثر دفئًا. سمعت أصواتًا خافتة تتسرب من الداخل، همهمات متداخلة، وكرسيًا يُسحب على الأرض، ثم صمتًا مفاجئًا كأن أحدًا ما أدرك أنها اقتربت. تساءلت وهي تقف على العتبة إن كانوا قد تناولوا الغداء، وإن كان أنتوني سيسألها عن حالها، وإن كانوا قد تحدثوا عنها وهي غائبة. وضعت يدها على مقبض الباب، وتنفست. ومرّت بها ثانية واحدة من الخوف الغريب الصامت، كأن الباب الخشبي القديم يخفي أمرًا لم تحسن تسميته. وصلت إلى الباب، وتوقفت لحظة، ثم دفعته ودخلت. وجدتهم جالسين.دفعت إيفا الباب، فخفتت الهمهمات التي كانت تتسرب من الداخل دفعة واحدة.كانوا جالسين في الصالة الصغيرة لقصر الضيوف: أنتوني على الأريكة الطويلة، وروبي متكئة على ذراع كرسي مطوية الذراعين، وكييف على الأرض يسند ظهره إلى الجدار وفي يده كوب شاي يتصاعد منه البخار. وعلى الطاولة المنخفضة بينهم نصوص المسرحية مفتوحة، وأقلام ملونة، وبقايا فطائر باردة لم يلمسها أحد.ما إن رأوها حتى ارتفعت الرؤوس كلها معًا.— إيفا! — هتف أنتوني، ونهض من مكانه كمن لُسع.— أهلًا بعودتك. — قال كييف بابتسامة هادئة، ورفع كوبه تحية صغيرة.أما روبي فاكتفت بأن تقيّمها بنظرة طويلة من رأسها إلى قدميها، ثم قالت بجفافها المعتاد:— يبدو أنك تحسنتِ. هذا أفضل. نستطيع أن نبدأ التدريبات بسرعة، فالوقت يضيع منا.أومأت إيفا، وشعرت بحلقها يضيق قليلًا، وخرج صوتها متوترًا رغم محاولتها أن تبدو عادية:— أجل... هذا أفضل.— وأين تيليا؟ — سألت بعد لحظة، وهي تحاول أن تبدو غير مبالية. — لم أرها منذ...— لا أحد يعرف، ولا يهمني أن أعرف. — أجابت روبي دون
كانت ردهة القصر الرئيسي ممتدة أمامها، واسعة كأنها صُمّمت لاستقبال ملوك لا فتاة تحمل حقيبة ثقيلة على كتفها. قابلت خادمًا يحمل صينية فضية، فانحنى لها دون أن ينظر إليها، فارتبكت وانحنت له أيضًا بمبالغة. ثم مشت إيفا فوق الرخام اللامع، وخطواتها تتردد بصدى خفيف بين الأعمدة العالية، وعيناها ترتفعان من حين إلى آخر نحو الثريا الكريستالية المعلقة في السقف كأنها نجمة أسرها أحدهم. على الجدران علّقت لوحات بإطارات ذهبية ثقيلة: وجوه رجال قدماء بملامح صارمة، ومناظر طبيعية في ضباب ناعم، وامرأة ترتدي ثوبًا أخضر تنظر من إطارها نظرة من يعرف كل الأسرار. شعرت إيفا أن الجميع يراقبها في صمت، فخفضت صوت أنفاسها دون أن تدري. وعند منتصف الردهة ارتفع السلم الرئيسي في دورانين رخاميين، تلتف فوقه سجادة حمراء كلسان طويل. توقفت عنده دون قصد، وأمسكت بالدرابزين البارد. كانت مايلي قد سقطت عن درج مثل هذا قبل يومين، ولم تتوقع إيفا يومًا أن تقف على سلم يشبهه دون أن تتذكر ذلك السقوط المفزع. *(أتمنى أن تكون بخير يا مايلي... الدرج ليس ممازحًا.)* أفلتت الدرابزين بسرع
— ماذا؟!لم يأتِه جواب. كان هناك فراغ مشحون في الطرف الآخر، وأنفاس بطيئة محسوبة كأن صاحبها يستمتع بكل ثانية.اشتدّت قبضة لوكا على الهاتف حتى ابيضّت أصابعه.— تكلّم يا هذا. أنا أسمعك.سكوت.— تكلّم، أيها الوغد!تحوّل صوته إلى زمجرة مكتومة، لكن الخط ظلّ صامتًا ثوانيَ ثقيلة، ثم انقطع الاتصال بنقرة جافة.حدّق لوكا في الشاشة السوداء لحظة واحدة، ثم رفع ذراعه وقذف الهاتف بكل قوته نحو الأرض، فتحطّم على الرخام وتناثرت أجزاؤه في كل اتجاه.— اللعنة!دوّى الصوت في أرجاء المكتب، وارتدّ صداه عن الزجاج.انفتح الباب بسرعة، ودخل مساعده كاسبر ملهوفًا، وعيناه تجولان بين الشظايا المتناثرة ووجه سيده الذي اكتسى بلون رمادي غريب.— سيدي، ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟أخذ لوكا نفسًا عميقًا، وأعاد ترتيب ملامحه بصعوبة، فعادت إليها برودتها المعتادة. رفع كفّه ومسح وجهه، ثم قال بصوت خافت يحاول أن يبدو عاديًا:— لا شيء. شخص لعين اتصل كي يمزح.— يمزح؟ بهذه الطريقة؟— لم يقل شيئًا يُذكر. —
خيّم صمت ثقيل على مكتب المدير التنفيذي، لا يقطعه سوى عقرب الساعة الجدارية الذي بدا أعلى صوتًا من المعتاد. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وشعاعها الأحمر يتسلل عبر الواجهة الزجاجية فيصبغ الطاولة بلون الدم.جلس لوكا في مقعده الجلدي، وأصابعه مشبّكة أمامه. وقف الرجال الثلاثة قبالته: باركر وهاريس وويلز، وفي يد باركر ملف رقيق ترتجف حوافّه.— سيدي، انتهينا من الفحص.— وماذا وجدتم؟ — جاء صوت لوكا منخفضًا، خاليًا من أي انفعال.ابتلع باركر ريقه.— فحصنا هواتفنا وحساباتنا وسجلات دخولنا إلى الخوادم منذ شهر كامل. وراجعنا كاميرات الطابق، وبصمات الدخول، وحتى سجلّ الطباعة. لا شيء يا سيدي. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا نسخة واحدة. المسرِّب ليس أحدنا.رفع لوكا عينيه ببطء.— كرّرها.— ليس أحدنا يا سيدي. أقسم لك...— لا أريد قسمًا. — قاطعه لوكا. — أريد تفسيرًا. الأرقام السرية لم يعرفها سواكم. فإن لم يكن أحدكم، فمن؟— لا نعرف. — تلعثم هاريس. — ربما هناك رجل رابع.— أحدهم رأى الملف دون أن نعلم يا سيدي. — أضاف ويلز
في ردهة القصر الكبير ، وقفت تيفاني بقامة مشدودة وابتسامة مهنية لم تتغير منذ أن نزل جون من الأعلى. أمامها جلس جون بلاك على الأريكة الجلدية، ساقًا فوق ساق، بهدوء رجل يعرف أن البيت الذي يجلس فيه ملك لخصم لا يملك ما يردّ به.كان في التاسعة والعشرين، بوجه منحوت وعينين رماديتين تزنان كل ما حولهما بنظرة واحدة: الثريا الكريستالية، واللوحات الباهظة، والخادمة التي تقف عند الجدار وتحبس أنفاسها. بدلته الفحمية خالية من أي تجعيدة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى.أشارت تيفاني إلى الخادمة، فتقدمت بصينية فضية عليها فنجان يتصاعد منه البخار.— زوجي غير موجود الآن يا سيد بلاك، ولم تحدد موعدًا لزيارتك ، لكن حقا مجيئك أنقذ إيڤا ، لولا تدخلك السريع لماتت الفتاة.— لما يا سيدة بينيت ، هل كان خدم المنزل و الحرس ينوون تركها تغرق دون اخراجها ؟ ثم إن المواعيد للذين يخشون ألا يُستقبلوا يا سيدتي.ابتلعت تيفاني الجملة بابتسامتها نفسها. لم يذكر لوكا هذا الرجل أمامها بكلمة قط، ومع ذلك كان يجلس في صالونها كأنه يعرف كل زاوية فيه ، يتكلم معها كأنها متهمة.قالت با
قصر بينيت — غرفة التدريبارتفع صوت تيليا وسط القاعة الفسيحة، وقد اختفت ابتسامتها المتعالية خلف انفعال بدا حقيقيًّا أكثر مما ينبغي.— أتجرؤين على تحدِّي أوامري، آرا؟! أتظنين أن زواجك من الملك سيجعلك ندًّا لي؟!وقفت إيفا في موضعها، مرتدية ثوب المسرحية، وعيناها مثبتتان على تيليا بثبات أربكها.— لست بحاجة إلى أن أكون ندًّا لكِ يا ليدي سيلا. يكفي أنني أملك ما عجزتِ عن امتلاكه؛ كرامتي.تشنج فك تيليا.كانت تكره تلك النظرة الهادئة، تكره الطريقة التي تستطيع بها إيفا انتزاع إعجاب الجميع دون أن تتوسل إليه، وكأن وجودها وحده إهانة شخصية لها.اقتربت منها، متجاوزة العلامة المحددة لموضع الوقوف.— أعيدي الجملة!رفعت إيفا حاجبيها.— انتهى المشهد، تيليا.— قلت أعيديها!— وأنا قلت إن المشهد انتهى.في اللحظة التالية، دفعتها تيليا بكلتا يديها.لم يكن الدفع جزءًا من النص.تراجعت إيفا مترنحة، واصطدمت قدمها بحافة السجادة الممتدة قرب باب الشرفة. حاولت التشبث بذراع تيليا، لكن







