Share

الوردة الضائعة
الوردة الضائعة
Author: مديحة ممدوح

الخروج من الملجئ

last update publish date: 2026-05-26 16:06:02

الفصل الأول

"الخروج من الملجأ"

كانت فيروز واقفة قدام الشباك الحديد القديم، باصة للشارع من بعيد بعينين ساكنين بشكل يخوف… كأنها بتحاول تحفظ شكل الدنيا قبل ما ترميها فيها لوحدها.

صوت البنات في الأوضة وراها كان عالي، ضحك وهزار وكلام متداخل، لكن هي كانت بعيدة عنهم كلهم… بعيدة أوي.

ضمّت الشال الرمادي حوالين جسمها أكتر وهي تهمس لنفسها بصوت شبه مختفي:

— النهارده همشي…

الكلمة نفسها خوفتها.

تمت واحد وعشرين سنة من أسبوع، وده معناه إن وجودها في دار الأيتام انتهى رسميًا.

القوانين مبتعرفش الخوف… مبتفهمش يعني إيه بنت ملهاش حد تروحه.

الباب اتفتح فجأة، ودخلت لانا بنت صغيرة من اللي عايشين في الملجأ، جريت عليها بسرعة واتعلقت فيها:

— بجد هتمشي يا فيروز؟

نزلت فيروز لمستواها وابتسمت بالعافية:

— شكله كدا يا لولو.

عبست البنت الصغيرة فورًا:

— وأنا مين هيصحيني للمدرسة؟ ومين هيسرّحلي شعري؟

اهتز قلب فيروز، لكنها خبت وجعها بسرعة وربتت على خدها:

— هتكبري وتعملي كل حاجة لوحدك.

هزت لولو راسها بعناد والدموع لمعت في عينيها:

— بس أنا بحبك.

الجملة دخلت قلبها زي السكينة.

لأنها ببساطة… كانت محتاجة تسمعها.

ابتسمت بصعوبة وحضنتها جامد، وكأنها بتحاول تاخد معاها الإحساس ده قبل ما تمشي.

بعد دقائق، خرجت من الأوضة متجهة لمكتب المشرفة الكبيرة.

خطواتها كانت بطيئة، مترددة، وكل ركن في المكان حافظاه أكتر من أي بيت عاشته.

ريحة الأكل القديمة… صوت الأطفال… الحيطة اللي كانت بتستخبى وراها وهي صغيرة لما تعيط…

كل حاجة هنا كانت قاسية، لكن على الأقل مألوفة.

وقفت قدام الباب وخبطت بخفة.

— ادخلي يا فيروز.

دخلت بهدوء، لتجد مدام ناهد قاعدة خلف المكتب الخشبي، لابسة نظارتها وبتراجع شوية أوراق.

رفعت عينيها أول ما شافتها، وسكتت ثواني وهي تتأملها.

فيروز كانت لابسة فستان بسيط أبيض، وشعرها الأسود الطويل نازل على ضهرها بشكل مرتب، لكن عينيها… عينيها كان فيهم خوف طفلة تايهة.

قفلت ناهد الملف اللي قدامها وقالت بهدوء:

— واقفة ليه؟ تعالي اقعدي.

قعدت فيروز قدامها وهي ضامة إيديها لبعض بتوتر.

لحظات صمت عدت قبل ما تسأل بصوت منخفض:

— هو… لازم أمشي النهارده؟

السؤال خرج منها مكسور بطريقة وجعت ناهد نفسها.

خلعت النظارة ببطء وقالت:

— دي قوانين يا بنتي.

نزلت فيروز عينيها للأرض، وهمست:

— معنديش مكان أروحله.

صمتت ناهد للحظة طويلة، قبل ما تتنهد وتقول:

— مين قال كدا انتي هتيجي تعيشي معايا.

رفعت فيروز راسها بسرعة، وكأنها مش متأكدة إنها سمعت صح.

— إيه؟

ابتسمت ناهد ابتسامة خفيفة:

— هتيجي تعيشي معايا أنا وولادي.

اتسعت عيني فيروز بصدمة واضحة:

— لا… لا طبعًا مينفعش… أنا هبقى حمل عليكم.

— حمل إيه بس؟ دا بيت كبير.

— بس…

قاطعتها ناهد بحزم أمومي افتقدته فيروز طول عمرها:

— مفيش بس. أنا واخدة قراري.

فضلت فيروز باصة لها بعدم استيعاب، وقلبها بيدق بعنف.

ليه؟

ليه حد يعمل كدا عشانها؟

طول عمرها كانت بتحاول تبقى خفيفة… متطلبش حاجة… متتعلقش بحد.

لأن كل اللي بيتعلق بيتساب.

همست بصوت مهزوز:

— وأنا… هقعد عند حضرتك بصفتي إيه؟

سؤالها كان مؤلم بشكل خفي.

لينت ملامح ناهد فجأة، وقالت بهدوء:

— بنتي.

الكلمة وقعت على قلبها بعنف.

بنتي.

الكلمة اللي عمرها ما سمعتها بصدق.

وفجأة، بدون ما تحس، دموعها نزلت.

حاولت تمسحهم بسرعة وهي معتذرة بتوتر:

— آسفة… أنا بس…

لكن ناهد قامت من مكانها وقربت منها بهدوء، حطت إيدها على شعرها بحنان نادر:

— متعيطيش يا فيروز.

وفي اللحظة دي تحديدًا… حسّت فيروز إن قلبها الصغير المتعود على البرد بدأ يدفى للمرة الأولى.

---

بعد ساعتين…

كانت واقفة قدام بيت مدام ناهد، ماسكة شنطة صغيرة فيها كل اللي تملكه في الدنيا.

البيت كان بسيط لكنه جميل، بلكونته مليانة زرع ونوره دافي بشكل غريب.

وقفت مترددة.

حاسّة إنها دخيلة.

ناهد فتحت الباب وقالت بابتسامة:

— واقفة ليه؟ ادخلي.

دخلت ببطء، وعينيها بتتحرك في المكان بانبهار خافت.

ريحة البيت نفسها مختلفة…

ريحة أمان.

وفجأة، خرجت بنت بشعر قصير من المطبخ وهي بتقول بحماس:

— وصلت؟! يا ماما الله مين دي 

بصتلي وابتسمت:

— أنا دينا!

اتوترت فيروز وردت بخجل:

— وانا فيروز.

مسكت دينا إيدها فورًا:

— ماما حكتلي عنك كتير.

كلمة "ماما" خلت فيروز تسرح للحظة.

إحساس غريب لامس قلبها… إحساس بالحرمان.

لكن قبل ما تتكلم، اتسمع صوت رجولي هادي من وراهم:

— وصلتي؟ يا ماما

التفتت فيروز تلقائيًا.

وشافته.

شاب طويل، لابس تيشيرت أسود بسيط، وشعره باين إنه مبلول كأنه لسه خارج من الحمام.

ملامحه هادية لكنها حادة بشكل غريب.

وعينيه…

عينيه ثبتت عليها للحظة طويلة.

شعرت فيروز بتوتر فورًا، فنزلت عينيها للأرض.

قالت دينا بسرعة:

— دا أسر أخويا.

هز راسه بهدوء كتحية قصيرة، قبل ما يبص لأمه:

— دي هتقعد معانا؟

سؤاله كان عادي… لكن فيروز حسّت نفسها كأنها ضيفة غير مرغوب فيها.

ردت ناهد بثبات:

— أيوة.

سكت أسر ثواني، وبعدين قال بهدوء:

— تمام.

واتحرك ناحية أوضته بدون أي كلمة زيادة.

فضلت فيروز باصة لطيفه وهو ماشي، وقلبها اتقبض بدون سبب واضح.

همست بتوتر:

— هو متضايق إني هنا؟

ردت دينا بسرعة:

— لااا متخافيش، أسر كدا مع أي حد جديد ميعرفوش. 

لكن رغم كلامها… الإحساس جواها فضل موجود.

الإحساس إنها غريبة.

دخيلة.

ناولتها ناهد كوب عصير وهي تقول بحنان:

— تعالي أوريكي أوضتك.

طلعت معاها الدور العلوي، وفتحت باب أوضة صغيرة لونها أبيض وهادية جدًا.

سرير مرتب، مكتب صغير، وستارة بلون وردي فاتح.

وقفت فيروز مكانها مصدومة.

الأوضة دي ليها؟

لوحدها؟

همست بعدم تصديق:

— دي… دي أوضتي؟

ابتسمت ناهد:

— عاجباكي؟

لفت فيروز بعينيها في المكان ببطء، ودموعها بدأت تتجمع تاني رغمًا عنها.

طول عمرها كانت بتنام وسط عشرات البنات.

مفيش حاجة اسمها "ركن خاص".

مفيش حاجة اسمها "أوضتي".

قربت من السرير ولمسته بأطراف صوابعها كأنها خايفة يختفي.

ثم التفتت لناهد فجأة وقالت بصوت مهزوز:

— شكرًا…

بصتلها ناهد بحنان شديد، ثم خرجت بهدوء وسابتها وحدها.

أول ما الباب اتقفل…

جلست فيروز على الأرض بجانب السرير، وضمت ركبتها لصدرها.

وبكت.

لكن لأول مرة في حياتها…

مكانش عياط خوف.

كان عياط بنت قلبها مش مصدق إن ممكن حد يحتويها فعلًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الوردة الضائعة   باريس بعينيك

    الفصل الثالث والستون"باريس... بعينيكِ"ما إن أُغلق باب الجناح خلفهما...حتى التفت آدم إلى فيروز، وأمسك يدها وهو يبتسم.— جاهزة؟ابتسمت بحماس طفولي.— جدًا.اقترب منها، ثم فتح باب الجناح لها بإيماءة مسرحية.— اتفضلي يا مدام آدم.ضحكت وهي تنحني بمبالغة.— شكرًا يا أستاذ آدم.خرجا من الفندق، وكان الهواء الباريسي منعشًا، والشمس تزين السماء بلون ذهبي هادئ.وقفت فيروز لحظة أمام الفندق، تدير رأسها في كل الاتجاهات.المباني القديمة...الشرفات المليئة بالزهور...المقاهي الصغيرة...والناس الذين يسيرون في هدوء.أطلقت زفرة إعجاب.— ياااه...كل حاجة هنا تحسها طالعة من فيلم.ابتسم آدم وهو يراقب انبهارها أكثر من مراقبته للمكان نفسه.— عجباكيهزت رأسها بحماس.— جدًا.ثم التفتت إليه فجأة.— هو إحنا هنركب إيه؟رفع مفتاح السيارة أمامها.— العربية مستنيانا.

  • الوردة الضائعة   يوم من العمر

    الفصل الثاني والستون يوم من العمردخلت فيروز الحمام بسرعة وقفلت الباب وراها. سندت ضهرها عليه وهي حاطة إيدها على قلبها اللي بيدق جامد. — يا رب... هو أنا إزاي عملت كده؟فتحت الدش ووقفت تحته، والمية السخنة نازلة على جسمها. غمضت عينيها وبتحاول تهدى... بس كل ما تفتكر نظراته وضحكته وكلامه، وشها يحمر أكتر.خلصت وطفت المية... مدت إيدها تدور على هدوم... مفيش. اتجمدت مكانها. — يا نهار أبيض... نسيت آخد هدوم معايا لما جريت! اتوترت ولفت البشكير الأبيض الكبير عليها بسرعة، ومسكته بإيديها الاتنين من قدام. شعرها مبلول وبينقط على كتفها. قربت من الباب وخايفة تخرج، ندهت بصوت واطي: — آدم؟رد من بره وهو قاعد على السرير: — أيوه يا فيروزتي؟ خلصتي؟— آدم... أنا نسيت آخد هدوم معايا. — عايزاك تجيبلي روب الحمام من الدولاب... عشان نسيته.سمعته بيضحك. — من امتى وانتى بتنسي كدا وبعدين انتى مش محتاجة الهدوم فى حاجة طول ما احنا فى شهر العسل — آدم ب

  • الوردة الضائعة   صباح مختلف

    الفصل الحادي والستون"صباح... مختلف"تسللت أشعة الشمس الذهبية بخجل عبر الستائر البيضاء...لتغمر الجناح بدفءٍ هادئ.كان كل شيء ساكنًا...إلا صوت أنفاسهما المنتظمة.حركت فيروز جفونها ببطء...ثم فتحت عينيها تدريجيًا.استغرقت لحظات حتى استوعبت المكان.السقف...الستائر...الشرفة الزجاجية التي تُطل على باريس...ثم...شعرت بذراع قوية تحيط بخصرها برفق.اتسعت عيناها قليلًا.وأدارت رأسها ببطء...لتجده نائمًا بجوارها.بل...كانت مستندة إلى صدره، ورأسها فوق كتفه، بينما يده ما تزال تحتضنها بعفوية حتى أثناء نومه.تسارعت نبضات قلبها.واحمر وجهها فجأة.همست لنفسها بخجل شديد:— يا نهار أبيض...أنا... نمت كده؟ ازايأغمضت عينيها ثانية للحظة...وكأنها تحاول إقناع نفسها أن ما حدث كان حلمًا.لكنها عندما فتحتهما من جديد...وجدته ما يزال أمامها.ابت

  • الوردة الضائعة   اول ليلة كزوجين

    الفصل التاسع والخمسون بعد أن انتهيا من العشاء... عادا إلى الجناح بهدوء. كانت أضواء باريس تتسلل من خلف الستائر... فتمنح الغرفة دفئًا خاصًا. خلعت فيروز حذاءها وجلست على طرف الأريكة... ثم نظرت إلى آدم وهي تبتسم. — تعرف؟ ابتسم وهو يصب كوبين من العصير. — إيه؟ — أنا حاسة إن اليوم ده عدى بسرعة أوي. ناولها أحد الكوبين. — عشان كنتِ مبسوطة. أخذته منه وهي تومئ برأسها. — فعلًا... يمكن دي أول مرة من فترة طويلة أنسى كل حاجة. جلس بجوارها... ثم قال وهو يتأمل ملامحها: — وده اللي كان نفسي فيه. سكتت لحظة...

  • الوردة الضائعة   ليلة لا تنسي

    الفصل الثامن والخمسون ظلّت فيروز واقفة مكانها... وابتسامتها لا تفارق وجهها. كانت تتنقل بين أرجاء الجناح كطفلة اكتشفت عالمًا جديدًا. تقترب من النافذة الزجاجية الكبيرة... وتنظر إلى أضواء المدينة المتلألئة في الخارج. ثم تعود إلى السرير المزين بالورود... فتلتقط إحدى البالونات وتدفعها للأعلى وهي تضحك. ابتسم آدم وهو يراقبها للحظات. ثم قال: — هدخل آخد دوش سريع... والسفر هدّ حيلي. أومأت برأسها. — ماشي. أغلق باب الحمام خلفه... وبقيت هي تتأمل تفاصيل المكان. فتحت صندوق الشوكولاتة... وأخذت قطعة صغيرة. — وااو... دي طعمها حلو أوي. ثم اقت

  • الوردة الضائعة   حلم اصبح حقيقة

    الفصل السابع والخمسون "حلم... أصبح حقيقة" كانت الطائرة تشق الغيوم بهدوء... بينما بدأت فيروز تشعر أن خوفها الأول قد اختفى شيئًا فشيئًا. نظرت من النافذة... فرأت السحب البيضاء تمتد بلا نهاية. ابتسمت دون أن تشعر. ثم التفتت إلى آدم. — صحيح... رفع رأسه من المجلة التي كان يقلب صفحاتها. — همم؟ — هو إحنا رايحين فين؟ ابتسم بخبث... ثم أغلق المجلة ووضعها جانبًا. — توقعي. قطبت حاجبيها وهي تفكر. — معرفش. ثم هزت رأسها. — أصل... أنا عمري ما كنت أحلم إني أسافر أصلًا... ولا جه في خيالي. نظر إليها باهتمام. — ليه يعني؟ خفضت عيني

  • الوردة الضائعة   إنتِ تاني؟

    الفصل السادسإنت تاني صوت الدكاترة والطلبة كان مالي ساحة الجامعة، والكل بيتحرك بسرعة بين المحاضرات وكأن اليوم بيجري من غير ما يستنى حد.أما فيروز…فكانت ماشية وهي ضامة الكتب لصدرها، وشعرها الأسود الطويل بيتحرك مع الهوا الخفيف.من بعد اللي حصل في الكافيه وهي بتحاول تركز في أي حاجة غير آدم.لكن الغر

  • الوردة الضائعة   صدفة مش في وقتها

    الفصل الخامس"صدفة مش في وقتها"طول الطريق للبيت، كانت فيروز ماشية بخطوات سريعة وهي ضامة الجاكيت عليها بقوة، كأنها بتحاول تهرب من الإحساس اللي مخنقها.الهواء البارد كان بيخبط في وشها، لكن اللي جواها كان أتقل بكتير.صوت آدم وهو بيزعقلها قدام الناس لسه بيرن في ودانها."هو أي حد بقى يشتغل وخلاص؟"غمضت

  • الوردة الضائعة   مش ضعيفة

    الفصل الرابع"مش ضعيفة"كان التوتر مالي الكافيه كله.الزبائن بقوا يبصوا ناحية آدم بصمت، بينما كريم قرب بسرعة وهو بيحاول يحتوي الموقف قبل ما يكبر أكتر.— أستاذ آدم، حقك علينا… البنت جديدة ولسه أول يوم ليها.لكن آدم كان متعصب فعلًا.واقف يبص للقهوة اللي بوظت قميصه بعصبية، وملامحه متشنجة بشكل واضح.مش

  • الوردة الضائعة   الإهانة الأولي

    الفصل الثالث"الإهانة الأولى"كانت فيروز واقفة قدام مراية أوضتها الصغيرة، تبص لنفسها بتوتر واضح وهي تعدل ياقة القميص الأسود الخاص بالكافيه للمرة العاشرة.الـuniform كان بسيط… بنطلون أسود وقميص أبيض وفوقه مريلة بلون بني غامق.لكن رغم بساطته، كانت حاسة إنه غريب عليها.غريب زي كل حاجة حصلت مؤخرًا.سمع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status