ログインالفصل الحادي عشر
"هدوء بعد الإهانة" العربية كانت ماشية في هدوء على طريق قريب من البحر، وصوت الهوا وهو بيخبط في الزجاج عامل خلفية صامتة كأنها بتزيد ثقل اللحظة مش بتكسرها. وفيروز قاعدة جنب أسر، ساكتة تمامًا، لكن ملامحها كانت متلخبطة… آثار العصير لسه على وشها وهدومها، ونظرتها باين فيها إنها لسه عايشة اللي حصل مش خرجت منه. إيديها متشابكة في بعض، ورعشة خفيفة مش قادرة تخبيها مهما حاولت تبان ثابتة. أسر كان سايق، هادي من بره، لكن عينه كل شوية تروح ناحيتها في المراية. كأنه بيطمن عليها من غير ما يتكلم. بعد شوية، لف بالعربية ناحية طريق البحر وهدى السرعة لحد ما وقف تمامًا. النور البعيد بتاع البحر كان ظاهر، والموج صوته واصل بشكل خافت. أسر نزل الأول ولف ناحية بابها وفتحه بهدوء. — انزلي. صوته كان بسيط، لكن فيه نوع من الحسم اللي ما بيديش مساحة للنقاش. نزلت فيروز وهي مش فاهمة هو واخدها فين، بس كانت مرهقة لدرجة إنها ما سألتش أكتر من سؤال واحد. وقف قدامها ومد إيده بمنديل مبلل وزجاجة مية صغيرة. — امسحي وشك واغسلي اللي عليه. بصتله لحظة، وبعدين أخدت الحاجة منه في صمت. قعدت على الرمل، وبدأت تمسح وشها ببطء. المية كانت باردة، وكل مرة بتمسح فيها كان كأنها بتحاول تمسح الإحساس اللي اتكسر جواها قبل أي حاجة على وشها. أسر قعد على مسافة بسيطة منها، مش قريب زيادة ولا بعيد، كأنه بيديها مساحة وفي نفس الوقت مش سايبها لوحدها. سكت ثواني، وبعدين بدأ يتكلم بصوت هادي: — متسمحيش لأي حد يهينك كدا تاني. رفعت عينيها له بسرعة. الكلمة دخلت جواها بشكل مباشر. كمل بنفس النبرة: — لازم تدافعي عن نفسك. سكت لحظة، وبعدين ضحك ضحكة بسيطة جدًا: — بصراحة… أنا مبسوط إنك ضربتي البنت دي. اتسعت عينيها بصدمة خفيفة: — مبسوط؟ هز راسه وهو باصص قدامه: — أيوه… لأنها كانت تستاهل. سكت لحظة كأنه بيختار كلامه، وبعدين رجع قال: — بس مش كل مرة الحل يبقى كدا. نزلت عينيها للأرض، وصوتها طلع أهدى: — أنا أول مرة أحس إني مش قليلة. الكلمة دي خلت أسر يسكت. بصلها فعلاً المرة دي، مش نظرة عابرة. كأن الجملة دي وقفته. سألها بهدوء: — مين اللي خلاكي تحسي إنك قليلة أصلاً؟ سكتت. ما ردتش. وأسر ما ضغطش عليها، اكتفى إنه يهز راسه كأنه فهم إن الموضوع أكبر من إجابة تتقال بسهولة. وبعدين قال بصوت أهدى: — كرامتك أهم من أي حد. الكلمة كانت بسيطة، لكن وقعها كان تقيل. فيروز هزت راسها بخفة، وكأنها بتحاول تصدق لأول مرة إن الكلام ده ممكن يكون حقيقي. لحظة صمت عدت بينهم، بس كانت مش مزعجة. الموج كان هو اللي بيكسرها بهدوء. وبعدين رفعت عينيها وسألته: — إنت ليه جيت تجيبني أصلاً؟ سكت ثانيتين قبل ما يرد. — أمي قالتلي إنك هتتأخري… فعديت أخدك عشان الوقت. بصتله باستغراب بسيط: — وجيت لحد هناك بنفسك؟ هز راسه: — أيوه. سكتت لحظة طويلة، وبعدين قالت بصوت أخف: — شكراً. رفع عينه لها بسرعة: — على إيه؟ — إنك وقفت جنبي. سكت شوية. واضح إنه مش متعود على النوع ده من الكلام، ولا على إنه يكون في موقف فيه حد بيشكره بالطريقة دي. فقال ببساطة: — مفيش حاجة. بس بعد لحظة، بص لها بنبرة أخف شوية: — خدي بالك من نفسك أكتر. الكلمة كانت شبه نصيحة… وشبه طلب. فيروز سكتت. حست بحاجة غريبة… إن الشخص ده مش شبه أي حد اتعاملت معاه قبل كده. نظراته ليها مختلفة. اهتمامه مختلف. وحتى سكوته… مختلف. كأنه مش متعود يتكلم كتير، ومع ذلك بيتكلم معاها هي. ده خلاها تحس بتوتر خفيف جواها، مش خوف… بس إحساس مش مفهوم. وبعدين قام أسر وهو بيقول: — يلا نرجع. قامت معاه من غير نقاش. وركبوا العربية تاني في طريق الرجوع. في نفس الوقت… داخل الكافيه، الجو كان لسه مشدود بعد اللي حصل. آدم واقف قدام ترابيزة لارا، عينيه فيها غضب واضح، وصوته نازل تقيل: — اجمعي الفلوس. رفعت راسها بصدمة: — إيه؟ رد ببرود: — زي ما رميتيها… هتلميها. الصمت وقع على المكان. ولا حد اتحرك. لارا بصت حواليها، وكأنها بتدور على مخرج من الموقف، لكن مفيش. وببطء، بدأت تنزل تجمع الفلوس من الأرض واحدة واحدة، قدام كل الناس. كل حركة كانت بتزود توترها أكتر، وبتخلي الإحراج أكبر. آدم واقف مكانه، مش بيتكلم. بيستنى بس. ولما خلصت، مسك الحساب ودفعه بنفسه عند الكاشير. وحط الفلوس وهو بيقول ببرود واضح: — دي فلوسك… منتظرة مين يلمها؟ سكت لحظة، وبعدين كمل: — لو مش عايزاها… سيبيها. بص لها نظرة أخيرة ما فيهاش نقاش. وبعدين لف ومشي. وقال وهو ماشي لسيف: — يلا بينا. سيف مشي معاه من غير ما يعلق. ولارا فضلت واقفة مكانها، الإحراج واضح على وشها، والغضب مكبوت جواها. لكن مفيش حاجة اتقالت.الفصل الثالث والستون"باريس... بعينيكِ"ما إن أُغلق باب الجناح خلفهما...حتى التفت آدم إلى فيروز، وأمسك يدها وهو يبتسم.— جاهزة؟ابتسمت بحماس طفولي.— جدًا.اقترب منها، ثم فتح باب الجناح لها بإيماءة مسرحية.— اتفضلي يا مدام آدم.ضحكت وهي تنحني بمبالغة.— شكرًا يا أستاذ آدم.خرجا من الفندق، وكان الهواء الباريسي منعشًا، والشمس تزين السماء بلون ذهبي هادئ.وقفت فيروز لحظة أمام الفندق، تدير رأسها في كل الاتجاهات.المباني القديمة...الشرفات المليئة بالزهور...المقاهي الصغيرة...والناس الذين يسيرون في هدوء.أطلقت زفرة إعجاب.— ياااه...كل حاجة هنا تحسها طالعة من فيلم.ابتسم آدم وهو يراقب انبهارها أكثر من مراقبته للمكان نفسه.— عجباكيهزت رأسها بحماس.— جدًا.ثم التفتت إليه فجأة.— هو إحنا هنركب إيه؟رفع مفتاح السيارة أمامها.— العربية مستنيانا.
الفصل الثاني والستون يوم من العمردخلت فيروز الحمام بسرعة وقفلت الباب وراها. سندت ضهرها عليه وهي حاطة إيدها على قلبها اللي بيدق جامد. — يا رب... هو أنا إزاي عملت كده؟فتحت الدش ووقفت تحته، والمية السخنة نازلة على جسمها. غمضت عينيها وبتحاول تهدى... بس كل ما تفتكر نظراته وضحكته وكلامه، وشها يحمر أكتر.خلصت وطفت المية... مدت إيدها تدور على هدوم... مفيش. اتجمدت مكانها. — يا نهار أبيض... نسيت آخد هدوم معايا لما جريت! اتوترت ولفت البشكير الأبيض الكبير عليها بسرعة، ومسكته بإيديها الاتنين من قدام. شعرها مبلول وبينقط على كتفها. قربت من الباب وخايفة تخرج، ندهت بصوت واطي: — آدم؟رد من بره وهو قاعد على السرير: — أيوه يا فيروزتي؟ خلصتي؟— آدم... أنا نسيت آخد هدوم معايا. — عايزاك تجيبلي روب الحمام من الدولاب... عشان نسيته.سمعته بيضحك. — من امتى وانتى بتنسي كدا وبعدين انتى مش محتاجة الهدوم فى حاجة طول ما احنا فى شهر العسل — آدم ب
الفصل الحادي والستون"صباح... مختلف"تسللت أشعة الشمس الذهبية بخجل عبر الستائر البيضاء...لتغمر الجناح بدفءٍ هادئ.كان كل شيء ساكنًا...إلا صوت أنفاسهما المنتظمة.حركت فيروز جفونها ببطء...ثم فتحت عينيها تدريجيًا.استغرقت لحظات حتى استوعبت المكان.السقف...الستائر...الشرفة الزجاجية التي تُطل على باريس...ثم...شعرت بذراع قوية تحيط بخصرها برفق.اتسعت عيناها قليلًا.وأدارت رأسها ببطء...لتجده نائمًا بجوارها.بل...كانت مستندة إلى صدره، ورأسها فوق كتفه، بينما يده ما تزال تحتضنها بعفوية حتى أثناء نومه.تسارعت نبضات قلبها.واحمر وجهها فجأة.همست لنفسها بخجل شديد:— يا نهار أبيض...أنا... نمت كده؟ ازايأغمضت عينيها ثانية للحظة...وكأنها تحاول إقناع نفسها أن ما حدث كان حلمًا.لكنها عندما فتحتهما من جديد...وجدته ما يزال أمامها.ابت
الفصل التاسع والخمسون بعد أن انتهيا من العشاء... عادا إلى الجناح بهدوء. كانت أضواء باريس تتسلل من خلف الستائر... فتمنح الغرفة دفئًا خاصًا. خلعت فيروز حذاءها وجلست على طرف الأريكة... ثم نظرت إلى آدم وهي تبتسم. — تعرف؟ ابتسم وهو يصب كوبين من العصير. — إيه؟ — أنا حاسة إن اليوم ده عدى بسرعة أوي. ناولها أحد الكوبين. — عشان كنتِ مبسوطة. أخذته منه وهي تومئ برأسها. — فعلًا... يمكن دي أول مرة من فترة طويلة أنسى كل حاجة. جلس بجوارها... ثم قال وهو يتأمل ملامحها: — وده اللي كان نفسي فيه. سكتت لحظة...
الفصل الثامن والخمسون ظلّت فيروز واقفة مكانها... وابتسامتها لا تفارق وجهها. كانت تتنقل بين أرجاء الجناح كطفلة اكتشفت عالمًا جديدًا. تقترب من النافذة الزجاجية الكبيرة... وتنظر إلى أضواء المدينة المتلألئة في الخارج. ثم تعود إلى السرير المزين بالورود... فتلتقط إحدى البالونات وتدفعها للأعلى وهي تضحك. ابتسم آدم وهو يراقبها للحظات. ثم قال: — هدخل آخد دوش سريع... والسفر هدّ حيلي. أومأت برأسها. — ماشي. أغلق باب الحمام خلفه... وبقيت هي تتأمل تفاصيل المكان. فتحت صندوق الشوكولاتة... وأخذت قطعة صغيرة. — وااو... دي طعمها حلو أوي. ثم اقت
الفصل السابع والخمسون "حلم... أصبح حقيقة" كانت الطائرة تشق الغيوم بهدوء... بينما بدأت فيروز تشعر أن خوفها الأول قد اختفى شيئًا فشيئًا. نظرت من النافذة... فرأت السحب البيضاء تمتد بلا نهاية. ابتسمت دون أن تشعر. ثم التفتت إلى آدم. — صحيح... رفع رأسه من المجلة التي كان يقلب صفحاتها. — همم؟ — هو إحنا رايحين فين؟ ابتسم بخبث... ثم أغلق المجلة ووضعها جانبًا. — توقعي. قطبت حاجبيها وهي تفكر. — معرفش. ثم هزت رأسها. — أصل... أنا عمري ما كنت أحلم إني أسافر أصلًا... ولا جه في خيالي. نظر إليها باهتمام. — ليه يعني؟ خفضت عيني
الفصل الرابع"مش ضعيفة"كان التوتر مالي الكافيه كله.الزبائن بقوا يبصوا ناحية آدم بصمت، بينما كريم قرب بسرعة وهو بيحاول يحتوي الموقف قبل ما يكبر أكتر.— أستاذ آدم، حقك علينا… البنت جديدة ولسه أول يوم ليها.لكن آدم كان متعصب فعلًا.واقف يبص للقهوة اللي بوظت قميصه بعصبية، وملامحه متشنجة بشكل واضح.مش
الفصل الثالث"الإهانة الأولى"كانت فيروز واقفة قدام مراية أوضتها الصغيرة، تبص لنفسها بتوتر واضح وهي تعدل ياقة القميص الأسود الخاص بالكافيه للمرة العاشرة.الـuniform كان بسيط… بنطلون أسود وقميص أبيض وفوقه مريلة بلون بني غامق.لكن رغم بساطته، كانت حاسة إنه غريب عليها.غريب زي كل حاجة حصلت مؤخرًا.سمع
الفصل الثاني"أول خطوة برا الأمان"مر أسبوع كامل على وجود فيروز في بيت مدام ناهد…أسبوع غريب، دافي، ومخيف في نفس الوقت.كل يوم كانت تصحى متلخبطة، تبص حوالين نفسها بعدم استيعاب وهي شايفة الأوضة الهادية والستارة الوردية، قبل ما تتذكر إنها فعلًا مبقتش في الملجأ.وساعتها فقط… قلبها يرتبك.لأنها لسه مش
الفصل الأول"الخروج من الملجأ"كانت فيروز واقفة قدام الشباك الحديد القديم، باصة للشارع من بعيد بعينين ساكنين بشكل يخوف… كأنها بتحاول تحفظ شكل الدنيا قبل ما ترميها فيها لوحدها.صوت البنات في الأوضة وراها كان عالي، ضحك وهزار وكلام متداخل، لكن هي كانت بعيدة عنهم كلهم… بعيدة أوي.ضمّت الشال الرمادي حوا