LOGINانشغلت سارة ببقية المهام التي أوكلها إليها أيمن، تحاول أن تطبق ما تعلمته خلال الأيام الماضية. كانت تتحرك بين الملفات والبرنامج المحاسبي بثقة أكبر من اليوم الأول، حتى إنها بدأت تحفظ أماكن بعض البيانات دون الحاجة إلى البحث عنها.
وبين الحين والآخر، كانت ترفع رأسها لتراقب ما يدور حولها. كان حسن كعادته يملأ المكان ببعض التعليقات الطريفة، فيرد عليه بعض الموظفين بالضحك، بينما يكتفي آخرون بالابتسام وهم يواصلون عملهم. أما ليلى، فكانت تتحرك بين مكتب الاستقبال ومكتب جاد، تحمل الملفات وتجيب عن المكالمات، وكأنها صاحبة المكان. بعد دقائق، توقفت بجانب مكتب سارة، ثم وضعت أمامها مجموعة من الملفات. قالت بنبرة لا تخلو من التعالي: — هذه الملفات يجب تصويرها، ثم ترتيبها داخل هذه الحافظات قبل نهاية الدوام. نظرت سارة إلى الملفات ثم سألت بابتسامة: — هل أبدأ بها الآن؟ أجابت ليلى دون أن تنظر إليها: — بالطبع، فأنت متدربة، وهذه الأعمال من مسؤولياتك. ثم استدارت وغادرت. بقيت سارة تنظر إلى الملفات للحظات. لم يزعجها نوع العمل، فهي كانت تعلم أن المتدرب يبدأ دائمًا بالمهام البسيطة، لكن الطريقة التي تحدثت بها ليلى جعلتها تشعر وكأنها أقل من بقية الموظفين. لاحظ حسن ما حدث، فاقترب وهو يحمل كوب قهوته. ابتسم قائلًا بصوت منخفض: — لا تشغلي بالك. ليلى تتحدث بهذه الطريقة مع الجميع عندما تكون مستعجلة. ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة. — لا بأس، سأقوم بها. قال حسن مازحًا: — المهم ألا تجعلها تكتشف أنك سريعة في الإنجاز... وإلا ستصبح كل الملفات من نصيبك. ضحكت سارة، وشعرت أن حسن يملك قدرة غريبة على تخفيف التوتر. أنهت سارة تصوير الملفات وترتيبها في وقت قياسي. وعندما مر أيمن بجانبها، لمح الملفات مرتبة فوق مكتبها. توقف لثوانٍ. ألقى نظرة سريعة عليها، ثم قال بهدوء: — انتهيت؟ أومأت برأسها. — نعم. نظر إلى الملفات مرة أخرى. بدت عليه علامات المفاجأة، لكنه لم يقل سوى: — حسنًا... ثم أكمل طريقه. كانت تنتظر منه كلمة تشجيع، أو حتى ابتسامة صغيرة كما كان يفعل في الأيام الماضية، لكنه لم يضف شيئًا. راقب حسن الموقف من بعيد، ثم هز رأسه بصمت، وكأنه فهم سبب استغرابها. على الطرف الآخر من القاعة، كان جاد يعمل كعادته داخل مكتبه الزجاجي. يخرج بين الحين والآخر، يناقش أحد الموظفين في ملف، أو يطلب تقريرًا، ثم يعود إلى مكتبه دون إضاعة الوقت في أحاديث جانبية. مر بجانب مكتب سارة أكثر من مرة، لكنه لم يلتفت إليها، وكأن وجودها أو عدمه سيان بالنسبة إليه. في البداية شعرت بشيء من الإحباط، لكنها سرعان ما أقنعت نفسها أن هذا أمر طبيعي. في نظره، هي مجرد متدربة جديدة، ولم تفعل بعد ما يستحق أن يلفت انتباهه. --- حل وقت استراحة الغداء. حملت سارة حقيبتها الصغيرة ونزلت إلى المتجر الذي اعتادت شراء وجبتها منه. وما إن خرجت حتى لمحت ريم تقف أمام واجهة أحد المحلات. ابتسمت سارة ولوحت لها بيدها. — ريم. التفتت إليها، ثم بادلتها الابتسامة. — أهلًا سارة. اشترت كل واحدة منهما وجبتها، ثم جلستا على أحد المقاعد القريبة كما فعلتا في اليوم السابق. بدأ الحديث بينهما أكثر عفوية هذه المرة. تحدثتا عن الدراسة، وعن الأيام الأولى في العمل، وعن صعوبة التأقلم مع بيئة جديدة. كانت ريم أكثر ارتياحًا من لقائهما الأول، حتى إن سارة بدأت تشعر أنها فتاة هادئة ولطيفة، وربما كانت انطوائية فقط. وبينما كانتا تتناولان الغداء، جلس رجل في منتصف العمر على الطاولة المجاورة، يحمل كوب قهوة وبعض الأوراق. لم تهتم سارة بالأمر. لكنها لاحظت أن ريم توقفت عن الكلام فجأة. ثم همست: — هل ترين ذلك الرجل؟ التفتت سارة نحوه سريعًا. — ماذا به؟ قالت ريم وهي تخفض صوتها أكثر: — أشعر أنه يراقبنا منذ جلس. ألقت سارة نظرة أخرى. كان الرجل يراجع أوراقه ويشرب قهوته، ولم يرفع رأسه أصلًا. ابتسمت وقالت: — لا أعتقد... يبدو منشغلًا بعمله. هزت ريم رأسها بعدم اقتناع. — لا... أنا متأكدة أنه يتظاهر فقط. ربما يعرف إحدانا. أو ربما ينتظر أن نغادر. ضحكت سارة بخفة. — ريم... أظن أنك تبالغين قليلًا. في تلك اللحظة، أغلق الرجل ملفه، حمل كوبه، ونهض مغادرًا دون أن ينظر إليهما ولو مرة واحدة. تابعته ريم بعينيها حتى اختفى. ثم تمتمت: — غريب... ابتسمت سارة وهي تهز رأسها. لم تعلق أكثر، لكنها بدأت تدرك أن ريم تفسر بعض المواقف بطريقة مختلفة عن بقية الناس. --- بعد انتهاء الاستراحة، عادتا معًا إلى المكتب. استأنفت سارة عملها بهدوء، بينما انشغل الجميع بمهامهم. وقبل نهاية الدوام بقليل، مرت بجانب مكتب جاد وهي تحمل بعض الملفات لتسلمها إلى ليلى. رفع جاد نظره إليها للحظة قصيرة فقط، ثم عاد مباشرة إلى شاشة حاسوبه دون أن يقول كلمة. كانت نظرة عابرة، باردة، وخالية من أي اهتمام. ابتسمت سارة في داخلها بسخرية. يبدو أن الحصول على كلمة واحدة من هذا الرجل أصعب بكثير مما توقعت. لكنها لم تنزعج. بل زادها ذلك إصرارًا على أن تثبت نفسها يومًا ما، حتى يصبح تجاهلها أمرًا مستحيلًا. انتهى الدوام أخيرًا. أغلقت سارة الحاسوب، ورتبت مكتبها الصغير، ثم حملت حقيبتها البالية واتجهت نحو المصعد. كان الممر هادئًا على غير عادته. ضغطت زر المصعد، وانتظرت. ما إن فُتح باب المصعد حتى همّت سارة بالدخول، لكنها توقفت عندما خرج منه شاب طويل القامة. مر بمحاذاتها بخطوات هادئة وواثقة، منشغلًا بهاتفه، فلم يلتفت إليها. لكن قبل أن يبتعد، سبق حضوره شيء آخر... رائحة عطره. كانت رائحة رجولية فاخرة، دافئة وآسرة، تفرض حضورها بهدوء، حتى إن سارة شعرت بها تملأ المكان في اللحظة التي مر فيها بجانبها. رفعت رأسها إليه دون وعي. وفي تلك اللحظة، تذكرت أنها رأته من قبل. قبل أيام، لمحت الشاب نفسه من بعيد وهو ينزل من سيارة أمام المبنى ويدخل مسرعًا، لكنها لم ترَ وجهه بوضوح حينها، ولم تهتم كثيرًا بالأمر. أما اليوم، فقد رأته عن قرب لأول مرة. وللحظة قصيرة، رفع هو الآخر عينيه عن شاشة هاتفه. التقت نظراتهما لثانية عابرة. لم يبتسم، ولم يتوقف، بل واصل طريقه بخطوات هادئة حتى اختفى في آخر الممر. ظلت سارة واقفة داخل المصعد، تتابع أثره بصمت. كان وجهه مألوفًا... وعطره بقي عالقًا في المكان حتى بعد رحيله. ضغطت زر الطابق الأرضي وهي تهز رأسها بخفة. «غريب... أشعر وكأنني سأراه مرة أخرى.» ولم تكن تعلم أن ذلك الشعور لم يكن مجرد صدفة.حاولت سارة تهدئتها وتغيير الموضوع، فقالت وهي تنهض من مكانها: — أنا جائعة... لنذهب لتناول الغداء. نظرت إليها ريم نظرة باردة. كانت تعرف جيدًا أن سارة تحاول إنهاء الحديث والهروب من الموضوع، لكنها لم ترغب في الاستمرار في الجدال. — حسنًا، هيا بنا. خرجتا من المكتب واتجهتا نحو المصعد، ثم نزلتا إلى الطابق الأرضي وتوجهتا إلى مطعم صغير يقع بجانب البناية. جلستا إلى إحدى الطاولات وطلبتا وجبتيهما. حاولت سارة أن تتحدث في مواضيع أخرى، لكن ريم بقيت شاردة، وكأن شيئًا ما لا يزال يشغل تفكيرها. وبعد أن بدأتا تناول الطعام، قالت ريم فجأة: — لكن اعتذاره... رفعت سارة عينيها إليها. — ماذا عنه؟ وضعت ريم شوكتها جانبًا وقالت بانزعاج: — لا أفهم كيف يستطيع أن يتصرف بهذه الطريقة. قال «آسف» وكأن الكلمة وحدها تمحو كل شيء! — لكنه اعتذر لكِ بالفعل. — نعم، لكنه لم يشرح شيئًا. لماذا قال ما قاله أصلًا؟ ولماذا غادر بهذه السرعة؟ لو كان صادقًا فعلًا، لبقي وانتظر ردي. تنهدت سارة. — ربما كان يريد فقط أن يعتذر، ولم يرغب في إجبارك على الحديث معه. — لا، لا... هناك شيء آخر. نظرت إليها سارة باستغرا
..... استيقظت سارة في الصباح وهي تشعر بخفة لم تعهدها منذ فترة. كانت ابتسامتها لا تزال عالقة على وجهها، وكأن آخر كلمات أشرف قبل النوم بقيت ترافقها حتى الصباح. اختارت فستانها الأزرق، ذلك الفستان الذي غالبًا ما ترتديه عندما تكون في مزاج جيد، وانتعلت حذاءها الجلدي، ثم جمعت شعرها على شكل ذيل حصان. وقفت أمام المرآة للحظات. كان وجهها مشرقًا على غير عادته، وعيناها تحملان شيئًا من الحيوية. ابتسمت لنفسها قبل أن تغادر. في طريقها إلى العمل، توقفت عند المخبزة التي تمر بها عادة، واشترت قطعة كعك صغيرة وعلبة عصير معلب. لم تكن تملك وقتًا لتناول فطور حقيقي، لكنها شعرت أن صباحها يستحق بداية مختلفة. وصلت إلى المكتب في وقت مبكر، حتى إنها توقعت أن تجد المكان شبه فارغ كعادته. لكن ما إن دخلت حتى فوجئت بوجود أحدهم. توقفت عند الباب للحظة. كان أيمن هناك. رفع رأسه عندما سمع صوت الباب، ونظر إليها. تجمدت سارة قليلًا. أيمن؟ لقد كان من النادر أن يصل قبلها، بل كان في العادة من آخر الموظفين الذين يدخلون المكتب. تقدمت بضع خطوات وهي لا تزال تنظر إليه باستغراب. — صباح الخير. أجابها أيمن بهدوء: — صباح ا
أما هي، فلم تشعر بشيء. كانت منشغلة بأشرف، وباللحظة البسيطة التي تجمعهما... بينما ظلت تلك النظرات معلقة بهما، باردة وغامضة، وكأن صاحبها لم يكن راضيًا تمامًا عما يراه. كانت ليلى هي التي تراقبهما من زاوية المطعم. كانت تجلس إلى طاولة مع صديقتيها، وقد وصلت إلى المكان قبل سارة وأشرف بوقت كافٍ. كانت تتحدث معهما وتحاول متابعة الحديث، لكن عينيها كانتا تعودان بين لحظة وأخرى إلى الطاولة المقابلة. اشتعل قلبها بنار الغيرة. فهي لم تستطع بعد ابتلاع مرارة تفوق سارة السريع في العمل، ولا قدرتها على إثبات نفسها وذكائها في فترة قصيرة، والآن جاء ما هو أسوأ بالنسبة إليها. سارة تجلس أمام الفتى الذي يعجبها. أشرف. الشخص الذي طالما حاولت التودد إليه كلما صادفته في المبنى الذي يسكنان فيه، لكنه لم يمنحها في كل مرة سوى تحية قصيرة وابتسامة عابرة. أما الآن، فكان يجلس أمام سارة بكل راحة، يتحدث معها ويضحك، وهي تبدو سعيدة إلى جواره. كانت عينا ليلى تكادان تخترقان الطاولة من شدة الغيظ. حاولت أن تشارك صديقتيها الحديث، لكن عقلها ظل طوال العشاء معهما. قالت إحدى صديقتيها: — ما رأيك يا ليلى، هل نذهب في نهاية ال
بينما بقي أشرف يسير خطوتين أمامها قبل أن ينتبه إلى أنها لم تعد بجانبه. التفت إليها، فوجدها واقفة في مكانها والهاتف على أذنها، وقد تبدلت ملامحها قليلًا. — هل كل شيء بخير؟ رفعت سارة يدها إشارةً له بأن ينتظر، ثم عادت للاستماع إلى والدها. شعرت سارة بالفضول. — خبر؟ ما هو يا أبي؟ قال والدها بعد لحظة صمت: — هل تتذكرين جدتك قبل وفاتها؟ كانت قد تركت قطعة أرض للأحفاد. عقدت سارة حاجبيها وهي تحاول استرجاع التفاصيل. — أجل، أتذكرها. — لقد وضعتها أنا وعمك للبيع منذ عدة أشهر. كان طارق، ابن عمك، يحتاج إلى بعض المال، ففكرنا في بيعها على أن يستفيد جميع الأحفاد من نصيبهم. هزت سارة رأسها، رغم أن والدها لا يستطيع رؤيتها. — جيد... وماذا حدث بعد ذلك؟ ابتسم والدها من الطرف الآخر قبل أن يقول: — لقد بيعت أخيرًا. اتسعت عينا سارة. — حقًا؟ — نعم. أخذ الأمر وقتًا طويلًا، لأن بيعها لم يكن سهلًا بسبب موقعها، لكننا وجدنا المشتري أخيرًا وانتهى الأمر. شعرت سارة بفرحة مفاجئة. تابع والدها: — لذلك نفذنا وصية جدتك وقسمنا المبلغ بالتساوي بين جميع الأحفاد. وسأرسل لكِ نصيبك من المبلغ.
كانت الرسالة مفتوحة أمامها، ولم تكن تحتاج إلى أكثر من بضع كلمات لتفهم أنها ليست رسالة عادية. "نأسف لإبلاغك بأن طلب التأشيرة الخاص بك لم تتم الموافقة عليه..." توقفت سارة عن التنفس للحظة. واصلت عيناها قراءة السطور بسرعة، فاكتشفت أن الأمر يتعلق بطلب سفر مرتبط بعرض عمل حصل عليه أيمن. عرض عمل؟ شعرت بالحرج فورًا. لم يكن من حقها قراءة هذه الرسالة، حتى لو ظهرت أمامها بالخطأ. أغلقت النافذة بسرعة، ثم أغلقت البريد بالكامل، وعادت إلى حساب العمل. جلست لثوانٍ وهي تحدق في الشاشة دون أن تفعل شيئًا. الآن فهمت. لم يكن أيمن غاضبًا من الطابعة. كان ينتظر ذلك البريد منذ الصباح. وتذكرت كيف كان يدخل إلى بريده الإلكتروني كل بضع دقائق، وكيف كان وجهه متجهمًا، وكيف لم يكلم أحدًا تقريبًا. ثم جاء خبر الرفض. وربما لم يجد طريقة لإخراج غضبه إلا عندما رأى الأوراق المطبوعة بشكل خاطئ. تنهدت سارة. ــ مسكين... قالتها بصوت منخفض، ثم التفتت سريعًا حولها، وكأنها تخشى أن يكون أحد قد سمعها. لم تكن تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله. هل تسأل عنه؟ لا. فهي لم تكن تعرف تفاصيل حياته، وما رأته كان خاصًا، حتى لو لم تتع
بقي الجميع في حالة من الصمت والارتباك بعد مغادرة أيمن. كانت ريم لا تزال غاضبة، لكن حدة غضبها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا. جلست أمام حاسوبها، تحدق في الشاشة دون أن تقرأ شيئًا. وكلما تذكرت ما حدث، شعرت بشيء من الندم. ربما بالغت قليلًا. لكنها في الوقت نفسه كانت مقتنعة بأنها لم تخطئ عندما دافعت عن نفسها وعن زملائها، خصوصًا أن أيمن لم يكن على طبيعته منذ دخوله المكتب ذلك الصباح. بعد دقائق، خرج جاد من مكتبه. توقف للحظة وسط القاعة، ونظر إلى الموظفين الذين كانوا يتظاهرون بالانشغال بأعمالهم، ثم قال بهدوء كعادته: ــ عودوا إلى عملكم. لم يشرح ما حدث داخل مكتبه، ولم يسأل أحدًا عن أيمن، وكأن الأمر لا يعنيه أو أنه لا يريد مناقشته أمام الجميع. عاد إلى مكتبه بهدوء، وأغلق الباب الزجاجي خلفه. تنفست ريم بعمق، ثم مالت قليلًا نحو سارة وقالت بصوت منخفض: ــ لا أعرف لماذا انفعلت هكذا... لكن طريقته استفزتني. نظرت إليها سارة وقالت: ــ أتفهمك، لكنني أظن أنه كان متوترًا أصلًا قبل أن تبدأ المشكلة. منذ دخوله وهو ليس على طبيعته. أومأت ريم برأسها. ــ لاحظت ذلك أيضًا... ربما كان لديه شيء يشغله. ثم تنهدت وأضا