로그인
الفصل الأول: صقيع القصر وثمن الكبرياء
كانت الثروة تبتسم لكل من حولنا.. بينما كانت روحي تتجمد تدريجياً في قاع جحيمٍ بأسوار من ذهب.
في قصر "الجارحي" الفاره، حيث تعكس ثريات الكريستال الضخمة أضواءً باهرة تخدع الناظرين، كنت أقف كتمثالٍ زجاجي مصقول بعناية ليزين المكان، لا أكثر. انعكست صورتي على مرآة الصالة الكبرى؛ فستان أسود بتصميم عالمي، ومجوهرات ماسية تكفي لشراء بلدة كاملة، وعيناه.. عيناها خاويتان تماماً من أي بريق، كأن الحياة قد سحبت منها قطرةً قطرة على مدار سنوات طويلة من الإهمال والخذلان.
على بعد خطوات قليلة مني، في قاعة الحفل السنوي الضخم لشركة استثمارات عائلة الجارحي، كان يقف.. "مراد الجارحي".
ببدلته الرسمية المصممة خصيصاً ليظهر كإمبراطور متوج، بكاريزماته الطاغية ونظراته الثاقبة التي تفرض الهيبة على الجميع. وكان يقف إلى مقربة شديدة منه "داليا".. تلك المرأة التي لم تكن تخفي رغبتها في التشبث به، تضحك بصوت مسموع، تلمس ذراعه بدلل سافر، وتستغل كل ثانية لتكون في مداره.
لم تحترم داليا وجودي يوماً، ولماذا تفعل ذلك أصلاً؟ وهي تعلم جيداً أن صاحب القصر لا يعترف بي من الأساس، وأنني بالنسبة له مجرد واجهة اجتماعية فرضتها عليه عائلته قبل سنوات لترضية وصية الجد الراحل، لا أكثر ولا أقل.
تحاملت على نفسي، واقتربت منهم بخطوات بطيئة، هامسة لصوتي أن يخرج بثبات:
— "مراد.. أشعر بإرهاق شديد، هل يمكننا المغادرة الآن؟"
لم يلتفت إليّ فوراً. أخذ سحبة هادئة من كأسه، ثم التفت ببطء، لتصطدم بي نظراته الباردة كجليد القطب الشمالي. قال بصوت خفيض، لكنه حمل طعنات كافية لتمزيق قلبي:
— "لا تخلطي العمل بدراماة العائلات السخيفة يا حياة. ابقي مكانكِ، ولا تحرجينا أمام كبار المستثمرين.. داليا تفهم أصول الحضور الاجتماعي أكثر منك بكثير."
ضحكت داليا بخفة مصطنعة، بينما مراد لم يكلف نفسه عناء النظر إلى انكساري الواضح في عينيّ. أدار ظهره لي وكأنني لست سوى هواء عابر. في تلك اللحظة بالذات، انكسر شيئاً عميقاً في صدري.. شيء لم يعد قابلاً للترميم أبداً.
مرت ساعات الحفل الثقيلة كدهر كامل، وعُدنا إلى القصر.
دلف مراد بخطوات ثقيلة، حلّ رابطة عنقه بعنف ظاهر، وألقى بمعطفه على أريكة الجلد الفاخرة. وكعادته كل ليلة، اقترب مني بجرأة وتملك، محيطاً خصري بيديه ليمارس طقوسه المعتادة. بالنسبة له، كانت العلاقة الجسدية في عتمة الليل هي المساحة الوحيدة التي يتقاطع فيها طريقنا. لسنوات طويلة، كنت أغطي على جراحي بوهمٍ ساذج؛ ظننت أن هذا الشغف الجسدي هو طريقته المعقدة في حبي، وأن دفء الفراش سيذيب جليد نهاره.
لكن الصدمة كانت تتكرر صباح كل يوم؛ حين ينتهي كل شيء، يرتدي بروده كعباءة ثقيلة، يبتعد عني بلا كلمة حب واحدة، بلا نظرة امتنان، بل وبلا حتى احترام لكياني. وكأنني مجرد رغبة عابرة يُفرغ فيها تعب يومه، ثم يُلقي بي في زاوية الإهمال.
هذه المرة، لم أستسلم لدفء لمساته المزيفة. رفعت يدي ببطء، ودفعت صدره بهدوء مرعب لم يعهده مني طوال حياتنا الزوجية.
تسمّر مراد مكانه، وارتفع حاجباه باستغراب شديد يمزقه الغرور:
— "ما هذا الجنون؟ ألا زلتِ تصرين على لعب دور الضحية بسبب ما حدث في الحفل؟ قلت لكِ آلاف المرات، داليا مجرد شريكة عمل، وتصرفاتكِ الصبيانية هذه بدأت تتعبني حقاً!"
انتظر مني أن أبكي، أن أرفع صوتي بالعتاب المعتاد، أن أترجاه كالعادة ليلتفت إليّ ولو لنظرة. كان واثقاً تماماً من عمق ضعفي أمامه، وكان على يقين تام بأنني أعشقه لدرجة تجعلني أتحمل أي قسوة، وبأنني مهما غضبت فسأبكي طوال الليل لأستيقظ في الصباح أصنع له قهوته المعتادة.
لكنني لم أبكِ.. ولم أنطق بحرف عتاب واحد.
تحركت بخطوات ثابتة نحو المكتب الخشبي العتيق في زاوية الغرفة الواسعة. فتحت الدرج السفلي ببرود، وأخرجت منه ظرفاً ورقياً قديماً أصفر قليلاً بفعل الزمن. أخرجت الأوراق التي بداخله.. اتفاقية الطلاق.
تلك الاتفاقية التي أعدها مراد بنفسه ليلة زفافنا، وألقاها أمامي بتهكم قائلاً بصوته المستخف يومها: "خذي هذه الورقة، ووقعيها متى شعرتِ بالملل من دور الزوجة المزيفة!".. وقتها مزقني اليأس فخبأتها في الدرج رافضة توقيعها، كنت أظن أن حبي وقدرتي على التحمل سيغيرانه يوماً.
نظرت إلى القلم الذهبي بين أصابعي، وتذكرت كيف أحرقت سنوات شبابي وعمري على مذبح حب من طرف واحد.. سنوات من الصمت والابتلاع المرير للدموع، بينما هو لم يمنحني سوى الصقيع والتجاهل. ألم يكتفِ بعد من استنزاف روحي؟
رفعت عيني إليه، والتقت نظراتي الباردة بعينيه المذهولتين لأول مرة. لم يكن في عينيّ دموع، ولا رجاء، ولا حتى غضب.. بل صمتٌ أثقل من الجبال.
وبحركة واحدة ثابتة، ودون أن يرتجف لي قلم، خطّت يدي توقيعي على وثيقة الطلاق تحت أنظاره التي بدأت تتسع شيئاً فشيئاً في محاولة يائسة لاستيعاب ما يحدث أمام عينيه.
وضعت القلم جانباً بصوت رنينه الهادئ الذي قطع سكون القصر، ونظرت إليه قائلة بصوت هادئ يشبه فحيح الريح في شتاء قارس:
— "لقد انتظرْتَ هذه اللحظة طويلاً يا مراد.. واليوم، أرحتك منها نهائياً.. انتهى كل شيء."
وقفت بكامل كبريائي الذي استرددته لتوه، ومررت من أمامه متجهة نحو الدرج الداخلي حيث حقائبي الجاهزة، بينما وقف مراد في منتصف القاعة، يحدق في الورقة الموقعة على الطاولة بجمود تام، غير مصدق أن "حياة".. ظله المطيع، قد تجرأت حقاً على طعن كبريائه في صميم عقر داره!
الفصل التاسع: نيران الغيرة المشتعلة ..لم تكن كلماتي مجرد حروف عابرة ألقيتها في وجهه لتهدئة موقفي، بل كانت سهاماً حادة مسمومة اخترقت درع كبرياء "مراد الجارحي" الذي كان يقف للتو على حافة الهاوية.تسمّرت يده التي كانت تطبق على معصمي لثانية واحدة، وكأن صاعقة قد ضربت تفكيره وعطلت إرادته. اتسعت حدقتاه المظلمتان، وتصاعدت أنفاسه الحارقة بغضب جنوني يخالطه ألم عميق لا يقل ضراوة. وسط همسات الحاضرين المتصاعدة في القاعة ونظرات الاستغراب والذهول التي أحاطت بنا من كل جانب، وقف "زياد" متأهباً، محاولاً استعادة هدوئه كرجل أعمال ذو مكانة، ليتقدم خطوة بحزم قائلاً بصوت هادئ ومستنكر:— "عفواً يا سيادة الملياردير.. يبدو أنك فقدت صوابك تماماً. الأستاذة حياة زميلة عزيزة، وطريقة تعاملك الهمجية هذه لا تناسب مكان ولا أصول هذا الحفل الراقي!"التفت مراد برأسه نحو زياد ببطء مرعب، وكأن حيواناً مفترساً يستعد للانقضض على فريسته. تحولت ملامحه إلى قناع جليدي تشتعل خلفه نيران الغيرة الأعمى، وقال بصوت خفيض ومهدد يقطر سمّاً:— "إن وجهت كلمة أخرى لها، أو تجرأت على الاقتراب منها، فلن أكتفي بمحو شركتك بل سأجعل اسمك يُطرد من
الفصل الثامن: زلزال المؤتمر.. وظهور شبح الغيرة...كانت الكلمات تتردد في أرجاء القاعة الكبرى كصاعقة مدوية، وصوت "مراد الجارحي" عبر شاشة التلفاز يستقر في صميم روحي مثل المطرقة. تنازله العلني عن نصف إمبراطوريته ونقلها باسمي، واعترافه الذليل أمام العالم أجمع بأنه كان غبياً وجارحاً.. لم يكن مجرد تصرف رومانسي، بل كان زلزالاً اجتماعياً وإعلامياً هز أركان المدينة بأكملها.اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في ثوانٍ معدودة، وتناقلت القنوات الفضائية الخبر بعناوين صارخة: "المللياردير مراد الجارحي يتخلى عن عرشه من أجل زوجته المنفصلة!"، و*"اعتراف تاريخي لأقوى رجال الأعمال.. هل تمنحه حياة فرصة ثانية؟"*وقفتُ مسماراً في مكاني أمام الشاشة، أنفاس تتسارع في صدري، ويداي ترتجفان بعنف شديد. سقط شظايا الكوب المحطم على الأرض دون أن ألتفت إليه، بينما كانت صديقتي "سارة" تتنقل ببصرها بين الشاشة ووجهي الشاحب، وهي تقول بذهول غير مصدق:— "يا الهي يا حياة! هل أنتِ ترين ما يفعله؟! الرجل جنّ رسمياً! لقد ألقى بكل غروره وكبريائه تحت قدميكِ على الهواء مباشرة أمام ملايين البشر! أي حب هذا وأي هوس يملكه الآن؟!"لم أجبها. كان
الفصل السابع: بين جحيم الذكريات وجنون الاعترافكانت تلك القبلة كزلازلٍ يعيد تشكيل تضاريس الروح؛ عاصفة من الشغف والحرارة والندم الساكب بين أضلعه، أذابت لثوانٍ معدودة كل حصون الدفاع التي بنتها "حياة" بدماء قلبها. أحست بأصابعه وهي تتغلغل في شعرها بلهفة خائفة، وبأنفاسه الحارة المتهدجة تصطدم ببشرتها كاعتذارٍ صامت عن كل ليلة تركها فيها تجابه الصقيع وحدها.لكن.. في منتصف تلك اللحظة المشتعلة، وفي ذروة استسلام جسدها لدفئه، صرخ في عقلها صوتٌ جريح؛ صوت تلك المرأة التي عاشت لسنوات تُعامل كقطعة أثاث فاخرة، تُستنزف في العتمة وتُلقى في مزبلة الإهمال عند شروق الشمس.تذكرت ضحكاته العلنية مع "داليا"، ونظرات الاستخفاف التي كان يرميها بها أمام الغرباء، وكيف كان يرى في عتابها ودموعها مجرد "دراما سخيفة ومزعجة".انفجرت القوة في عروقها كالبركان.. رفعت كفيها ودفعت صدره العريض بكل ما أوتيت من غلٍ وألم، مبتعدة عنه بضعة خطوات، تسحب أنفاسها المتقطعة بصعوبة في عتمة الغرفة.كان "مراد" يترنح، يتنفس بصوت عالٍ، وعيناه القاتمتان تلمعان في الظلام ببريق الرجاء والذهول. خيل إليه لثوانٍ أن دموعه وقبلته قد فتحتا باب الصفح،
الفصل السادس: على صفيح الهوس والاعتراف الأخيرخرج "مراد" من مكتبها بالشركة كالمجذوب، تزلزل خطواته الأرض من تحته، وأنفاسه تتصاعد كاللهب المكتوم. كلمات "حياة" الأخيرة كانت تدوي في رأسه كأجراس الجحيم: "لن أعود إلى جحيمك أبداً، ولو كان فيها فنائي!".لأول مرة في حياته الحافلة بالإنجازات والانتصارات، يذوق مراد الجارحي طعم العجز الكامل. ذلك الرجل الذي كان يحرك أسواق المال بالإشارة، وقفت أمامه امرأة واحدة—زوجته التي طالما اعتبرها ظلاً مطيعاً—لتهدم كبرياءه وتجعله جثة تتنفس على قيد الندم.لم يعد إلى شركته، ولم يذهب إلى قصره الخاوي الذي بات يكره صقيع جدرانه. بل استقل سيارتها وراح يجوب شوارع المدينة بعنف وجنون، تلاحقه ذكريات كل ليلة تركها فيها وحيدة تبكي، وكل مرة تفاهة فيها بحقها أمام الآخرين، وكل لحظة تعامل فيها مع وجودها المخلص وكأنه حق مكتسب لا يزول.اليوم فقط، حين رأى نظرة الكراهية والبرود في عينيها بدلاً من الشغف والرجاء، أدرك الحقيقة المرة التي ظل يهرب منها لسنوات: هو لم يكن يملكها.. بل كانت هي كل ما يملك!في شقتها المؤقتة الدافئة، كانت حياة تجلس على الأريكة، تطوق جسدها بشرشف صوفي ناعم، بين
الفصل الخامس: حصار العهود القديمةلم يكن خروج "حياة" من المطعم بذلك الهدوء الظاهري الذي ارتدته كدرع واقٍ؛ فبمجرد أن استقلت سيارتها وأغلقت الأبواب، انهار ذلك القناع الصلب لثوانٍ معدودة. استندت بجبينها على مقود السيارة، وأخذت تنفث أنفاساً متقطعة محاولةً طرد ذلك الإحساس الخانق بوجوده الطاغي. ذكريات لمساته القريبة، نبرة صوته المبحوحة بالهوس، وعيناه اللتان كانتا تشتعلان بنيران غير معتادة.. كلها أمور جعلت قلبها يرتجف رغماً عن كبريائها الجديد.لكنها سرعان ما نفضت هذه المشاعر عن راسها بعنف، ورفعت رأسها لتنظر إلى انعكاس وجهها في مرآة السيارة، وحدثت نفسها بصوت حازم: "اياكِ يا حياة! إياكِ وأن تضعفي أمام تمثيليات رخيصة. إنه لا يحبني.. هو فقط لا يحتمل أن تُهينه امرأة تركت قصره بمحض إرادتها. إنه يدافع عن غروره المطلق، وليس عن قلبي!".أدارت المحرك وانطلقت مبتعدة، غير مدركة أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.على الجانب الآخر، كان "مراد الجارحي" يعيث فساداً في غضبه داخل مكتبه الفخم. لم تستطع إمبراطوريته، ولا ملايينه، ولا حتى هيبته التي تخضع لها كبرى الشركات، أن تهدئ من ثورة البركان الذي اشتعل في صدره. ت
الفصل الرابع: لظى الغيرة.. وجحيم الذكرياتتجمّد الهواء في أرجاء المطعم الراقي وكأن العالم بأسره قد توقف عن الدوران عند تلك اللحظة. كانت نظرات مراد تشتعل بجمر غضبٍ لاهب، حدقتان قاتمتان كليلة عاصفة لا رحم فيها، يرمقني كمن يرى ممتلكاته الفاخرة تُسرق من أمام عينيه في وضح النهار. لم يكن يتوقع أن تقابله "حياة".. تلك المرأة التي طالما غرق عيناها بالدموع عند كل كلمة جافة منه، بهذه النبرة القاسية الثابتة، وبهذه الابتسامة الباردة التي صدمت كبرياءه في الصميم.ضغط على فكه بقوة حتى برزت عضلات وجهه، واندفع خطوة إضافية محاصراً إياي بجسده الضخم وهيبته الخانقة. تخطى وجود الشريك الجالس أمامي وكأنه غير مرئي، وامتدت يده القوية لتلتقط معصمي بعنف وجرأة أذهلت كل من بالمكان.قال بنبرة خفيضة كفحيح الأفعى، متجاهلاً الهمسات التي بدأت تتصاعد حولنا:— "انهضي معي الآن يا حياة.. لا تجبريني على جركِ من هنا أمام الجميع!"أحسست بقبضته العنيفة وهي تحيط بمعصمي، فتسللت حرارة جسده إلى جعدي لتشعل في داخلي شريطاً مرعباً من الذكريات المؤلمة.. ذكريات تلك اللمسات التي كنت أحسبها شرفاً وحباً، وتبيّن أنها لم تكن سوى قيد استعباد.







