로그인الفصل التاسع: نيران الغيرة المشتعلة
..
لم تكن كلماتي مجرد حروف عابرة ألقيتها في وجهه لتهدئة موقفي، بل كانت سهاماً حادة مسمومة اخترقت درع كبرياء "مراد الجارحي" الذي كان يقف للتو على حافة الهاوية.
تسمّرت يده التي كانت تطبق على معصمي لثانية واحدة، وكأن صاعقة قد ضربت تفكيره وعطلت إرادته. اتسعت حدقتاه المظلمتان، وتصاعدت أنفاسه الحارقة بغضب جنوني يخالطه ألم عميق لا يقل ضراوة. وسط همسات الحاضرين المتصاعدة في القاعة ونظرات الاستغراب والذهول التي أحاطت بنا من كل جانب، وقف "زياد" متأهباً، محاولاً استعادة هدوئه كرجل أعمال ذو مكانة، ليتقدم خطوة بحزم قائلاً بصوت هادئ ومستنكر:
— "عفواً يا سيادة الملياردير.. يبدو أنك فقدت صوابك تماماً. الأستاذة حياة زميلة عزيزة، وطريقة تعاملك الهمجية هذه لا تناسب مكان ولا أصول هذا الحفل الراقي!"
التفت مراد برأسه نحو زياد ببطء مرعب، وكأن حيواناً مفترساً يستعد للانقضض على فريسته. تحولت ملامحه إلى قناع جليدي تشتعل خلفه نيران الغيرة الأعمى، وقال بصوت خفيض ومهدد يقطر سمّاً:
— "إن وجهت كلمة أخرى لها، أو تجرأت على الاقتراب منها، فلن أكتفي بمحو شركتك بل سأجعل اسمك يُطرد من السوق التجاري بأكمله.. ابتعد عن طريقنا الآن!"
أحسست بالتوتر يرتفع في أجواء القاعة، ولم أكن أسمح بأن يتحول الحفل المهني إلى حلبة صراع شخصي تلوكها ألسنة الصحافة، فجمعت كل شجاعتي، ورفعت يدي وقمت بسحب معصمي من قبضته بقوة وعنف مفاجئ جعلته يتراجع خطوة للخلف من أثر المفاجأة.
نظرت إليه بتحدٍ بارد، وعيناي تطلقان شرار الغضب:
— "أنت تتجاوز حدودك تماماً يا مراد! من أعطاك الحق لتهديد ضيوفي وإحراجي هكذا أمام الجميع؟ هل جئت لتثبت لي جنونك أم لتبلغ العالم بأسره أنك عاجز عن التحكم بأعصابك؟"
تأمل وجهي المشتعل بالغضب، وبدت على ملامحه مسحة واضحة من الانكسار الممزوج بالهوس. اقترب خطوة أخرى، هامساً بصوت لم يسمعه سوانا، وتكاد تخرج نبرته مكسورة من بين ضفافه:
— "كيف تريدينني أن أهدأ وأنا أراكِ تقفين هكذا، تبتسمين وتسمحين لرجل آخر بأن يقترب منكِ؟! هل تظنين أنني مجنون حقاً؟ نعم.. لقد جننت بالفعل، وتذوقت أخيراً طعم الجحيم الذي كنت أعيش فيه وأنا أنظر إليكِ طوال تلك السنوات وأنتِ تبتعدين مني! هذا هو الألم يا حياة.. هذا هو السم الذي شربته لسنوات طويلة حين كنت أهملكِ!"
كلماته رددت صدى مؤلماً في صدري، وأقرّ في قرارة نفسي بأن رؤيته هكذا، مشتعلاً بالغيرة، مرجف الأعصاب، ومحطماً بهذا الشكل.. قد حرّك شيئاً عميقاً في قلبي. لكن الجروح القديمة كانت أعمق بكثير من أن تمحوها نوبة غيرة مؤقتة أو دموع متأخرة.
رفعت ذقني بكبرياء لا يلين، ورددت ببرود قاسي:
— "عظيم إذن.. لقد ذقت قطرة واحدة من كؤوس السم التي جرعتني إياها لسنوات! فما بالك بما عانيته أنا بصمت ليل نهار؟ عش مع هذا العذاب يا مراد، فهو قليل مما استحقته يداك!"
لم أمنحه فرصة للرد. استدرت بظهرى عنه بكامل أناقتي، وأشرت لـ زياد باعتذار هادئ، ثم غادرت قاعة الحفل بخطوات واسعة وثابتة، تاركة إياه يقف في منتصف القاعة، يتابع رحيلي بعينين تشتعلان بندم جحيمي لا نهاية له.
مرت الأيام التالية وكأنها عاصفة لا تهدأ. انتشرت مقاطع الفيديو والصور لاقتحام مراد الحفل وتهديده للمستثمر الشاب في كل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتصبح قصة "المللياردير المجنون وزوجته المنتفضة" حديث المدينة الأول ومحط سخريتها وتحليلاتها.
لكن المفاجأة الكبرى التي لم تكن في الحسبان حدثت في صباح يوم الخميس التالي..
بينما كنت أجلس في مكتبي الهادئ أراجع بعض العقود الهامّة، انفتح الباب فجأة دون استئذان ولا مقدمات. لم يكن مراد هذه المرة.. بل كان "رجل مسن ذو هيبة طاغية ووقار شديد"، يحيط به اثنان من الحراس الشخصيين الأقوياء. إنه "عثمان الجارحي".. جد مراد، ورئيس مجلس الإدارة التاريخي لمجموعة شركات الجارحي، والذي كان طريحة الفراش لسنوات طويلة بعيداً عن أضواء الشركات والصراعات العائلية!
وقفتُ مذهولة من هذا الظهور المفاجئ، وانحنيت باحترام للرجل الذي كان يملك هيبة تملأ المكان بأسره وتفرضه على الجميع.
جلس عثمان على المقعد الجلدي ببطء، وأشار لي بيده المرتجفة قليلاً أن أجلس أمامه، ثم نظر إليّ بعينين حادتين وذكيتين لا تزالان تحتفظان ببريق السطوة والخبرة الطويلة، وقال بصوت عميق ورزين يحمل ثقل السنين:
— "أعرف تماماً سبب غضبكِ وحنقكِ يا ابنتي.. وأعلم أن حفيدي الأحمق قد ارتكب من الحماقات والخطايا ما لا يُحسب، وجرعكِ من مرارة القسوة والإهمال ما لا تقبله امرأة حرة أبدآ. لكنني لم آتِ هنا لأدافع عنه.. بل جئت لأطلب منكِ طلباً أخيراً بصفتي جداً يرى عائلته وإمبراطوريته تنهار أمام عينيه."
عقدت حاجباي بحيرة وترقب شديد، وسألته بصوت حذر:
— "أي طلب يا سيادة اللواء.. أقصد، يا عم عثمان؟"
تنهد الرجل العجوز بعمق شديد، وكأن ذكريات مؤلمة تعتصم صدره، وأخرج من جيب معطفه مظروفاً قديماً ومغلقاً بإحكام بشريط أحمر باهت، ووضعه ببطء على الطاولة أمامي، قائلاً بنبرة تخترق الوجدان:
— "مراد لم يكتشف حبكِ الحقيقي وعمق قيمتكِ إلا بعد أن كاد يفقدكِ للأبد.. وهو الآن يدفع ثمن غروره وقسوته غالياً جداً، حتى إنه تنازل عن إمبراطوريته لكِ على الهواء مباشرة دون تردد. لكنني أعلم تماماً أن الكرامة المجروحة لا تُداوى بسهولة بالاعتذارات السطحية. هذا الظرف الذي أضعه بين يديكِ يحتوي على مفتاح سرّي لماضي مراد الحقيقي، ولسبب ذلك الصقيع والقسوة التي عاش فيها.. أرجوكِ يا حياة، افتحيه واقرئيه بقلب مفتوح وعقل متزن، قبل أن تحكمي على نهائية موته وعذابه!"
..
ترددت يدي لثوانٍ معدودة قبل أن تلامس المظروف القديم الموضوع على الطاولة، وقلبي ينبض بعنف وسط هواجس لا تنتهي وسديم من الأسئلة المعلقة.. ما هو السر الخفي الذي يحمله هذا الظرف؟ وهل سيغير حقاً نظرتي لكل سنوات القسوة والبرود التي عشتها معه، أم أنه مجرد فصل آخر من ألاعيب عائلة الجارحي الماكرة؟!
الفصل التاسع: نيران الغيرة المشتعلة ..لم تكن كلماتي مجرد حروف عابرة ألقيتها في وجهه لتهدئة موقفي، بل كانت سهاماً حادة مسمومة اخترقت درع كبرياء "مراد الجارحي" الذي كان يقف للتو على حافة الهاوية.تسمّرت يده التي كانت تطبق على معصمي لثانية واحدة، وكأن صاعقة قد ضربت تفكيره وعطلت إرادته. اتسعت حدقتاه المظلمتان، وتصاعدت أنفاسه الحارقة بغضب جنوني يخالطه ألم عميق لا يقل ضراوة. وسط همسات الحاضرين المتصاعدة في القاعة ونظرات الاستغراب والذهول التي أحاطت بنا من كل جانب، وقف "زياد" متأهباً، محاولاً استعادة هدوئه كرجل أعمال ذو مكانة، ليتقدم خطوة بحزم قائلاً بصوت هادئ ومستنكر:— "عفواً يا سيادة الملياردير.. يبدو أنك فقدت صوابك تماماً. الأستاذة حياة زميلة عزيزة، وطريقة تعاملك الهمجية هذه لا تناسب مكان ولا أصول هذا الحفل الراقي!"التفت مراد برأسه نحو زياد ببطء مرعب، وكأن حيواناً مفترساً يستعد للانقضض على فريسته. تحولت ملامحه إلى قناع جليدي تشتعل خلفه نيران الغيرة الأعمى، وقال بصوت خفيض ومهدد يقطر سمّاً:— "إن وجهت كلمة أخرى لها، أو تجرأت على الاقتراب منها، فلن أكتفي بمحو شركتك بل سأجعل اسمك يُطرد من
الفصل الثامن: زلزال المؤتمر.. وظهور شبح الغيرة...كانت الكلمات تتردد في أرجاء القاعة الكبرى كصاعقة مدوية، وصوت "مراد الجارحي" عبر شاشة التلفاز يستقر في صميم روحي مثل المطرقة. تنازله العلني عن نصف إمبراطوريته ونقلها باسمي، واعترافه الذليل أمام العالم أجمع بأنه كان غبياً وجارحاً.. لم يكن مجرد تصرف رومانسي، بل كان زلزالاً اجتماعياً وإعلامياً هز أركان المدينة بأكملها.اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في ثوانٍ معدودة، وتناقلت القنوات الفضائية الخبر بعناوين صارخة: "المللياردير مراد الجارحي يتخلى عن عرشه من أجل زوجته المنفصلة!"، و*"اعتراف تاريخي لأقوى رجال الأعمال.. هل تمنحه حياة فرصة ثانية؟"*وقفتُ مسماراً في مكاني أمام الشاشة، أنفاس تتسارع في صدري، ويداي ترتجفان بعنف شديد. سقط شظايا الكوب المحطم على الأرض دون أن ألتفت إليه، بينما كانت صديقتي "سارة" تتنقل ببصرها بين الشاشة ووجهي الشاحب، وهي تقول بذهول غير مصدق:— "يا الهي يا حياة! هل أنتِ ترين ما يفعله؟! الرجل جنّ رسمياً! لقد ألقى بكل غروره وكبريائه تحت قدميكِ على الهواء مباشرة أمام ملايين البشر! أي حب هذا وأي هوس يملكه الآن؟!"لم أجبها. كان
الفصل السابع: بين جحيم الذكريات وجنون الاعترافكانت تلك القبلة كزلازلٍ يعيد تشكيل تضاريس الروح؛ عاصفة من الشغف والحرارة والندم الساكب بين أضلعه، أذابت لثوانٍ معدودة كل حصون الدفاع التي بنتها "حياة" بدماء قلبها. أحست بأصابعه وهي تتغلغل في شعرها بلهفة خائفة، وبأنفاسه الحارة المتهدجة تصطدم ببشرتها كاعتذارٍ صامت عن كل ليلة تركها فيها تجابه الصقيع وحدها.لكن.. في منتصف تلك اللحظة المشتعلة، وفي ذروة استسلام جسدها لدفئه، صرخ في عقلها صوتٌ جريح؛ صوت تلك المرأة التي عاشت لسنوات تُعامل كقطعة أثاث فاخرة، تُستنزف في العتمة وتُلقى في مزبلة الإهمال عند شروق الشمس.تذكرت ضحكاته العلنية مع "داليا"، ونظرات الاستخفاف التي كان يرميها بها أمام الغرباء، وكيف كان يرى في عتابها ودموعها مجرد "دراما سخيفة ومزعجة".انفجرت القوة في عروقها كالبركان.. رفعت كفيها ودفعت صدره العريض بكل ما أوتيت من غلٍ وألم، مبتعدة عنه بضعة خطوات، تسحب أنفاسها المتقطعة بصعوبة في عتمة الغرفة.كان "مراد" يترنح، يتنفس بصوت عالٍ، وعيناه القاتمتان تلمعان في الظلام ببريق الرجاء والذهول. خيل إليه لثوانٍ أن دموعه وقبلته قد فتحتا باب الصفح،
الفصل السادس: على صفيح الهوس والاعتراف الأخيرخرج "مراد" من مكتبها بالشركة كالمجذوب، تزلزل خطواته الأرض من تحته، وأنفاسه تتصاعد كاللهب المكتوم. كلمات "حياة" الأخيرة كانت تدوي في رأسه كأجراس الجحيم: "لن أعود إلى جحيمك أبداً، ولو كان فيها فنائي!".لأول مرة في حياته الحافلة بالإنجازات والانتصارات، يذوق مراد الجارحي طعم العجز الكامل. ذلك الرجل الذي كان يحرك أسواق المال بالإشارة، وقفت أمامه امرأة واحدة—زوجته التي طالما اعتبرها ظلاً مطيعاً—لتهدم كبرياءه وتجعله جثة تتنفس على قيد الندم.لم يعد إلى شركته، ولم يذهب إلى قصره الخاوي الذي بات يكره صقيع جدرانه. بل استقل سيارتها وراح يجوب شوارع المدينة بعنف وجنون، تلاحقه ذكريات كل ليلة تركها فيها وحيدة تبكي، وكل مرة تفاهة فيها بحقها أمام الآخرين، وكل لحظة تعامل فيها مع وجودها المخلص وكأنه حق مكتسب لا يزول.اليوم فقط، حين رأى نظرة الكراهية والبرود في عينيها بدلاً من الشغف والرجاء، أدرك الحقيقة المرة التي ظل يهرب منها لسنوات: هو لم يكن يملكها.. بل كانت هي كل ما يملك!في شقتها المؤقتة الدافئة، كانت حياة تجلس على الأريكة، تطوق جسدها بشرشف صوفي ناعم، بين
الفصل الخامس: حصار العهود القديمةلم يكن خروج "حياة" من المطعم بذلك الهدوء الظاهري الذي ارتدته كدرع واقٍ؛ فبمجرد أن استقلت سيارتها وأغلقت الأبواب، انهار ذلك القناع الصلب لثوانٍ معدودة. استندت بجبينها على مقود السيارة، وأخذت تنفث أنفاساً متقطعة محاولةً طرد ذلك الإحساس الخانق بوجوده الطاغي. ذكريات لمساته القريبة، نبرة صوته المبحوحة بالهوس، وعيناه اللتان كانتا تشتعلان بنيران غير معتادة.. كلها أمور جعلت قلبها يرتجف رغماً عن كبريائها الجديد.لكنها سرعان ما نفضت هذه المشاعر عن راسها بعنف، ورفعت رأسها لتنظر إلى انعكاس وجهها في مرآة السيارة، وحدثت نفسها بصوت حازم: "اياكِ يا حياة! إياكِ وأن تضعفي أمام تمثيليات رخيصة. إنه لا يحبني.. هو فقط لا يحتمل أن تُهينه امرأة تركت قصره بمحض إرادتها. إنه يدافع عن غروره المطلق، وليس عن قلبي!".أدارت المحرك وانطلقت مبتعدة، غير مدركة أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.على الجانب الآخر، كان "مراد الجارحي" يعيث فساداً في غضبه داخل مكتبه الفخم. لم تستطع إمبراطوريته، ولا ملايينه، ولا حتى هيبته التي تخضع لها كبرى الشركات، أن تهدئ من ثورة البركان الذي اشتعل في صدره. ت
الفصل الرابع: لظى الغيرة.. وجحيم الذكرياتتجمّد الهواء في أرجاء المطعم الراقي وكأن العالم بأسره قد توقف عن الدوران عند تلك اللحظة. كانت نظرات مراد تشتعل بجمر غضبٍ لاهب، حدقتان قاتمتان كليلة عاصفة لا رحم فيها، يرمقني كمن يرى ممتلكاته الفاخرة تُسرق من أمام عينيه في وضح النهار. لم يكن يتوقع أن تقابله "حياة".. تلك المرأة التي طالما غرق عيناها بالدموع عند كل كلمة جافة منه، بهذه النبرة القاسية الثابتة، وبهذه الابتسامة الباردة التي صدمت كبرياءه في الصميم.ضغط على فكه بقوة حتى برزت عضلات وجهه، واندفع خطوة إضافية محاصراً إياي بجسده الضخم وهيبته الخانقة. تخطى وجود الشريك الجالس أمامي وكأنه غير مرئي، وامتدت يده القوية لتلتقط معصمي بعنف وجرأة أذهلت كل من بالمكان.قال بنبرة خفيضة كفحيح الأفعى، متجاهلاً الهمسات التي بدأت تتصاعد حولنا:— "انهضي معي الآن يا حياة.. لا تجبريني على جركِ من هنا أمام الجميع!"أحسست بقبضته العنيفة وهي تحيط بمعصمي، فتسللت حرارة جسده إلى جعدي لتشعل في داخلي شريطاً مرعباً من الذكريات المؤلمة.. ذكريات تلك اللمسات التي كنت أحسبها شرفاً وحباً، وتبيّن أنها لم تكن سوى قيد استعباد.







