로그인الفصل السابع: بين جحيم الذكريات وجنون الاعتراف
كانت تلك القبلة كزلازلٍ يعيد تشكيل تضاريس الروح؛ عاصفة من الشغف والحرارة والندم الساكب بين أضلعه، أذابت لثوانٍ معدودة كل حصون الدفاع التي بنتها "حياة" بدماء قلبها. أحست بأصابعه وهي تتغلغل في شعرها بلهفة خائفة، وبأنفاسه الحارة المتهدجة تصطدم ببشرتها كاعتذارٍ صامت عن كل ليلة تركها فيها تجابه الصقيع وحدها.
لكن.. في منتصف تلك اللحظة المشتعلة، وفي ذروة استسلام جسدها لدفئه، صرخ في عقلها صوتٌ جريح؛ صوت تلك المرأة التي عاشت لسنوات تُعامل كقطعة أثاث فاخرة، تُستنزف في العتمة وتُلقى في مزبلة الإهمال عند شروق الشمس.
تذكرت ضحكاته العلنية مع "داليا"، ونظرات الاستخفاف التي كان يرميها بها أمام الغرباء، وكيف كان يرى في عتابها ودموعها مجرد "دراما سخيفة ومزعجة".
انفجرت القوة في عروقها كالبركان.. رفعت كفيها ودفعت صدره العريض بكل ما أوتيت من غلٍ وألم، مبتعدة عنه بضعة خطوات، تسحب أنفاسها المتقطعة بصعوبة في عتمة الغرفة.
كان "مراد" يترنح، يتنفس بصوت عالٍ، وعيناه القاتمتان تلمعان في الظلام ببريق الرجاء والذهول. خيل إليه لثوانٍ أن دموعه وقبلته قد فتحتا باب الصفح، لكنه صُدم حين رأى نظراتها الجديدة.
رفعت حياة يدها، ومسحت شفتيها بظهر كفها ببرود قسري أشد ضراوة من كل صقيع القصر، وقالت بصوت خفيض، لكنه حاد كالشفرة:
— "لا تتخيل لدقيقة واحدة يا مراد.. أن قبلة متأخرة ودمعة ندم ستمحوان سنوات من القهر والإهانة."
اتسعت حدقتاه، وخطى نحوها خطوة ملهوفة:
— "حياة.. أقسم لكِ أنني لم أدرك.."
قاطعته بصوت جهوري هز أركان الشقة المظلمة:
— "لم تدرك لأنك لم تكن تريد أن ترى! كنت مستمتعاً بكوني اللاشيء في حياتك، كنت تتلذذ برؤيتي أركض خلف فتات اهتمامك! والآن، حين أدركت أنني استطعت التنفس بدونك، وأن العالم يبتسم لي بعيداً عن جحيمك، جئت تتحدث عن الحب؟"
ضحكت بسخرية مكسورة تفيض بالمرارة، وتابعت وهي تشير إلى الباب:
— "أنت لا تحبني يا سيادة الملياردير.. أنت فقط لا تتحمل أن تخرج لعبة من ألعابك عن سلطتك. اخرج من هنا.. اخرج فوراً قبل أن أرفع عليك قضية اقتحام وتعدٍّ، وصدقني.. لن أتردد في فضح اسم 'الجارحي' في كل وسائل الإعلام!"
تجمّد مراد في مكانه. كانت كلماتها كالسيوف التي تقطع أوردة كبريائه واحداً تلو الآخر. لأول مرة في حياته، يشعر بأنه صغير جداً أمام امرأة، بأنه خسر الرهان الأكبر والأغلى في حياته.
نظر إليها بنظرة أخيره تحمل كل آلام العشق والهوس والندم المتأخر، ثم أومأ برأسه ببطء، وقال بصوت خفيض بحّته الألم:
— "سأخرج يا حياة.. لكن لتفهمي شيئاً واحداً: هذه المعركة لم تنتهِ، ولن أترككِ تضيعين مني حتى لو كان الثمن حياتي نفسها."
استدار بخطوات ثقيلة، وغادر الشقة، تاركاً خلفه باباً يغلق على أنين روحها التي انهارت في البكاء فور اختفائه.
مرت أيام ثلاثة كأنها الدهر. حاولت حياة أن تغرق نفسها في العمل، تبدو متألقة وقوية أمام الجميع، لكن طيف تلك الليلة ودموع مراد كانت تطاردها كالكابوس. هل كان صادقاً؟ أم أنها مجرد حيلة أخرى ليمنعها من تعيش بسعادة؟
وفي صباح اليوم الرابع، دعت شركة "الجارحي للاستثمار" إلى مؤتمر صحفي عالمي طارئ في أكبر فنادق المدينة. كانت وسائل الإعلام تترقب الإعلان عن ضخ صفقات بمليارات الجنيهات، وكانت حياة تتابع المؤتمر عبر الشاشة في مكتبها برفقة صديقتها سارة، وقلبها ينبض بوجل لا تفهمه.
ظهر "مراد الجارحي" على الشاشة.. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، لكن ملامحه كانت حادة، وعيناه تحملان إرهاقاً وحزناً لم يعتده أحد منه. جلس أمام عشرات الكاميرات والميكروفونات.
بدأ الصحفيون بإلقاء الأسئلة عن الصفقات والأسهم، لكن مراد رفع يده بهدوء، ليصمت الجميع فوراً.
نظر بتركيز شديد نحو عدسة الكاميرا الرئيسية.. وكأنه ينظر في عيني "حياة" الملتصقتين الشاشة مباشرة، وقال بصوت ثابت ومهيب تردد صداه في كل المحطات العالمية:
— "أود أن أستغل هذا الحضور الإعلامي لأعلن عن قرار شخصي وهام جداً.. تنحيتُ اليوم كلياً عن إدارة مجموعة شركات الجارحي، ونقلت نصف أسهمي الملكية الرسمية باسم زوجتي.. 'حياة'."
شهقت سارة بذهول، بينما اتسعت عينا حياة وسقط الكوب من يدها ليتحطم على الأرض!
وواصل مراد كلامه، غير مبالٍ بصرخات الصحفيين ووميض الفلاشات المشتعلة:
— "أعلم أن هناك من يظن أن المال يشتري كل شيء.. وقد كنت غبياً بما يكفي لأعتقد ذلك لسنوات. لكنني اليوم أقف أمام العالم لأعترف بخطأي الأكبر؛ لقد ظلمتُ المرأة الوحيدة التي أحبتني بصدق، وأهملتُ جوهرة لا تُقدّر بثمن. نقل الأسهم ليس تعويضاً.. بل هو الاعتراف الأول بإنها الشريكة والمالكة الحقيقية لكل ما أملك. وأقول لها عبر هذه الشاشة: أنا في انتظاركِ بالمحكمة يا حياة.. ليس لأمنحكِ الطلاق، بل لأركع أمامكِ وأرجوكِ أن تمنحيني فرصة واحدة لأكون الرجل الذي تستحقينه."
ساد الصمت المطبق في مكتب حياة، بينما اشتعلت القنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي بخبر تنازل الملياردير الشهير عن إمبراطوريته واعترافه العاطفي العلني أمام العالم أجمع!
وقفت حياة ترتجف بالكامل أمام الشاشة، مصدومة من هذا الجنون غير المتوقع؛ فهل كان هذا التصرف العلني الصادم دليلاً على حب صادق مستعد للتضحية بكل شيء، أم أنه أسلوب جديد وذكي لمحاصرتها وإجبارها على العودة رغماً عنها تحت ضغط المجتمع والرأي العام؟
الفصل التاسع: نيران الغيرة المشتعلة ..لم تكن كلماتي مجرد حروف عابرة ألقيتها في وجهه لتهدئة موقفي، بل كانت سهاماً حادة مسمومة اخترقت درع كبرياء "مراد الجارحي" الذي كان يقف للتو على حافة الهاوية.تسمّرت يده التي كانت تطبق على معصمي لثانية واحدة، وكأن صاعقة قد ضربت تفكيره وعطلت إرادته. اتسعت حدقتاه المظلمتان، وتصاعدت أنفاسه الحارقة بغضب جنوني يخالطه ألم عميق لا يقل ضراوة. وسط همسات الحاضرين المتصاعدة في القاعة ونظرات الاستغراب والذهول التي أحاطت بنا من كل جانب، وقف "زياد" متأهباً، محاولاً استعادة هدوئه كرجل أعمال ذو مكانة، ليتقدم خطوة بحزم قائلاً بصوت هادئ ومستنكر:— "عفواً يا سيادة الملياردير.. يبدو أنك فقدت صوابك تماماً. الأستاذة حياة زميلة عزيزة، وطريقة تعاملك الهمجية هذه لا تناسب مكان ولا أصول هذا الحفل الراقي!"التفت مراد برأسه نحو زياد ببطء مرعب، وكأن حيواناً مفترساً يستعد للانقضض على فريسته. تحولت ملامحه إلى قناع جليدي تشتعل خلفه نيران الغيرة الأعمى، وقال بصوت خفيض ومهدد يقطر سمّاً:— "إن وجهت كلمة أخرى لها، أو تجرأت على الاقتراب منها، فلن أكتفي بمحو شركتك بل سأجعل اسمك يُطرد من
الفصل الثامن: زلزال المؤتمر.. وظهور شبح الغيرة...كانت الكلمات تتردد في أرجاء القاعة الكبرى كصاعقة مدوية، وصوت "مراد الجارحي" عبر شاشة التلفاز يستقر في صميم روحي مثل المطرقة. تنازله العلني عن نصف إمبراطوريته ونقلها باسمي، واعترافه الذليل أمام العالم أجمع بأنه كان غبياً وجارحاً.. لم يكن مجرد تصرف رومانسي، بل كان زلزالاً اجتماعياً وإعلامياً هز أركان المدينة بأكملها.اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في ثوانٍ معدودة، وتناقلت القنوات الفضائية الخبر بعناوين صارخة: "المللياردير مراد الجارحي يتخلى عن عرشه من أجل زوجته المنفصلة!"، و*"اعتراف تاريخي لأقوى رجال الأعمال.. هل تمنحه حياة فرصة ثانية؟"*وقفتُ مسماراً في مكاني أمام الشاشة، أنفاس تتسارع في صدري، ويداي ترتجفان بعنف شديد. سقط شظايا الكوب المحطم على الأرض دون أن ألتفت إليه، بينما كانت صديقتي "سارة" تتنقل ببصرها بين الشاشة ووجهي الشاحب، وهي تقول بذهول غير مصدق:— "يا الهي يا حياة! هل أنتِ ترين ما يفعله؟! الرجل جنّ رسمياً! لقد ألقى بكل غروره وكبريائه تحت قدميكِ على الهواء مباشرة أمام ملايين البشر! أي حب هذا وأي هوس يملكه الآن؟!"لم أجبها. كان
الفصل السابع: بين جحيم الذكريات وجنون الاعترافكانت تلك القبلة كزلازلٍ يعيد تشكيل تضاريس الروح؛ عاصفة من الشغف والحرارة والندم الساكب بين أضلعه، أذابت لثوانٍ معدودة كل حصون الدفاع التي بنتها "حياة" بدماء قلبها. أحست بأصابعه وهي تتغلغل في شعرها بلهفة خائفة، وبأنفاسه الحارة المتهدجة تصطدم ببشرتها كاعتذارٍ صامت عن كل ليلة تركها فيها تجابه الصقيع وحدها.لكن.. في منتصف تلك اللحظة المشتعلة، وفي ذروة استسلام جسدها لدفئه، صرخ في عقلها صوتٌ جريح؛ صوت تلك المرأة التي عاشت لسنوات تُعامل كقطعة أثاث فاخرة، تُستنزف في العتمة وتُلقى في مزبلة الإهمال عند شروق الشمس.تذكرت ضحكاته العلنية مع "داليا"، ونظرات الاستخفاف التي كان يرميها بها أمام الغرباء، وكيف كان يرى في عتابها ودموعها مجرد "دراما سخيفة ومزعجة".انفجرت القوة في عروقها كالبركان.. رفعت كفيها ودفعت صدره العريض بكل ما أوتيت من غلٍ وألم، مبتعدة عنه بضعة خطوات، تسحب أنفاسها المتقطعة بصعوبة في عتمة الغرفة.كان "مراد" يترنح، يتنفس بصوت عالٍ، وعيناه القاتمتان تلمعان في الظلام ببريق الرجاء والذهول. خيل إليه لثوانٍ أن دموعه وقبلته قد فتحتا باب الصفح،
الفصل السادس: على صفيح الهوس والاعتراف الأخيرخرج "مراد" من مكتبها بالشركة كالمجذوب، تزلزل خطواته الأرض من تحته، وأنفاسه تتصاعد كاللهب المكتوم. كلمات "حياة" الأخيرة كانت تدوي في رأسه كأجراس الجحيم: "لن أعود إلى جحيمك أبداً، ولو كان فيها فنائي!".لأول مرة في حياته الحافلة بالإنجازات والانتصارات، يذوق مراد الجارحي طعم العجز الكامل. ذلك الرجل الذي كان يحرك أسواق المال بالإشارة، وقفت أمامه امرأة واحدة—زوجته التي طالما اعتبرها ظلاً مطيعاً—لتهدم كبرياءه وتجعله جثة تتنفس على قيد الندم.لم يعد إلى شركته، ولم يذهب إلى قصره الخاوي الذي بات يكره صقيع جدرانه. بل استقل سيارتها وراح يجوب شوارع المدينة بعنف وجنون، تلاحقه ذكريات كل ليلة تركها فيها وحيدة تبكي، وكل مرة تفاهة فيها بحقها أمام الآخرين، وكل لحظة تعامل فيها مع وجودها المخلص وكأنه حق مكتسب لا يزول.اليوم فقط، حين رأى نظرة الكراهية والبرود في عينيها بدلاً من الشغف والرجاء، أدرك الحقيقة المرة التي ظل يهرب منها لسنوات: هو لم يكن يملكها.. بل كانت هي كل ما يملك!في شقتها المؤقتة الدافئة، كانت حياة تجلس على الأريكة، تطوق جسدها بشرشف صوفي ناعم، بين
الفصل الخامس: حصار العهود القديمةلم يكن خروج "حياة" من المطعم بذلك الهدوء الظاهري الذي ارتدته كدرع واقٍ؛ فبمجرد أن استقلت سيارتها وأغلقت الأبواب، انهار ذلك القناع الصلب لثوانٍ معدودة. استندت بجبينها على مقود السيارة، وأخذت تنفث أنفاساً متقطعة محاولةً طرد ذلك الإحساس الخانق بوجوده الطاغي. ذكريات لمساته القريبة، نبرة صوته المبحوحة بالهوس، وعيناه اللتان كانتا تشتعلان بنيران غير معتادة.. كلها أمور جعلت قلبها يرتجف رغماً عن كبريائها الجديد.لكنها سرعان ما نفضت هذه المشاعر عن راسها بعنف، ورفعت رأسها لتنظر إلى انعكاس وجهها في مرآة السيارة، وحدثت نفسها بصوت حازم: "اياكِ يا حياة! إياكِ وأن تضعفي أمام تمثيليات رخيصة. إنه لا يحبني.. هو فقط لا يحتمل أن تُهينه امرأة تركت قصره بمحض إرادتها. إنه يدافع عن غروره المطلق، وليس عن قلبي!".أدارت المحرك وانطلقت مبتعدة، غير مدركة أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.على الجانب الآخر، كان "مراد الجارحي" يعيث فساداً في غضبه داخل مكتبه الفخم. لم تستطع إمبراطوريته، ولا ملايينه، ولا حتى هيبته التي تخضع لها كبرى الشركات، أن تهدئ من ثورة البركان الذي اشتعل في صدره. ت
الفصل الرابع: لظى الغيرة.. وجحيم الذكرياتتجمّد الهواء في أرجاء المطعم الراقي وكأن العالم بأسره قد توقف عن الدوران عند تلك اللحظة. كانت نظرات مراد تشتعل بجمر غضبٍ لاهب، حدقتان قاتمتان كليلة عاصفة لا رحم فيها، يرمقني كمن يرى ممتلكاته الفاخرة تُسرق من أمام عينيه في وضح النهار. لم يكن يتوقع أن تقابله "حياة".. تلك المرأة التي طالما غرق عيناها بالدموع عند كل كلمة جافة منه، بهذه النبرة القاسية الثابتة، وبهذه الابتسامة الباردة التي صدمت كبرياءه في الصميم.ضغط على فكه بقوة حتى برزت عضلات وجهه، واندفع خطوة إضافية محاصراً إياي بجسده الضخم وهيبته الخانقة. تخطى وجود الشريك الجالس أمامي وكأنه غير مرئي، وامتدت يده القوية لتلتقط معصمي بعنف وجرأة أذهلت كل من بالمكان.قال بنبرة خفيضة كفحيح الأفعى، متجاهلاً الهمسات التي بدأت تتصاعد حولنا:— "انهضي معي الآن يا حياة.. لا تجبريني على جركِ من هنا أمام الجميع!"أحسست بقبضته العنيفة وهي تحيط بمعصمي، فتسللت حرارة جسده إلى جعدي لتشعل في داخلي شريطاً مرعباً من الذكريات المؤلمة.. ذكريات تلك اللمسات التي كنت أحسبها شرفاً وحباً، وتبيّن أنها لم تكن سوى قيد استعباد.







