LOGINمرّ شهر كامل منذ اختفاء رهف وجاسر داخل تلك الغابة البعيدة، شهر بدا بالنسبة لهما وكأنه عالم منفصل تمامًا عن الواقع، حتى إن الأيام بدأت تتشابه بهدوئها ودفئها البسيط، بينما في الخارج كانت العواصف تتشكل ببطء دون أن يدركا حجمها الحقيقي بعد. خلال ذلك الشهر، تحولت الحياة بينهما إلى روتين هادئ لم يعتده أيٌّ منهما من قبل. ومع مرور الأيام، لم تعد تشعر بذلك الخوف الدائم الذي كان يرافقها حتى أثناء نومها، بل بدأت تستعيد شيئًا من شخصيتها الحقيقية التي دفنتها سنوات الرعب داخل فيلا مدحت. أصبحت تضحك أكثر. تتكلم أكثر. وتتشاجر مع فهد على أمور سخيفة فقط لأنها أصبحت تشعر بالأمان الكافي لتفعل ذلك. أما جاسر فكان يلتزم بروتينه الأسبوعي بدقةٍ تكاد تكون عسكرية؛ ففي صباح كل أسبوع، وقبل أن تستيقظ الغابة تمامًا من سكونها البارد، كان يخرج بسيارته متجهًا نحو المدينة، يشق الطرق الترابية الطويلة بعينين متيقظتين لا تهدآن، وكأن الأشجار نفسها قد تخبئ خلفها عيونًا تراقبه في صمت. كانت رحلته إلى المدينة تبدو عادية لأي عابر طريق، لكنها بالنسبة له كانت مخاطرة محسوبة بعناية. إذ كان أول ما يفعله فور وصوله هو الذهاب إلى
مرّت الأيام التالية على رهف بطريقة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تعيشها، حتى إنها أحيانًا كانت تستيقظ صباحًا وتتوقف للحظات تحدق في سقف الغرفة بصمت، وكأن عقلها ما يزال غير قادر على استيعاب أن هذا الهدوء حقيقي، وأنها لم تعد في تلك الفيلا الباردة التي كانت تخنق أنفاسها مع كل ليلة تمر. لأول مرة في حياتها… لم تكن تستيقظ على الخوف. بل على رائحة القهوة التي يعدّها فهد في المطبخ، أو على صوت خطواته الهادئة وهو يتحرك داخل المنزل، أو على ضوء الشمس المتسلل من النافذة ليغمر الغرفة بدفءٍ ناعم يجعلها تشعر بشيء غريب ومؤلم في الوقت نفسه… الراحة. وكان ذلك الشعور وحده كافيًا ليجعل قلبها يرتبك كلما فكرت فيه. أما جاسر، فكان يراقبها بصمت أغلب الوقت، يلاحظ كيف بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا، وكيف اختفى ذلك الذعر الدائم من عينيها شيئًا فشيئًا، حتى إن ضحكتها أصبحت أكثر ظهورًا، أكثر صدقًا، وكأن روحها التي ظلت حبيسة لسنوات بدأت أخيرًا تخرج إلى النور ببطء. وفي تلك الغابة البعيدة عن العالم، بدأ الاثنان يعيشان أيامًا بسيطة للغاية… لكنها بالنسبة لهما كانت أشبه بحياة كاملة. كانا يستيقظان معًا كل صباح تقريبًا، يتناول
مرّت الساعات على رهف ببطءٍ غريب، حتى إن صوت الرياح بين الأشجار كان يبدو أوضح من المعتاد داخل ذلك المنزل الصغير المعزول. ومع كل دقيقة تتأخر فيها عودة فهد، كانت تجد نفسها تنظر نحو الباب بلا وعي، ثم تعود لتلوم نفسها بانزعاج، وكأنها غاضبة من قلبها لأنه بدأ يعتاد وجود شخص بهذه السرعة. حاولت إشغال نفسها كما فعلت طوال اليوم، رتبت بعض الأشياء مجددًا رغم أنها رتبتها بالفعل، ومسحت الطاولة مرة أخرى بلا داعٍ، ثم جلست قرب النافذة تراقب الأشجار بصمت، لكن عقلها كان منشغلًا بشيء واحد فقط… متى سيعود؟ وحين بدأت الشمس تميل نحو الغروب، سمعت أخيرًا صوت سيارة يقترب من الخارج. اتسعت عيناها فورًا، ونهضت من مكانها بسرعة حتى إنها لم تشعر بنفسها وهي تتجه نحو الباب بخطوات متعجلة. وما إن فُتح الباب ودخل فهد حاملًا عدة أكياس، حتى ظهرت على وجهها ابتسامة تلقائية واسعة وهي تقول بسرعة امتزجت فيها الراحة بالفرح: "لقد أتيت!" توقف جاسر للحظة عند الباب، ونظر إليها بدهشة خفيفة، كأنّه لم يتوقع أبدًا أن يجد أحدًا ينتظره بهذه الطريقة، ثم تسللت إلى شفتيه ضحكة قصيرة دافئة وهو يضع الأكياس أرضًا قليلًا ويقول مازحًا: "ماذا؟
ما إن غادر جاسر المنزل وأغلق الباب خلفه بهدوء، حتى بقي واقفًا للحظات أمام السيارة، يحدق نحو الأشجار الكثيفة التي تحيط بالمكان من كل جانب، وكأنّه يتأكد بعينيه للمرة الأخيرة أن لا شيء يهدد ذلك الهدوء المؤقت الذي ترك رهف بداخله. ثم تنفّس ببطء وأخرج مفاتيحه، قبل أن يستقل السيارة وينطلق عبر الطريق الترابي الضيق المؤدي خارج الغابة. لكنه لم يكن متجهًا مباشرة إلى المتجر كما أخبر رهف، بل كانت له وجهة أخرى أكثر أهمية… وأكثر خطورة. ...... بعد قرابة ساعة من القيادة الحذرة، توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى رمادي ضخم يبدو من الخارج كمؤسسة حكومية عادية، بلا أي ملامح مميزة تلفت الانتباه، لكن الداخل كان شيئًا مختلفًا تمامًا. مبنى المخابرات. ترجل جاسر من السيارة بخطوات ثابتة، رغم الإرهاق الواضح في عينيه، ثم دخل عبر البوابة الإلكترونية بعد إجراءات أمنية سريعة اعتادها منذ سنوات، قبل أن يتجه مباشرة إلى الطابق السفلي حيث غرفة الاجتماعات الخاصة بالفريق المسؤول عن قضية مدحت. وما إن فتح الباب حتى توقفت الأحاديث للحظة قصيرة، واتجهت الأنظار نحوه. كان العقيد شوقي يجلس في مقدمة الطاولة الطويلة، وأمامه عدة م
وبعد أن انتهى كلٌّ منهما من الاستحمام وتغيير ملابسه، خيّم على المنزل ذلك الهدوء المريح الذي يأتي بعد يوم طويل مليء بالمشاعر المتناقضة، فخرجت رهف من الغرفة وهي تجفف خصلات شعرها المبللة بمنشفة صغيرة، بينما كان جاسر يجلس في غرفة الجلوس يعبث بهاتفه بصمت، وما إن لمحها حتى رفع عينيه نحوها للحظة، قبل أن يشيح بنظره سريعًا وكأنه لا يريد أن يطيل التحديق أكثر مما ينبغي. أما رهف، فكانت تبدو مختلفة قليلًا عن الأمس، أقل توترًا، أقل خوفًا، حتى إن ملامحها التي اعتادت الانكماش والحذر بدأت تستعيد شيئًا من خفتها الطبيعية، وكأن وجودها في هذا المكان البعيد عن مدحت سمح لروحها أخيرًا بأن تلتقط أنفاسها. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، إذ انبعث فجأة صوت قرقرة خافتة من معدتها، فتجمدت مكانها للحظة، ثم وضعت يدها سريعًا على بطنها بخجل شديد، بينما اتسعت عيناها في حرج واضح. ساد الصمت لثانية واحدة فقط… قبل أن ينفجر جاسر ضاحكًا بخفة، ضحكة قصيرة لكنها صادقة، جعلت رهف تعبس وهي تنظر إليه باستياء مصطنع: "هذا ليس مضحكًا!" حاول جاسر كتم ابتسامته لكنه فشل، ثم نهض وهو يقول بنبرة مرحة لم تعتدها منه كثيرًا: "بل مضحك قليلًا…
وعلى الجانب الآخر تمامًا، بعيدًا عن صرخات مدحت وغضبه، وبعيدًا عن الجدران التي عاشت رهف بينهما عمرًا كاملًا وهي تشعر وكأنها سجينة لا ابنة، كانت هناك حياة أخرى تبدأ ببطء… حياة هادئة على نحوٍ غريب، حتى إن رهف نفسها لم تكن تعرف كيف تتعامل معها في البداية. فمنذ اللحظة التي استيقظت فيها في ذلك المنزل الصغير وسط الغابة، بدأت تشعر بشيء لم تختبره يومًا من قبل، شيء بسيط للغاية بالنسبة لأي إنسان… لكنه كان بالنسبة لها أشبه بمعجزة. الأمان. لا تخاف من صوت خطواتٍ يقترب من غرفتها. لا تنتفض مذعورة كلما فُتح باب. لا تضطر إلى مراقبة ملامح من أمامها لتخمن إن كان سيغضب أم لا. كانت المرة الأولى التي تتنفس فيها دون أن تشعر بأن الهواء نفسه مراقب. وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن بدأت تستعيد شيئًا من هدوئها، خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ الخشبية وتغمر المكان بدفءٍ ناعم، فوجدت فهد يقف في المطبخ يعد القهوة بهدوء، مرتديًا ملابس بسيطة تختلف كثيرًا عن مظهره الرسمي المعتاد. توقفت للحظة تتأمله بصمت، ثم نظرت حولها من جديد، وكأن عقلها بدأ أخيرًا يستوعب المكان الذي أتت إليه.
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل
توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى. أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت. خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُ







