เข้าสู่ระบบكاساندراينغلق الباب، الثقيل، خلفي بصوت يرنّ. يرنّ طويلاً في الممرّ الفارغ. كحكم. كنقطة نهاية. أتقدّم، ببطء، في الممرّ الرطب. كعبي، على البلاط البارد، يعلنان إيقاعًا. إيقاع قلب. قلب لا ينتمي إلّا لي. السيجارة المشتعلة، بين أصابعي، تترك خلفها، في الهواء الساكن، أثرًا. أثرًا فضّيًّا، رفيعًا. دليلاً. دليلاً على أنّني كنت هناك. على أنّني لعبت. على أنّني ربحت. ربحت شيئًا أكثر، بكثير، من مجرّد تنفّس.لا أستدير. لا أحتاج إلى ذلك. لا أحتاج إلى رؤية رافاييل، هناك، يستيقظ. إلى قراءة الحيرة على وجهه. الأمل المتبقّي. أو العار. كلّ هذا، الآن، يهمّني بقدر ما تهمّني طيّة قماش. طيّة سأطويها، بعناية، لأخفيها بشكل أفضل. لأجعلها تختفي. إنّه، من الآن فصاعدًا، إمّا مفيد، وإمّا مزعج. لا يوجد بينهما. الحدود، بين الاثنين، رفيعة. رفيعة جدًّا. وسأعبرها، دون تردّد، عند أوّل خطوة خاطئة.أبلغ نافذة البهو، في نهاية الممرّ. أنحني، ببطء، على الحافّة الباردة. المطر، أخيرًا. المطر يغسل المدينة. يضرب الزجاج، يسيل. يغسلها بحركة قصيرة، عنيفة، غاضبة. تتكسّر النيونات، في الخارج، في خطوط سائلة على الأسفلت الأسود. البحر، في
ألكسندرأنتصب وثبًا. بشكل حيوانيّ. عضلاتي المتشنّجة تقذف بجذعي إلى الأمام.يعلق الهواء في حلقي. عنيف. حارق. كما لو كنت ابتلعت نارًا سائلة. لا أستطيع التنفّس. تنضغط رئتاي، تسحقان. للحظة، للحظة طويلة، أعتقد، بجدّيّة، أنّني سأموت. مختنقًا. هنا. في سريري. الصرخة التي تفلت منّي، أخيرًا، لا تحمل أيّ شيء بشريّ. إنّها أجشّة. مخنوقة. صوت حيوان. منتزع، بالأظافر، من أعماق أحشائي.لا أرى شيئًا في البداية. الظلام يغلّفني. بالكامل. ثقيل. لزج. شبه حيّ. إنّه ينبض، من حولي. أستشعره. كما لو كان يتنفّس. الصمت... الصمت سميك. سميك جدًّا. لدرجة أنّه يثقب طبلة أذنيّ، يصدر صفيرًا حادًّا.أبقى هكذا. بلا حراك. لاهثًا. قلبي، في صدري، لم يعد ينبض. إنّه يخفق. يخفق ضدّ أضلاعي، بقوّة، كحيوان يريد الخروج. أتعرّق. بغزارة. أصابعي، بشكل لا إراديّ، تتشبّث بالغطاء. إنّه مبلّل. غارق. جسدي، تحته، كلّه يلمع. قفاي، صدغاي، معصماي، كلّ شيء يسيل. الفراش، تحتي، ساخن. شبه محموم. كما لو كان يحتفظ، في أليافه، بأثر الكابوس. بحرارته.أمرّر يدًا، بطيئة، مرتعشة، على وجهي. بشرتي... بشرتي جليديّة. لكن راحتي، يدي، تحترق. هذا التناقض، هذا
ألكسندرأركض.الأرض، تحت قدميّ، طريّة. غير مستقرّة. متحرّكة. كرمال مبلّلة، رماديّة، تنخسف، تبتلع كلّ خطوة. كلّ وثبة تكلّفني جهدًا هائلاً. رغم ذلك، أواصل. مدفوعًا بقوّة لا أعرفها. بطوارئ تحرق صدري، تضغط على رئتيّ. لا أعرف، بالضبط، ما الذي أطارده في هذا الضباب. لكنّني أعرف، بكلّ كياني، أنّني يجب أن أجدها. أنّه إذا توقّفت، إذا تردّدت لثانية، ستختفي. إلى الأبد.من حولي، في كلّ مكان، حجاب. حجاب من ضباب. أبيض. سميك. شبه سائل. يبتلع كلّ شيء. السماء، التي لا أراها. الأرض، التي لا أشعر بها. الأفق، الذي لم يعد موجودًا. لم يعد هناك أعلى ولا أسفل. لا يمين ولا يسار. لا شيء. لا شيء سوى هذا الضباب الخانق، هذا القطن الجليديّ الذي يلتصق ببشرتي، بملابسي، برموشي. تنفّسي، الثقيل، يرنّ. يرنّ كما في كاتدرائيّة فارغة. الصمت من حولي ثقيل. ثقيل جدًّا. لدرجة أنّه يثقل على حلقي، يمنعني من الصراخ. لا ريح. لا طيور. لا بحر. لا شيء. لا شيء سواي. والغياب.ثمّ... فجأة... أراها. ليرا.إنّها هناك. أمامي. على بعد خطوات قليلة فقط. جسدها، في الضباب، يتقطّع. يتشكّل، يتلاشى، يعود. كسراب. شعرها، المبلّل، ينسدل على كتفيها. عي
ليراالماء جليديّ. ليس باردًا، لا. جليديّ. أكثر برودة من الليل، أكثر ثقلاً من الظلام نفسه. يطوّقني، ببطء، بطء وحش، يأخذ أوّلاً كاحليّ، يمتصّهما، ثمّ فخذيّ، يصعد. كلّ حركة، الآن، تصبح قتالاً. كلّ محاولة للطفو، اقتلاع. أضرب بذراعيّ، بشكل يائس، لكن حركاتي لم تعُد سوى أشلاء سباحة، بقايا غريزة. عضلاتي تحترق، تحترق كجمر حيّ. رئتاي، في صدري، تصرخان. البحر من حولي، في كلّ مكان، شاسع، بلا وجه، بلا حدود. كرحم مظلم، ضخم، يبتلعني. شيئًا فشيئًا.لم يعد هناك حبل. لا شيء يشدّ. لم يعد هناك ظهر قارب. لم تعُد كاساندرا، فوقي، سوى وميض. وميض ضوء، بعيد، صغير، يبتعد بسرعة. اختُزل العالم. إلى هذا. إلى الماء. وأنا. إلى هذا البرد الذي يشقّ لحمي، الذي يدخل في عظامي. إلى هذا الملح، المرّ، الذي يتسرّب في كلّ مكان. في عينيّ. في فمي. حتّى في ذكرياتي.أبتلع أوّل رشفة ماء. لا إراديًّا. إنّها مرّة. معدنيّة. لها طعم الدمّ. تكشط حلقي، تحرقه، وتنزل، ببطء، إلى رئتيّ. ببطء سمّ. أسعل، تحت الماء، لكن البحر يعود فورًا، يتسرّب، يصرّ، يتعلّق بي كأيدٍ غير مرئيّة، كأصابع. أسبح. أسبح بعد. أضرب الماء، بكلّ ما تبقّى لديّ. لكن حركات
كاساندرايصمت. أصابعه، على الغطاء، ترتعش. ثمّ، فجأة، كما لو كان سدّ قد انهار، يستعيده الغضب، أكثر لاعقلانيّة، أكثر يأسًا من أيّ وقت مضى. عيناه، المثبّتتان عليّ، تحترقان بنار لم أرها فيه من قبل.— إذا كنت قتلتها... أكرّر، بصوت بطيء، إذا كنت قتلتها، إذن، أقسم لك، سأقتلك.التهديد ينفجر في الغرفة، غير مدروس، خام، همجيّ في مطلقه. إنّه يقول كلّ شيء، يكشف كلّ شيء: عمق حبّه لها، ذلك الحبّ الذي لم أعرف أبدًا كيف أقتلعه. عدم قدرته المطلقة على قبول الفقدان بغير العنف. ضعفه.أبتسم. ببطء. دون تسلية، دون فرح. إنّها ابتسامة باهتة، باردة، مجرّد انكماش عضلات.— حاول، أقول، بصوت هادئ. حاول إذن. لكن، قبل أن تفعل، افهم هذا: أنا لست تلك التي تتخيّلها. أنا لست عشيقة تبحث عن استعادتها. أنا لست امرأة يمكن ترويضها. أنا قوّة. قوّة لم تفهمها أبدًا. وهذا المساء، رافاييل، في هذه الغرفة، أنت أمام خيار. أوّل خيار حقيقيّ في حياتك. يمكنك الانضمام إليّ. أن تكون مفيدًا. أن تساعدني في إتقان الكذبة التي ستنقذ شرفك، وتتركك تتنفّس، وتحميك. أو... يمكنك أن تصرّ، بعنادك الغبيّ، على الرغبة في إصلاح ما لا يمكن إصلاحه. وتفقد، في
كاساندرا ينفتح الباب، ببطء، على غرفة هجرها الزمن. غرفة نسيها الجميع. ورق الجدران منفصل، متقشّر، مصباح وحيد عاكسه يصفرّ، يبعث ضوءًا مريضًا، كابتسامة قديمة، صفراء. والسجّاد، إذا كان يمكن تسمية هذا النسيج البالي، المليء بالبقع، سجّادًا، يحتفظ، في أليافه، بأثر آلاف القدوم والذهاب الخرقاء. المكان، في سكونه، تفوح منه رائحة السجائر الباردة ومسحوق الغسيل الرخيص، رائحة تبدو، بشكل غريب، وكأنّها تعتذر عن وجودها. رافاييل هناك، بالفعل. جاثم على حافّة السرير، جسده متوتّر. سيجارة مطفأة، منسيّة، بين أصابعه. عيناه، نظراته، معلّقة بالنافذة حيث المطر الرقيق، بالخارج، يرسم خرائط غير قابلة للقراءة على الزجاج المتّسخ. يرفع رأسه عندما أدخل؛ وجهه، هذا الوجه الذي أعرفه جيّدًا، كما تُعرف نقطة ضعف قديمة، ينقسم بابتسامة. ابتسامة لا تنتظر سوى أن تنكسر. — كاساندرا، يتمتم، كما لو كان النطق باسمي، هنا، بصوت عالٍ، يخاطر بإيقاظ الموتى. أغلق الباب خلفي. دون استعجال. أترك الفرقعة ترنّ، في الصمت، كنقطة نهاية. حضوره، هذا الحضور المألوف، يصلني قبل أن يتكلّم: رائحة بشرته، الدفء المكبوت في كتفيه، هذه الطريقة الفريدة الت
ألكسندركان من المفترض أن تكون أمسية النادي مجاملةً شكليةً بحتة، احتفالاً بشراكتنا. هذا على الأقل ما أحاول تكراره في ذهني. ولكن ما إن لمحت لييرا تعبر أبواب القاعة، حتى شعرت بسيطري يتصدع.كانت رائعة.فستان أسود مشقوق عند الفخذ، ظهر مكشوف، وتسريحة شعر بسيطة لكنها أنيقة. تتقدم بتلك الثقة الطبيعية التي
ليراالطقطقة الجافة لمقبض الباب انتشلتني بعنف من تركيزي.المكتب مغمور في شبه ظلام ناعم. الضوء المرشح عبر الستائر يرسم خطوطًا شاحبة على الجدران، والرنين الخافت للساعة يزيد من إحساس الإلحاح. لوكاس وأنا منحنيان على كومة من الوثائق المبعثرة بشكل غير منظم على المكتب الرئاسي. أوراق ملطخة بالزمن، أختام غي
لييرامقصورة الطائرة الخاصة صامتة.ليست هادئة. فقط صامتة.أنا جالسة بجانب النافذة. لوكاس بجانبي، ذراعاه متشابكتان، نظراته قاسية. لم ينبس بكلمة منذ صعدنا سلالم الطائرة.في الأمام، ألكسندر. جالس. مستقيم الظهر. متوتر.وعلى يمينه... كاسندرا.مثا
ليرايوم المغادرة قد حان أخيرًا، والإثارة الممزوجة بالقلق تلف معدتي. هذه الرحلة حاسمة، ليس فقط للشركة، بل لي أيضًا. لدي الفرصة لأثبت قيمتي، لأظهر أنني أستطيع تنفيذ مشاريع كبرى. ولكن هناك أيضًا ألكسندر. العمل إلى جانبه هو تحدٍ وفرصة في آن واحد، لا يمكنني تفويتها.أنا في طور إنهاء أمت







