تسجيل الدخولخيم السكون التام على أجنحة القصر وأروقته الرخامية تحولت إلى ممرات باردة تعزف فيها الرياح ألحانها الحزينة. كان الوقت كأنه يتوقف، بينما تتابع إيفي من خلف ستائر الجناح موكب سيارات ألكسندر وهو يغادر الفناء الرئيسي بتكتم شديد متجهاً لتأمين شحناته البحرية خارج المقاطعة. بمجرد أن توارت أضواء السيارات خلف الأسوار العالية، التفتت إيفي نحو سيلا، التي كانت تقف بقلب يخفق كطبول، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي ملامحها وتغطي البروز الصغير لبطنها. هزت إيفي رأسها بثبات وقالت بنبرة خفيضة تشع إصراراً: ـ حان الوقت يا سيلا.. ألكسندر غادر، والآن دورنا. تسللت إيفي بحذر نحو الممر الداخلي المظلم الخاص بالحراسة. كانت تحمل في يدها صينية صغيرة عليها أباريق من الشاي الدافيء، أضافت إليها قطرات مركزة من المخدر السريع الذي جلبته سراً. عند بداية الممر، كان ثلاثة من الحراس المسلحين يقفون بتركيز، وعلائم النعاس والإرهاق بادية على وجوههم. اقتربت إيفي منهم بابتسامة ناعمة ونبرة دافئة تجيد استخدامها: ـ سيدي ألكسندر أوصاني قبل مغادرته أن أقدم لكم هذا المشروب للتدفئة في هذه الليلة الباردة.. تفضلوا. لم يشك الحراس ل
كانت خيوط الليل قد بدأت تتسرب ببطء إلى اجنحة القصر. استغلت إيفي خروج ألكسندر المتأخر لمتابعة بعض ترتيبات شحناته التجارية ، لتتسلل بخفة نحو الممر الخلفي المؤدي إلى مسكن الحراس، وعيناها ترصدان كل حركة بحذر وإصراراً. وصلت إلى الزاوية المعتمة حيث يجلس الحارس خليل. كان يجلس مستنداً إلى الجدار الرخامي، يقلب نظراته بقلق متزايد. بمجرد أن لمحت ظل إيفي يتسحب نحو الظلام، وقف بسرعة واقترب منها بلهفة وشغف: ـ إيفي.. ماذا حدث؟ هل شك ألكسندر بشيء؟ اقتربت إيفي من جسده حتى كادت أنفاسها تلامس وجهه، ووضعت يدها الناعمة على ذراعه بدلال محترق ، ثم أخرجت من طيات ثوبها رسالة صغيرة مطوية بعناية ومغلقة بشمع أحمر داكن. نظرت في عينيه وقالت له بنبرة همس يملؤها الرجاء: ـ خليل.. هذه الرسالة يجب أن تصل إلى ركان الليلة قبل الفجر.. أقسم لك أن حياتنا جميعاً تتوقف على هذه الورقة، وهذه الخدمة لن أنساها لك ما حييت. تردد خليل لحظة، وألقى نظرة خائفة نحو الممر، لكن لمسات إيفي و وعودها بقربها منه أذابا كل خوف في صدره. تناول الورقة بيده المرتجفة وغرسها في جيبه الداخلي ، متعهداً لها بتهريبها فوراً عبر أحد رجاله إلى م
جلست سيلا على طرف الفراش داخل الجناح، وتيار الذكريات يتدفق في عقلها . كانت تمسك رأسها بيديها المرتجفتين ، بينما الصداع يعصر جمجمتها إثر الإدراك المتأخر. أصبحت الصورة واضحة أمامها؛ ركان ودموعه القاتلة ليلة أمس حين طردته ، ابنتها سارة وشوقها الحارق لها ، وتفاصيل الخزنة والعقود في المكتب.وقفت إيفي بجانبها تمسح دموعها وتشد على يدها بثبات:ـ سيلا...، لا وقت للضعف أو الندم الآن. ألكسندر قد يعود في أي لحظة. يجب أن تعودي إلى قناع الطاعة والخضوع الكامل له حتى نتمكن من التواصل مع ركان وتنفيذ خطة الهروب معا.أومأت سيلا برأسها ، ومسحت دموعها بعينين تشتعلان بنار الانتقام:ـ لن أجعله يشعر بشيء يا إيفي.. سأمثل وأتقن الدور حتى نكسر هذا السجن.لم تكد تُنهي كلماتها وتعدل رداءها الحريري الأبيض ، حتى انفتح باب الجناح ببطء وحزم. دخل ألكسندر بهيبته المظلمة وخطواته الواثقة. كانت عيناه الثاقبتان ترصدان كل تفصيلة في الغرفة ، ووقع نظره على سيلا ووجها الخاضع.ضيّق ألكسندر عينيه بشك حاد ، و اقترب بخطوات متزنة حاسمة ، ثم وقف أمامها ونظر إلى عينيها متسائلاً بنبرة جافة و ممتلئة بالريبة:ـ ما بال عينيكِ محمرتين يا
انتظرت إيفي حتى خروج ألكسندر لمتابعة أعماله في القصر، لتنتهز فرصتها الذهبية. كانت الشمس قد بدأت تشرق عبر نوافذ الجناح، والهدوء المريب يخيم على المكان. دخلت إيفي الجناح بخطوات ناعمة، وأغلقت الباب خلفها، وحسمت أمرها على كسر القيد المظلم الذي يسلب روح سيلا.كانت سيلا تقف داخل الحمام، تحاول الاستحمام لتهدئة الدوار الشديد الذي يلتف حول رأسها. كانت ترتدي رداءً حريرياً أبيض خفيفاً، ويبدو على وجهها الإرهاق والشحوب، وعيناها تائهتان في الفراغ من أثر المخدر.تسللت إيفي خلفها برفق داخل الحمام الرخامي الدافيء، وأغلقت الباب بهدوء كأنها تطرد العالم الخارجي عنهما. اقتربت من ظهر سيلا المستند بضعف على العتبة، ووضعت كفيها الدافئتين على خصريها بنعومة جعلت سيلا تنتفض بقشعريرة خفيفة.مررت إيفي يديها تحت قماش الرداء الرقيق، تلامس بشرتها ببطء ورقة، تماماً كما كانت تفعل في لياليهما الدافئة والشغوفة القديمة. سرت نبضات ساخنة في جسد سيلا، واستسلمت أنفاسها المتقاطعة باضطراب حنون، بينما مالت رأسها للخلف بشغف.التفتت سيلا للخلف، ونظرت بعينين ذابلتين ومحتارتين إلى إيفي. حينها اقتربت إيفي أكثر، حتى ألصقت جسدها بظهر س
عاد ألكسندر إلى القصر متأخراً، تسبقه خطاه الثقيلة وترفرف خلفه عباءته المظلمة. كان صوت الهدوء المخيف يخيم على أروقة المكان، لكن قلبه الحاسد لم يكن يهيأ له سوى الريبة. انفتح باب الجناح الملكي ببطء، ليجد سيلا تجلس على طرف الفراش الفسيح، ترتدي ثوبها الأبيض، وعيناها تتيهان في أبعاد الغرفة باضطراب لا تُخطئه عيناه. كانت أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط؛ فاقتحام ركان لجناحها، ورؤية ذلك الغريب الذي يدعي حبه لها، تركا في عقلها المخدر أثراً زلقاً من الخوف الشديد، دون أن تستوعب عقلانياً سبب هذه الفزعة التي ترتجف لها. اقترب ألكسندر بخطوات واثقة، ووقف أمامها يتأمل وجنتيها الشاحبتين. ضيق عينيه بشك حاد، وانحنى ليضع سبابته تحت ذقنها، رافعاً وجهها ونظراتها الخاوية نحو عينيه المظلمتين: ـ ما بال هذا الارتعاش الذي يرتج في جسدكِ يا سيلا؟ ولماذا أرى الخوف يسكن عينيك في غيابي؟ جلست سيلا مطأطأة الرأس، ونطقت بصوت خفيض ونبرة مطيعة تحت تأثير المخدر البطيء: ـ لا شيء يا سيدي.. إنه مجرد كابوس مزعج داهم نومي وأفزعني، ولا أجد الراحة إلا بالقرب منك. اتسعت ابتسامة ألكسندر، غير أن شعلة الغيرة والسيادة السا
تراجعت أقدام ركان إلى الخلف بخطوات ثقيلة ومضطربة، وكأن كل خطوة تبتعد بها عن الفراش تقتطع قطعة من روحه. كانت كلمات سيلا الباردة والقاسية تتكرر في رأسه. نظرتها الجافة، ودفعتها القوية ليديه، ونداؤها باسم ألكسندر لحمايتها، كل ذلك نزل على قلبه كجمرة من نار. انسحب ركان من الجناح وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب. خرج إلى الممر الداخلي المظلم، يترنح بجسده المنهك وصدره يعلو ويهبط بأنسام خنقها الذهول. كيف لسيلا، المرأة التي اقتسم معها أنفاسها ولياليها الدافئة، أن تنظر في عينيه وتسأله ببرود: من أنت؟! تسلل عبر الممرات الفرعية متجهاً نحو الحديقة الخلفية، والأفكار السوداء تتصارع في رأسه. كان الجنون يدق أبواب عقله، والغيرة الحارقة تأكل أحشاءه؛ هل نسيت كل شيء حقاً؟ أم أنها استسلمت لألكسندر ورضيت بأن تكون معه في قصره وتنسى حبهما وتنسب طفلها لقاتلها؟فجأة.. عند زاوية الحديقة المعتمة، بين ظلال الأشجار العالية، قفزت إيفي من بين الأشجار وحجبت طريقه بسرعة. كانت إيفي تتابع المشهد بينهما من خلف الستار، ورأت انكساره القاتل وهي تدرك حجم الكارثة. مسكت إيفي ذراعه بقوة وهي تنظر حولها برعب وتهمس بصوت مرتجف: ـ ر







