登入كان صالح يجلس على حافة الفراش بجوار زوجته وحاله لا يفرق كثيرا عن حالها، وجهه شاحبا والبرودة تسري في أطرافه حتى أنه شعر بالارتجاف قليلا.
_ صالح، لمَ أنت صامت هكذا؟ أليس لديك ما تقوله؟
_ ماذا عليّ أن أقول؟ كنا نعرف أنه مهما طال الزمن أكيد سيخرج من السجن ويعود إلى بيته، في النهاية هذا بيته ولن نستطيع منعه من البقاء به.
استمعت لكلماته وقالت بسخرية:
_ حقا؟ وماذا بخصوص إبنتك؟ ترى هل سيدعها وشأنها؟
_ أكيد، أنتِ لا تعرفين قاسم مثلما أعرفه أنا، قاسم شهم ولن يحاول التعرض لها ابدا.
_ قاسم شهم برأيك؟ أترى أن الشهم الذي سُجن ظلم وأفنى من عمره عشر سنوات كاملة عندما يخرج من السجن سيظل شهما كما كان؟
_ ها قد قلتِها، سُجن ظلم.
_ حسنا، ولكن هذا لا يفيد الآن، صالح.. ابنتك الآن متزوجة ولديها طفل وبالكاد إستطاعت أن ترمي الماضي وراء ظهرها وتنشئ حياة مستقرة مع زوجها، ولكن بظهور ابن أخيك الآن لن يكون شيء كالسابق أبدا صدقني. قاسم أكيد يفكر في الانتقام الآن.
نهرها صالح على الفور وقال بحدة:
_ بأية حماقة تتفوهين صفية؟ قاسم طيب وشهم ومعدنه أصيل، يعرف أنها لا ذنب لها فيما حدث، والآن برؤية طفلها وحياتها المستقرة أكيد لن يمسها بأذى أنا أثق به.
كانت صفية تضرب صدرها تارة وفخذيها تارة أخرى وهي تنتحب بصمت وقالت بإصرار:
_ لكن أنا لا أثق به، ولأكون صريحة معك لا أثق بابنتك.. يا إلهي لا يمكننا وضع النار بجوار الوقود.. قاسم لن يدعها وشأنها أنا متأكدة وهي لن تصمد أمامه كثيرا. حمقاء وأعرفها.
عنذ ذكر تلك السيرة هب واقفا بغضب وقال بحدة أجفلتها:
_ أية نار وأي وقود يا مخبولة؟ صفية اسمعيني وأبلغي بدوركِ هذا الكلام لإبنتكِ الحمقاء لأنني لن أكون متفهما أبدا إذا اضطررتُ لإبلاغها إياه بنفسي، أي خطأ من الآن فصاعدا هي وحدها من ستُحاسب عليه.. وحدها يا صفية.
كان بصدد الخروج من الغرفة فأسرعت تتشبث بيديه وهي ترجوه قائلة:
_ صالح أرجوك، اصعد وتكلم معه قليلا حتى تستشف ما ينوي عليه، انصحه أن يترك تلك الشقة ويستأجر غيرها في مكان آخر، حتى.. حتى أنه من الممكن أن نقايضه ببيت المعمورة إذا أحب، المهم أن يبتعد عن هنا بأسرع وقت.
زفر الرجل بغضب وقلة حيلة ولم يعقب، خرج صافقا الباب خلفه واتجه إلى شقة قاسم والتوتر قد أوهن ركبتيه.
|||||||||||||||||||
كان يستلقي نصف جالسًا وهو يمسك بهاتفه ويتحدث به بثبات يترك أثرا في نفس من يحدثه:
_ حسنا سيد أكثم ، سأمر بهم غدا وحينها نتحدث في التفاصيل. مع السلامة.
أنهى الاتصال وأمسك بالهاتف يقلبه بين يديه بشرود قبل أن يصل إلى مسامعه صوت جرس الباب.
نهض مخمنا هوية القادم وما إن فتح الباب حتى ظهرت ابتسامته الواثقة وهو يقول بترحيب:
_ عمي، أهلا بك.
عانقهُ صالح مربتًا على كتفيه وهو يقول بصدق:
_ حمدا لله على سلامتك يا بني، لقد اشتقنا إليك كثيرا والله.
_ وأنا اشتقت لكم يا عمي، تفضل.
ولج صالح وتقدمهُ قاسم للداخل مشيرا بيده إلى شرفة الصالون وهو يقول:
_ تفضل يا عمي، ما رأيك أن نجلس بالشرفة؟ كما ترى الشقة مغطاة بالأتربة والعنكبوت ينسج خيوطه في كل مكان .
ضحك عمه وهو يتفحص المكان من حوله بحنين وقال:
_ نعم، لو كنت أعلم ميقات خروجك كنت استدعيت إحدى عاملات التنظيف ولكنك فاجأتنا.
إبتسم قاسم وهو يبسط كفه أمامه مشيرا له بالدخول وهو يقول:
_ لا بأس، القليل من الأتربة والعناكب لن تضر، لقد تعايشت مع ما هو أسوأ بكثير فلا بأس.
ألقاها قاسم ضاحكًا أما عمه فلم تعرف الابتسامة سبيلا إلى شفتيه ، أومأ بصمت ودخل إلى الشرفة أسرع قاسم ينفض الغبار عن المقعدين اللذين تتوسطهما طاولة صغيرة مستديرة ثم أشار لعمه بالجلوس وجلس مقابله وقال:
_ كيف حالك يا عمي؟
_ بخير إبني، أنت كيف حالك؟
ابتسم الآخر برضا وقال:
_بأفضل حال كما ترى.. كيف حال زوجة عمي؟ سأمر لرؤيتها في وقت لاحق.
_ بخير بني، عادت لتوها من الخارج وستصعد لرؤيتك بعد أن تستريح، نستعد لزفاف حياة بعد العيد لذلك ليست متفرغة لحك أنفها حتى.
شبك قاسم أصابعه، وألقى نظرة خاطفة على الطريق من أمامه، ثم عاد بنظره إلى عمه وقال:
_ ممن ستتزوج حياة؟
_ شابًا محترم يدعى خالد، طبيبًا صيدلانيًا وصيدليته بميدان الساعة، وفوقها شقة الزوجية التي ستتزوج فيها حياة.
أومأ قاسم بهدوء وعاد يتأمل أضواء المدينة من حوله بشرود، ثم نظر إلى عمه مجددا وسأل بتردد:
_ و عنبر، كيف حالها؟
أحس صالح وكأن الكلمات جفت بحلقه ونظر إليه مشدوهًا، ثم تنحنح محاولا استعادة توازنه وأجاب باقتضاب:
_ بخير ، لديها الآن طفل يبلغ من العمر عشرة سنوات، وحياتها مع عبدالله مستقرة الحمدلله.
أخفى قاسم إنفعالاته ببراعة ورسم الرضا على ملامحه باحتراف وقال:
_ الحمد لله.
أسرع صالح يسأله:
_ وأنت؟ ألا تنوي الزواج والاستقرار؟
كان رجاءًا أكثر منه سؤالًا ؛ فأخشى ما يخشاه صالح أن يصدق حدس زوجته وأن يكون قاسم قد عاد لينتقم فقط!
التقط قاسم نبرته المهزوزة وملامحه المتوسلة بعينيه الثاقبتين وقال:
_ ليس بعد، لدي خططًا وطموحاتًا أهم من الزواج والاستقرار، ولكن على كل حال سأتزوج ، في النهاية لن أبقى أعزب ما تبقى من عمري.
تنهد صالح بارتياح جاهد في إخفائه وقال:
_ يفعل الله خيرا يا بني.
|||||||||||||||||||
في المساء.
جلست حياة أمام طاولة الرسم خاصتها والتقطت أحد الأقلام ثم رفعت شعرها بواسطته وبدأت بإكمال تلك الرسمة التي كانت بصدد إنهائها بالفعل قبل مجيء قاسم، قاطعها رنين هاتفها فأسرعت تلتقطه وأجابت بحماس شديد:
_ مرحبا حبيبي.
أتاها صوته الأجش الذي يثير عاطفتها بشدة وقال:
_ مرحبا عزيزتي، كيف حالكِ؟
_ بخير، وأنت ؟
_ أصبحت بخير الآن بعد أن سمعت صوتك.
تنهدت بحالمية واتسعت ابتسامتها مردفةً بحب:
_ اشتقتُ إليك كثيرا، لمَ لا نخرج سويا لبعض الوقت، أشعر بالملل الشديد.
_ أعلم حبيبتي ، ولكن للأسف لا أستطيع مبارحة الصيدلية تلك الفترة ، أعدِك أن أصطحبك قريبا ونخرج لأي مكان تفضلينه.
ابتسمت وقالت بلطف:
_ لا عليك يا خالد، أعلم أنك لست متفرغًا وأقدر ذلك، أنا فقط اشتقت إليك.
_ وأنا اشتقت إليكِ يا قمري، حياة.. لقد وصلتني أخبار أن ابن عمك المسجون قد أطلق سراحه اليوم. هل هذا صحيح ؟
أجابت بحماس:
_ نعم، بالمناسبة .. لا بد أن تتعرف عليه فهو شخصية لطيفة جدا ومرح و…
_ حياة.. لمَ عليّ التعرف على مجرمًا كهذا؟ لقد اتصلت بكِ كي أحذركِ من الحديث معه .. إياكِ وأن تتعاطي معه أو تجالسينه بمفردك، ولا حتى برفقة أهلك.. لا تظهري أمامه ابدا.
قطبت جبينها بتعجب من موقفه العدائي الغير مبرر وقالت بضيق واضح:
_ أولا قاسم ليس مجرم ، ثانيا هو ابن عمي وبمثابة أخ أكبر وأنا أثق به كثيرا، ثالثا والأهم أنا لن أقبل أن تتحدث عنه بتلك اللهجة أبدا.
على الجانب الآخر قصف صوت خالد مدويّا وهو يقول بعصبية:
_ ماذا دهاكِ حياة ؟ أقول لكِ أنه مجرم و….
كبح لسانه بصعوبة واستطرد محاولا التحلي ببعض الهدوء:
_ اسمعيني حياة، أنا لا أتكلم عبثا أبدا ولا أنطق بما لا أعلم، لقد تقصيت عن ابن عمك المبجل سابقا والمعلومات التي عرفتها غير مشرفة بالمرة ؛ لذلك أنا أطلب منك… لا.. أنا آمرك أن تبتعدي عنه تماما وأن تقطعي صلتك به نهائيا و إلا…
قاطعته حياة هاتفة بحنق وهي تقول:
_ و إلا ماذا يا دكتور؟
تنفس خالد الصعداء وقال برصانة أكبر جاهد في الحصول عليها:
_ قمري، اسمعيني من فضلك.. تعلمين كم أحبك، أليس كذلك ؟
_ بلى.
_ جيد، وتثقين في، أليس كذلك ؟
_ بلى.
_ ممتاز، عزيزتي.. ابن عمك هذا مصيبة ووقعت فوق رأس العائلة بأكملها، أنتِ لا تعرفين عنه شيئا مما أعرفه أنا.. ولأكون صريحا معكِ ما أعرفه لا ينبغي أن تعرفيه أنتِ.. أنا أعرفك جيدا.. حساسة وهشة للغاية ولن تتحكمي في ردات فعلك أمامه وإذا أخبرتك ما أعرفه قد تصفعينه في أول مرة يظهر فيها أمامك.
ابتلعت ريقها بصعوبة وخوف وهي تقول:
_ ما الذي تعرفه بخصوص قاسم؟ أخبرني حالا.
_ ما أعرفه لن يفيدك بشيء، قمري اسمعيني جيدا.. قاسم هذا مختل عقليا على الأرجح، أرجوكِ لا تتعاطي معه أبدا، عِديني.
اختلطت الأفكار والظنون برأسها وتشوشت بشدة حتى أنها لم تسمعه إلا عندما كرر طلبه:
_ عِديني قمري.
تنهدت حينها وقالت بإذعان:
_ حسنا أعِدك.
تنهد بارتياح قائلا:
_ حسنا حبيبتي ، والآن اذهبي للنوم كطفلة مطيعة ولا تكلفي نفسك عناء التفكير والتخمين، سأخبرك كل شيء في الوقت المناسب.. مع السلامه.
أنهت حياة الاتصال وظلت لدقائق شاردة لا تعرف ما الذي عليها أن تفكر به، اتصال خالد أربكها و شوش فكرها للغاية، وما تلك الحماقات التي تفوه بها؟ قاسم . مختل عقليا ؟!! مجرم؟!!! يا إلهي لا يعقل.. هي تعرف أنه حُكِم لعشر سنوات كاملة وهذا فقط كل ما تعرفه عن ظروف سجنه وتلك التجربة القاسية التي عاشها، لكن لا تعرف السبب الذي استحق عليه السجن كل تلك المدة! لقد سألت مرارا وتكرارا حتى جف حلقها ولم يخبرها أحدا بالحقيقة، كل ما تكرموا به أنه ارتكب خطًأ فادحًا استحق عليه ذلك العقاب! إذا ما هو ذلك الخطأ ؟؟ لا تعرف.. والغريب أن كل تلك السنوات لم يذكر أحدهم اسم قاسم بتاتًا وكأنه ليس فرد من أفراد العائلة! وكأنه فعلا مجرمًا خطيرًا واستحق النبذ !!
نزعت القلم من شعرها عندما أحست بالصداع يداهمها وأسقطت رأسها للخلف بتعب وهي تهمس:
_ يا إلهي! قاسم مجرم؟؟ مستحيل.
|||||||||||||||
وقف قاسم أمام مرآة الحمام ومد يده يمسح بها آثار البخار كي يرى إنعكاس صورته بوضوح، تأمل شعره الأسود الغزير الذي طال كثيرا مؤخرا فكان يصل فوق كتفيه بقليل، ولحيته الكثيفة بلونها المحايد بين الأسود والبني، شاربه الكث المنمق، دار بعينيه على قسمات وجهه وكأنه يكتشفها لأول مرة، ثم التقط ماكينة الحلاقة الخاصة به وكبس الزر وبدأ بتمريرها على لحيته الطويلة ثم شاربه العريض، بعد أن انتهى عاود النظر لصورته في المرآة برضا ثم غسل وجهه والتقط المنشفة من موضعها وخرج.
فتح تلك الحقيبة التي أحضرها معهُ وانتقى منها سروالا من الجينز الأسود وقميصًا بنفس اللون ارتداهما على عجالة وخرج.
في تلك الأثناء كانت حياة بصدد الخروج من شقتهم، ولكنها تيبست بأرضها عندما رأت إبن عمها المجرم الوسيم وهو يركض بخفة فوق درجات السلم نحو الأسفل.
توقف قاسم أمامها مبتسما وألقى التحية بود:
_ مساء الخير حياة.
ترددت حياة وقفزت كل الكلمات التي ألقاها خالد إلى رأسها حتى أنها رمشت مرتين كعادتها عندما تتوتر وردت بصوت مهزوز بالكاد سمعه قاسم:
_ مساء الخير.
ضيق ما بين حاجبيه بتعجب وقال ببساطة:
_ لمَ وجهك شاحب هكذا؟
مدت يدها تتلمس بشرتها بعفوية وأجابت بخفوت:
_ أظنني على وشك الإصابة بنزلة برد.
زم شفتيه بأسف وقال:
_ وإلى أين في هذا الوقت المتأخر؟
أجابت فورا :
_ إلى شقة عنبر، هاتفتني وقالت أنها تشعر بالملل خاصة أن عبدالله سيعود متأخرا كعادة الخميس من كل أسبوع.
اهتز قلبه فور أن سمع اسمها ولكنه ابتسم محاولا التظاهر باللامبالاه وقال:
_ حسنا، أبلغيها سلامي الحار.
أومأت بصمت فاستدار ليكمل طريقه ولكنه توقف وعاد ينظر إليها فجأة فأجفلت وعادت برأسها للخلف بتحفز ونظرت إليه باستفهام فقال:
_ حياة، ألم يكن لون عينيكِ كهرماني؟ متى تحول للأزرق؟! حسب ما أذكر كانت عيناكِ مميزة جدا بلونهما الفريد ذاك.. أو أنني مخطئ ؟ يا إلهي هل غِبت مطولا لتلك الدرجة؟
رفرفت بعينيها مرتين ودق قلبها بتوتر وقالت بخجل واضح:
_ أجل معلوماتك صحيحة، لونهما كذلك.. هذه عدسات طبية.
ارتفع حاجبيه متعجبا وقال:
_ عدسات طبية؟
_ أجل، ضَعُف نظري واضطررت لعمل عدسات طبية واخترت أن تكون باللون الأزرق.
مط شفتيه في تعجب واضح مما أثار حفيظتها فسارعت بسؤاله:
_ أليست مناسبة؟
تفحصها أكثر وجال بعينيه على قسماتها الجميلة بتقييم وقال:
_ لا .. إطلاقا.
جحظت عدستيها الزرقاوتين بصدمة، لم تتوقع أن يكون فظا بهذا القدر، حسناا هي تتذكر عنه لمحات من طفولتها .. لطالما كان صريحا واضحا لا يحب المداهنة أو المراوغة، ولكنها لم تتذكر أنه كان يتصرف بقلة ذوق وفظاظة أبدا!
والآن.. بعد أن رماها بذلك التصريح الأحمق لا تعرف كيف عليها أن تتدارك الموقف وتخفي إحراجها كي لا تبدو ساذجة أكثر؛ فاكتفت بأن قالت:
_ شكرا.
شعر بأنه أحرجها .. أو ربما هو أحرجها بالفعل؛ فتنحنح وقال بنبرة مراعية أكثر:
_ أنا آسف لم أقصد مضايقتك أبدا ولكن عليكِ تقبل صراحتي بما إننا سنتقابل كثيرا من الآن فصاعدا..
إبتسمت بتكلف وقالت:
_ لا عليك.
ابتسم هو بصدق وقال:
_ لقد أخرتكِ .. عن إذنك.
_ تفضل.
إستدار ليكمل طريقه قبل أن تستوقفه هاتفةً:
_ قاسم، هل حلقت لحيتك؟
إستدار إليها باسمًا وقال:
_ أجل، من باب التغيير.
هزت رأسها بصمت فسألها بترقب:
_ ألا أبدو أكثر وسامة الآن؟
_ لا، إطلاقا.
أفحمتهُ بجوابها الهادئ وابتسامتها المتزنة فما كان منه إلا أن مرر أصابعه بخصلات شعره مخفيًا حرجهُ وقال مبتسما:
_ شكرا.
تألقت ابتسامتها أكثر وقد أدركت أنها أصابت هدفها ورددت:
_ على الرحب.
/////////////
بعد مرور أسبوع..كانت عنبر تجلس برفقة والدتها التي تتحدث إليها وهي تقول بضيق وانفعال:_ صراحةً لا أصدق استهتارك! هل ستخرجين وتذهبين لصالون التجميل وزوجك مسجون؟ بربك هل أنتِ جادة؟تأففت الأخرى بملل وهي تقول:_ وكأنني سأذهب للرقص بملهى ليلي ؟ بربك أنتِ أمي لا تبالغي، بالكاد أتحمل ما أمر به._ هذا ما ينقص أساسًا، أن تذهبي لصالون التجميل وبعدها مباشرةً إلى الملهى الليلي وكأنكِ إمرأة منحرفة.نظرت إليها عنبر بصدمة وقالت:_ من فضلك أمي، غضبي يبلغ حده فلا تطيلي._ حسنا يا عنبر هانم، لن أطيل، اذهبي وتسكعي كيفما شئتِ، ولكن لا تنسي أن زوجك سيعرف، عبدالله له عيون بكل مكان وسيخبرونه أنكِ خرجتِ دون علمه. وأنتِ أدرى بزوجك مني.طالعت أمها بضيق وهي تقول:_ وإذا؟ وإذا عرف أني خرجت ماذا سيفعل؟ _ تتحدثين ببرود وكأنه لن يخرج أبدا، يا ترى ماذا سيحدث بعد أسبوع!_ إن شاء الله لن يخرج، بإذن الله سيتعفن ويموت بالسجن وأكون قد نجوت بما تبقى من شبابي.فزعت أمها لما تسمعه ونهضت وهي تكمم فمها بيدها وتقول:_ اخرسي، قد يسمعك ابنك ويخبر والده. هل جننتِ؟ لقد طاح عقلك على ما يبدو.شردت عنبر وهي تقول:_ منذ زمن أمي، طاح
بعد خروجهما من السحن ركبت بجواره السيارة وانطلقا بصمت لم يقطعه أيًا منهما.فهي كانت تشعر بتعب وإعياء شديد بعد مقابلتها مع والدها، وكأنها خرجت للتو من سباق بذلت فيه مجهود مضني، أغمضت عينيها وأراحت رأسها على ظهر المقعد من خلفها وهي تتذكر كل ما حدث منذ قليل.كان قاسم ينظر إليها من فينةً لأخرى بأسف على الرغم من أنه كان يشعر براحة وسعادة كبيرة تملؤه لأنه أحرز هدفًا ظنه مستحيلا وهو أن يقنعها بزيارة والده مما أشعرهُ بالتفاؤل والرضا وجعله يشعر أن فعلا ليس هناك مستحيل.بعد قليل.. توقف بسيارته أمام البيت وقال:_ ها قد وصلنا آنسة سارة، إذا أردتِ الذهاب لأي مكان يمكنكِ الاتصال بي.أومأت بموافقة وقالت بهدوء:_ شكرا لك على كل شيء.اتسعت ابتسامته مردفًا:_ هذا واجبي، ولا شكر على واجب.ترجلت سارة ودخلت إلى البيت ومنه إلى غرفتها على الفور، فقامت فتون بالاتصال بقاسم وسألته عما حدث فطلب منها أن تترك سارة تستجمع شتاتها ولا تضغط عليها أبدا وطمأنها أن سارة ستسجيب ولكن مع مرور الوقت.عاد قاسم إلى البيت بعد يوم طويل، مضني مليئ بالأحداث، دخل وأثناء صعوده السلم انفرج باب شقة عنبر فجأة واستوقفته وهي تقول:_ قاس
_ عبدالله، تم القبض على عبدالله!_ماذا؟ كيف حدث ذلك؟_ لا أعرف، يقولون أنهم عثروا على مخدرات في المحل! _ مخدرات!!! يا إلهي! سأتصل بأبي حالا.قامت حياة بالاتصال بوالدها الذي أخبرها أنه قد وصل إليه الخبر وهو في طريقه الآن لمركز الشرطة، وبعدها اتصلت بعزيز وهو أيضا كان قد بلغهُ الخبر ويستعد للذهاب للمركز وبرفقته حنان._ الجميع يعرفون وهم الآن في طريقهم إليه، هيا استعدي سريعًا لنذهب.أومأت عنبر ونزلت درجتين ولكن حياة استوقفتها وهي تقول:_ ألن نخبر قاسم؟تجمدت بمكانها للحظات ثم قالت:_ لا داعي.ونزلت لشقتها كي تستعد بينما ظلت حياة تفكر مع نفسها بتردد إلى أن حسمت أمرها وقامت بالاتصال بقاسم الذي أجابها على وجه السرعة وقال:_ نعم حياة._ قاسم أين أنت؟ لقد قبضوا على عبدالله._ أعلم، عمي صالح أخبرني وأنا الآن في طريقي إلى المخفر._ حسنا. مع السلامة.//////////كان عبدالله يقف بمكتب الضابط يجز أسنانه بغيظ وهو يهمس بغل وشر:_ أقسم لن أدعك تنجو بما فعلت يا قاسم.في تلك اللحظة انفرج الباب ودخل رجل ذو هيبة ووقار وتحدث قائلا:_ مساء الخير حضرة الضابط، أنا المحامِ ظافر نور الدين حاضر مع المتهم.طالعه
كان قاسم متجهًا للمكتب في تلك الأثناء وهم بطرق الباب ولكنه توقف عندما استمع إلى بكاء حياة وهي تخبر شقيقته بسبب الخلاف بينها وبين خالد، وعندما استمع لجملتها الأخيرة أصيب بالدهشة والضيق في آن واحد.عاد أدراجه حيث يتواجد الجميع ولكنه لم يستطع أن يحيد ببصره عن ذلك البغيض وتمتم بضيق:_ عديم الشرف!في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتفه فأجاب على الفور وقال باسمًا:_ هل وصلتِ؟ حسنا أنا في انتظاركِ.كانت حياة قد خرجت من غرفة مكتبه بعد أن هدأت حنان من روعها ووعدتها أنها ستذهب لقضاء يوم كامل معها، استمعت حياة لقاسم وتعجبت، من تلك التي ينتظرها؟ثوان قليلة وظهرت فتاة شقراء جميلة، ترتدي فستانا أبيضا يصل لركبتيها وشعرها المموج الطويل يهيم حول وجهها بحرية.في تلك الأثناء كان كلا منهم يحمل كأسا به مشروبا ترحيبيا ومن ضمنهم خالد الذي بمجرد أن رأى سارة وقد ظهرت في الأفق حتى تشردق وأخذ يسعل بشدة.ذلك التصرف لم يغفل عنه قاسم، الذي استقبل سارة بحفاوة كبير وقال:_ أنرتِ آنسة سارة.ثم قدمها للجميع قائلا:_ أقدم لكم آنسة سارة، ابنة صديق لي، وهذا الرجل صاحب أفضال كثيرة علي، وما لا يعرفه أحد سوى عمي ، أن ذلك الرجل هو
شارف الليل على الانتصاف وقاسم لا يزال منتظرا اتصالًا من سارة حتى يذهب إليها .. وفي خلال تلك الساعات الماضية لم تتوقف أو تنقطع اتصالات فتون القلقة.بعد دقائق، اتصلت به سارة وأخبرته أنها تنتظره أمام بيت رفيقتها التي أوصلها أمامه فذهب إليها على الفور.بعد حوالي ربع ساعة كان قد وصل حيث تنتظره فركبت في المقعد الخلفي بصمت وأخذت تتصفح بهاتفها بينما كان هو ينظر إليها من فينةً لأخرى بالمرآة الأمامية.ارتفع رنين هاتفه فأجاب مرحبا وقال:_ أهلا سيد أكثم.استرعى الاسم انتباهها فأرهفت السمع إليه وهي لا تزال مشغولة بهاتفها ولكنها نظرت إليه باهتمام عندما سمعته يقول:_ حقا؟ هل يمكنني زيارته بعد غد؟ حسنا أشكرك سيد أكثم أنا ممتنٌ لك للغاية، مع السلامة.أنهى الاتصال ونظر إليها بالمرآة مبتسمًا وهو يقول:_ هذا كان سيد أكثم مدير أعمال والدك، أخبرني أنه استطاع الحصول على إذن بالزيارة لوالدك بعد غد.عادت تنظر بهاتفها بصمت فقال:_ يمكنكِ الذهاب معي إذا أردتِ، سيفرح والدك جدا، فلقد أخبرني أنه يشتاقكِ كثيرا.اهتز بدنها وانتفض قلبها وقالت بشرود:_ هل أخبرك ذلك حقا؟أومأ بتأكيد وقال:_ نعم، وأخبرني أيضا أنه لم يرَ
استقل قاسم مقعده خلف مقود السيارة وجلست حياة بالمقعد المجاور له وهي تتأمل السيارة بانبهار وتقول:_يا إلهي، لقد راقني لونها وفخامتها جدا قاسم، كل تفصيلة بها مميزة جدا، هل هي غالية؟ أكيد طبعا.. ثمنها لا يقل عن نصف مليون جنيها على الأقل .أومأ موافقا وقال:_ صحيح، أحسنتِ يا كهرمانة.ظلت تنظر إليه بتردد وقالت:_ ومن أين اشتريتها؟ ابتسم لأنه كان ينتظر سؤالها فقد بات يعرفها جيدا ويعرف فضولها تجاهه تحديدا فقال:_ ليس من سوق المواشي بالتأكيد ضحكت وقالت:_ هيا يا غليظ، أنت تعرف قصدي، أقصد من أين حصلت على ثمنها، واليوم أيضا سمعتك تخبر والدي أنك ستفتتح مشروعا.ثم غمزتهُ بغمزة ذات مغزى وقالت:_ من أين لك هذا ؟ضحك قائلا:_ هذا من فضل ربي.تنهدت بيأس وقالت:_ قاسم أرجوك لا تجعلني أشعر وكأني فضولية ومتطفلة._ أوَلستِ كذلك؟ضربت ذراعه بقبضتها وقالت:_ بلى، وعلى كلٍ لا أريد التطفل على حياتك أكثر. كما تشاء.ابتسم قائلا:_ ألديكِ من يكتم السر؟أومأت بموافقة شديدة وهمست:_ في بئر._ المال ليس لي، هو دَيْنٌ علي. أدانني إياه صديق عزيز تعرفت عليه بالسجن. وسأقوم بسداده حالما تتيسر أموري وتزدهر تجارتي.سأل







