登入استقل قاسم مقعده خلف مقود السيارة وجلست حياة بالمقعد المجاور له وهي تتأمل السيارة بانبهار وتقول:
_يا إلهي، لقد راقني لونها وفخامتها جدا قاسم، كل تفصيلة بها مميزة جدا، هل هي غالية؟ أكيد طبعا.. ثمنها لا يقل عن نصف مليون جنيها على الأقل .
أومأ موافقا وقال:
_ صحيح، أحسنتِ يا كهرمانة.
ظلت تنظر إليه بتردد وقالت:
_ ومن أين اشتريتها؟
ابتسم لأنه كان ينتظر سؤالها فقد بات يعرفها جيدا ويعرف فضولها تجاهه تحديدا فقال:
_ ليس من سوق المواشي بالتأكيد
ضحكت وقالت:
_ هيا يا غليظ، أنت تعرف قصدي، أقصد من أين حصلت على ثمنها، واليوم أيضا سمعتك تخبر والدي أنك ستفتتح مشروعا.
ثم غمزتهُ بغمزة ذات مغزى وقالت:
_ من أين لك هذا ؟
ضحك قائلا:
_ هذا من فضل ربي.
تنهدت بيأس وقالت:
_ قاسم أرجوك لا تجعلني أشعر وكأني فضولية ومتطفلة.
_ أوَلستِ كذلك؟
ضربت ذراعه بقبضتها وقالت:
_ بلى، وعلى كلٍ لا أريد التطفل على حياتك أكثر. كما تشاء.
ابتسم قائلا:
_ ألديكِ من يكتم السر؟
أومأت بموافقة شديدة وهمست:
_ في بئر.
_ المال ليس لي، هو دَيْنٌ علي. أدانني إياه صديق عزيز تعرفت عليه بالسجن. وسأقوم بسداده حالما تتيسر أموري وتزدهر تجارتي.
سألته بفضول لا ينتهي:
_ وهل هذا الرجل ثري بهذا القدر؟
أومأ باقتضاب فسألته مجددا:
_وفيم دخل السجن؟
أجاب ببساطة:
_قضية قتل.
جحظت عيناها بصدمة وشهقت بفزع وهي تقول:
_ يا إلهي، قاتل؟!! قاسم هل تصادق مجرمين؟!
ابتسم بسخرية وقال بسخرية أكبر:
_ يا عزيزتي كلنا مجرمين.
تعجبت سخريته من الأمر وكيف أنه يتحدث عنه بتلك البساطة فقالت باستهجان:
_ أراك تسخر من الأمر وكأنه شيئا عاديا، إنه قاتل! لا أرى الأمر مضحكا أو عاديا أبدا.
تنهد وهو ينظر من النافذة المجاورة له ويقول:
_ فعلا الأمر ليس مضحكا، ولكن أتعلمين يا صغيرة؟ ليس كل قاتل مجرم! الظروف التي تحول الإنسان من إنسان مسالم إلى قاتل هي المجرم الحقيقي.
قطبت جبينها وقد تشوشت أفكارها قليلا وقالت:
_ في الحقيقة لا أفهم ما تقصده بالمعنى الحرفي ولكن..
وحكت جبهتها بتفكير و أضافت:
_ ولكني تفاجئت أنك من الممكن أن تدافع عن قاتل! هل دخولك السجن واختلاطك بالسجناء غيرك لتلك الدرجة؟
تبسم قائلا بأسف:
_ نعم، غيرني كثيرا، هل تعرفين يا حياة.. السجن ليس سيئا كما تظنين، خارج السجن أشد سوءا.. خارج السجن هو السجن الحقيقي، السجناء هما الأكثر وضوحا بين البشر، هناك يكون القاتل معروفًا والسارق معروفًا والمغتصب معروفًا والمرتشي معروفًا، الجميع هناك واضحين والكل يعترف بذنبه، بينما خارج السجن الأمر مختلفا، الكل كاذبين يرتدون الأقنعة.
كانت تستمع إليه بتركيز واهتمام، وعندما استمعت لتنهيدته شعرت بمقدار الألم الكامن بصدره وأحست بالذنب لأنها كانت السبب في نبش ذلك الجرح من جديد وقالت محاولةً تغيير مسار الحديث:
على كل حال، علينا أن نشكر ذلك الصديق القاتل وليس بمجرم لأنه كان السبب في شراء سيارة فخمة جدا كهذه.
ضحك وقال مشاكسًا:
_ إن اصطدمت تلك السيارة الفخمة بالجدار أو بأحد أعمدة الإنارة سأدق رأسك في عنقك وأقتلع عينيكِ الصافيتين هاتين يا كهرمانة.
ضحكت وهي ترمقه بغيظ وتقول:
_تقصد أنني سأحسدك؟ لا تخف، عيناي كهرمانيتين مسحوبتين وليستا مستديرتين يا غليظ.
ضحك وقال:
_ أعلم ذلك، ولكني فقط أحب مشاكستك، أخبريني ما حال دراستك؟
_ كل شيء على ما يرام. تنتابني نوبات من فقدان الشغف ولكنها تنتهي سريعا على كل حال.
أومأ وقال:
_ وما هو طموحك بعد التخرج؟
ابتسمت بحماس وقالت:
أولا أن أن يكون لدي المرسم الخاص بي وأشارك بلوحاتي في المعارض الدولية.
هز رأسه بإعجاب وقال:
_ ممتاز، وأنتِ أهل لذلك.
وأضافت وهي تغمض عينيها بحالمية وتقول:
_ وأتمنى أن يهبني الله سيارة مثل تلك في يوم من الأيام.
ضحك قاسم قائلا:
_ إن شاء الله، وأعدك حينها أنني من سأقوم بتعليمك القيادة.
ابتسمت بسعادة وأخذت تتأمله وهو يجلس خلف المقود بكل فخامة فقالت:
_ يا إلهي، من يراك يظنك وُلدت سائقا.
ضحك وقال:
_ لم تخطئي، لقد تعلمتُ قيادة السيارات وأنا في سن العاشرة.
نظرت إليه بصدمة فقال:
_ نعم، كان والدي رحمه الله يملك سيارة أجرة وكان يدربني على قيادتها في وقت فراغه، هو كان يعرف ولعي بالسيارات حينها وكم أني أرغب في امتلاك سيارة قبل كل شيء.
ابتسم بحنين وهو يقول:
_ فوعدني أنني عندما أبلغ السن القانوني وأستخرج رخصة القيادة سيساعدني في شراء سيارة خاصة بي، ولكن بعدها بسنتين تقريبا بدأت صحته تتدهور واكتشفنا أنه قد أصيب بسرطان الرئة، وبعد رحلة علاج استمرت حوالي سنة ونصف توفي في النهاية.
تحدثت حياة فقالت بحزن:
_ والدي أخبرني أن عمي عبدالعزيز رحمه الله كان طيب القلب وكان مخلصا للجميع.
أومأ موافقا وقال:
_ صحيح، كان طيبا جدا، وكان راضيا بمرضه، متأقمًا معه وكأنه نزلة برد وليس مرض بهذة البشاعة والخطورة والخبث، أتذكر أنه قال لي ذات مرة كلنا سنموت وهنيئا لي بموتة تشفع لي.
ابتسم متأثرا ثم قال:
_ بعد أن توفي قررت العزوف عن الدراسة، رأيت أنه من الأولى أن أرعى والدتي وأختي، وقام عمي ناجي رحمه الله بالاتفاق مع والدك أن يعمل هو سائقا بالسيارة الخاصة بوالدي ويقتسم الإيراد بينه وبيننا. وهذا ما حدث فعلا، واستمر الحال على ما هو عليه خمس سنوات كاملة وبعدها تعب فجأة ولزم الفراش ومات.
تمتمت الأخرى بحزن وقالت:
_رحمهما الله.
أومأ قاسم واستطرد:
_ بعد موت عمي ناجي بأشهر أكملت عامي الثامن عشر، حينها كان عزيز يعمل برفقة عبدالله بائعا في أحد المحلات، اقترحت عليه أن نستخرج كلانا رخصة قيادة وأن نعمل بالتناوب كسائقين أيضا على نفس السيارة..
نظرت إليه حياة بإدراك وقالت:
_ هل تلك السيارة التي تحطمت في الحادث الذي تعرض له عزيز هي نفسها سيارة والدك رحمه الله؟
أومأ بتأكيد وقال بابتسامة سخرية:
_ حتى السيارة لم يُكتب لها النجاة!
نظرت أمامها بحزن، ثم طالعته بتترقب وقالت:
_ ألم يَحِن الوقت المناسب؟
توقف بالسيارة أمام مركز البصريات قائلا بابتسامة:
_ ليس بعد.
ترجلت بصمت من السيارة، بينما هو يتتبع أثرها بعينين غائمتين ويقول:
_ يا إلهي، تلك القصيرة تجعلني أتحدث أكثر مما ينبغي.
وانطلق بعدها متجها للمحل الذي استأجره ليكون معرضا للدراجات النارية، وقام بالاتصال بالموزع الذي أخبره أن البضاعة في طريقها إليه.
///////////////
كانت سارة تقف بغرفتها وهي تضع يدا على خصرها والأخرى تضغط بها جانبي عقلها وهي تحاول تذكر شيئا ما:
_ أنا متأكدة أنها كانت داخل جيب ذلك السروال، إذًا أين ذهبت؟
رن هاتفها فأجابت باهتمام:
_ كيف حالك حبيبي، أنا بخير وأنت؟ حسنا، سأراك هناك، لا تقلق، سآتي بالتأكيد.
طرقت فتون الباب ودخلت فطالعتها سارة بضيق وتحدثت بإيجاز ثم أنهت المكالمة ونظرت إلى أمها بحدة وقالت:
_ ذلك الباب صُنع ليطرق أولا.
أجابت فتون وهي تحاول التحلي بالهدوء:
_ لقد طرقتهُ بالفعل ولكنك لم تسمعِ، هل لديكِ موعد؟
_ نعم.
_ إلي أين؟
_سنجتمع ببيت چاسي رفيقتي.
_من؟ أقصد من سيكون معكِ من رفقتك؟
نظرت إليها سارة باستغراب وقالت:
_ ولماذا تسألين الآن؟ هل تريدين تقريرا مفصلا عما سأفعله أنا وأصدقائي أيضا؟
ثارت فتون ونظرت إليها بعصبية وهي تقول:
_ ولمَ لا؟ أنتِ ابنتي ومن حقي الاطمئنان عليكِ.
ابتسمت الأخرى وتوسعت ابتسامتها حتى تحولت لقهقهات عالية وقالت:
_ الجميع يعرف حقوقه ولا يعترف بواجباته.
قطبت جبينها باستفهام وارتفع حاجبها المنمق وسألت:
_ ماذا تقصدين؟
جلست ساره على طرف الأريكة الموجودة بزاوية غرفتها وهي تنتعل حذائها الرياضي أجابت:
_ما أقصده يا أمي العزيزة أنكِ تقولين أن من حقك الاطمئنان علي، حسنا هذا حقك، ولكن أين حقي أنا في أن أطمئن أن لدي أمًا حقيقية، أمًا تهتم لأمري صدقًا وأنا أول اهتماماتها وأكثر ما يشغل بالها؟ أين حقي في أم مخلصة وفية أفتخر بها أمام الجميع لا أخجل من كونها أمي؟
رمقتها فتون بقهر لاح في عينيها بوضوح وقالت بنبرة باكية:
_ تخجلين من كوني أمك؟
أشاحت سارة بوجهها جانبا وقالت بأسف:
_ لم تتركا لي حلًا آخرًا.
والتقطت حقيبتها وغادرت أمام نظرات أمها المقهورة التي قامت بالاتصال بقاسم وأخبرتهُ بما حدث.
///////////
بعد أن انتهى قاسم من استلام البضاعة وترتيب أمور الاحتفال تلقى اتصالاً من فتون تخبره بما حدث بينها وبين ابنتها وطلبت منه أن يتقفى أثرها.
_ أرجوك قاسم أشعر أنها تكذب بشأن رفيقتها تلك.
_ ألم تتعرفي إلى صديقتها تلك مسبقا؟
_ تعرفت إليها، لقد أتت إلى هنا سابقا ولكني أشك أنها ستذهب إليها، عندما دخلت عليها الغرفة كانت تتحدث مع شاب وتخبره أنها ستأتي بالتأكيد.
_ حسنا، لا تقلقي، سأتحدث مع السائق وأرى ما يمكنني فعله، مع السلامة.
أنهى الاتصال معها وطلب رقم السائق وقال:
_ مرحبا حسين، أنا قاسم الذي أخبرتك سيدة فتون بشأني، بدايةً لا تخبر آنسة سارة أنك تتحدث إلي.
_ بخير سيدي والحمدلله.
_ عليك أن تتصنع أن عطلا ما قد أصاب السيارة وتوقف ثم أرسل لي الموقع فورا وانتظر حتى أصلك ووقتها سأعرض عليك المساعدة وأنت ستطلب أن أقوم بتوصيل آنسة سارة.
_ فليكن خيرا إن شاء الله ، مع السلامه سيدي.
أنهى حسين الاتصال وفعل كما أخبره قاسم تماما، وفي تلك الأثناء كان قاسم قد انطلق بسيارته فور أن وصله الموقع الذي أرسله حسين.
توقف حسين بالسيارة فجأة وهو يقول بقلق مصطنع:
_ لقد توقف المحرك فجأة.
وترجل من السيارة وقام بفتح غطاء المحرك وأخذ يعبث به إلى أن ظهر قاسم الذي نزل من سيارته متجها نحوه وهو يقول بصوت عال:
_ مرحبا حسين، ماذا حدث؟
_ لقد تعطل المحرك فجأة، ولا أستطيع تحديد ما إذا كانت المشكلة بالفلتر أم البطارية، بعد إذنك هل يمكنك اصطحاب الآنسة سارة وإيصالها بينما أقوم بحل المشكلة؟
أومأ قاسم مؤكدا وقال:
_ نعم بالطبع، تفضلي آنستي.
ترجلت سارة من السيارة بضيق وهي ترمق قاسم بشك ثم أخبرته بعنوان بيت صديقتها فانطلق من فوره.
كان يختلس النظر إليها بالمرآة الأمامية ولكنها لم تلحظه فقد كانت تمعن النظر بهاتفها إلى أن توقف قاسم بالسيارة قائلا:
_ لقد وصلنا آنسة سارة.
أومأت بصمت والتقطت حقيبتها فباغتها قائلا:
_ يمكنك الاتصال بي عند العودة لأنه من الممكن أن لا يستطيع حسين حل مشكلة السيارة اليوم.
ثم مد يده لها بالهاتف فقامت بالاتصال برقمها من هاتفه وأعطته الهاتف وغادرت بصمت.
انطلق بالسيارة على الفور ولكنه لم يبتعد؛ فقام بالاختباء خلف مبنى بحيث لا تراه فوجدها لم تدخل البيت، بل خرجت مجددا للشارع الرئيسي وأوقفت سيارة أجرة ثم ركبتها.
لقد صدق توقع قاسم فقد فَطِن لما ستفعله تلك الشقراء لذلك لم يبتعد، وبعد أن تحركت بها السيارة تتبعها فورا.
بعد حوالي نصف ساعة، توقفت سيارة الأجرة أمام بيت فخم لا يقل فخامة عن بيتها، ونزلت منها سارة ثم أعطتهُ أجرته وانصرف.
حينها ترجل قاسم من السيارة وذهب لحارس البيت فكان رجلا خمسينيا أسمرًا ، يرتدي جلبابًا ويجلس بيده كوبا من الشاي يحتسيه؛ فصافحه بود وقال:
_ مرحبا، كيف حالك أخي.
_ الحمد لله.
_ هل الأستاذ عطية أبو النجا موجود بالداخل؟
_ من عطية أبو النجا؟
_صاحب الفيلا.. هل عاد من السفر؟
_ هذا البيت ملك للمهندس كامل العزازي.
تصنع قاسم الدهشة وقال:
_ مستحيل، أنا واثق أن ذلك هو بيت الأستاذ عطية وابنه الدكتور جمال، لقد أجرى لي جراحة سابقا وجئت لأشكره.
تحدث الحارس بنفاذ صبر وقال:
_ يا سيدي هذا البيت ملك للمهندس كامل العزازي وليس لديه سوى ولد وحيد يدعى سيف..
أخرج قاسم علبة سجائره وأعطى منها سيجارة للحارس وأشعل أخرى وهو يقول:
_ كيف لديه ولد وحيد؟ ومن تلك الفتاة التي رأيتها تدخل البيت للتو ؟
_ هذه الآنسة سارة صديقة سيف.
مط شفتيه باستهجان وقال:
_ أنت تعرفها، يبدو أنها تأتي إلى هنا دائما!
_ نعم، رأيتها هنا مرات عديدة.
أخرج قاسم ورقة من فئة المائتين ودسها بجيب جلبابه وهو يقول:
_ هل تأتي هنا بمفردها؟ أعني ألا يأتي بقية أصدقائهم؟
نظر الرجل للورقة المدسوسة بجيبه والتمعت عيناه بحماس وقال:
_ لا، لا تأتي بمفردها، يجتمعان سويا مرة كل شهر، وبالتحديد في اليوم الذي يسافر المهندس وزوجته لزيارة أهلهم خارج المدينة.
أومأ قاسم متريثًا وهو يقول:
_ هل تعرف طبيعة تجمعاتهما؟ أقصد ماذا يفعلان ؟ فيما يقضيان وقتهما؟ من يتواجد هنا غير آنسة سارة؟
نظر إليه الآخر بشك وقال:
_ هل أنت من رجال المباحث؟
أومأ قاسم نافيا فقال الرجل بضيق:
_ إذًا لماذا كل تلك الاستجوابات؟
أخرج قاسم من جيبه ورقة أخرى ودسها بنفس الجيب وقال:
_ دردشة ليس أكثر.
_ عادةً يأتي إلى هنا شابين وثلاثة فتيات من ضمنهم سارة، يرقصون ويمرحون وفي بعض الأحيان يأمرني سيد سيف بأن أشتري لهم بعض المشروبات.
ضيق قاسم عينيه وقال:
_ أي مشروبات؟
ضحك الآخر فبرزت أسنانه الصفراء بصورة مقززة وهو يقول:
_ الروحية يا روحي.
تنهد قاسم بتعب وقد ازداد العبء ثقلا وقال:
_ أشكرك يا سيد؟
_ حَمَد.
_ أشكرك يا سيد حَمَد ، تفضل هذه من أجلك، وأ
رجوك فلتخبرني على الفور إذا أتت الآنسة سارة إلى هنا مرةً أخرى.
نظر الرجل إلى المائتين جنيه بيده وفرح بها كثيرا وقال:
_ تحت أمرك.
غادر قاسم بعدها متجهًا إلى سيارته وأخذها وانصرف منتظرا اتصالًا من سارة حتى يذهب إليها عند بيت صديقتها المزعومة.
بعد مرور أسبوع..كانت عنبر تجلس برفقة والدتها التي تتحدث إليها وهي تقول بضيق وانفعال:_ صراحةً لا أصدق استهتارك! هل ستخرجين وتذهبين لصالون التجميل وزوجك مسجون؟ بربك هل أنتِ جادة؟تأففت الأخرى بملل وهي تقول:_ وكأنني سأذهب للرقص بملهى ليلي ؟ بربك أنتِ أمي لا تبالغي، بالكاد أتحمل ما أمر به._ هذا ما ينقص أساسًا، أن تذهبي لصالون التجميل وبعدها مباشرةً إلى الملهى الليلي وكأنكِ إمرأة منحرفة.نظرت إليها عنبر بصدمة وقالت:_ من فضلك أمي، غضبي يبلغ حده فلا تطيلي._ حسنا يا عنبر هانم، لن أطيل، اذهبي وتسكعي كيفما شئتِ، ولكن لا تنسي أن زوجك سيعرف، عبدالله له عيون بكل مكان وسيخبرونه أنكِ خرجتِ دون علمه. وأنتِ أدرى بزوجك مني.طالعت أمها بضيق وهي تقول:_ وإذا؟ وإذا عرف أني خرجت ماذا سيفعل؟ _ تتحدثين ببرود وكأنه لن يخرج أبدا، يا ترى ماذا سيحدث بعد أسبوع!_ إن شاء الله لن يخرج، بإذن الله سيتعفن ويموت بالسجن وأكون قد نجوت بما تبقى من شبابي.فزعت أمها لما تسمعه ونهضت وهي تكمم فمها بيدها وتقول:_ اخرسي، قد يسمعك ابنك ويخبر والده. هل جننتِ؟ لقد طاح عقلك على ما يبدو.شردت عنبر وهي تقول:_ منذ زمن أمي، طاح
بعد خروجهما من السحن ركبت بجواره السيارة وانطلقا بصمت لم يقطعه أيًا منهما.فهي كانت تشعر بتعب وإعياء شديد بعد مقابلتها مع والدها، وكأنها خرجت للتو من سباق بذلت فيه مجهود مضني، أغمضت عينيها وأراحت رأسها على ظهر المقعد من خلفها وهي تتذكر كل ما حدث منذ قليل.كان قاسم ينظر إليها من فينةً لأخرى بأسف على الرغم من أنه كان يشعر براحة وسعادة كبيرة تملؤه لأنه أحرز هدفًا ظنه مستحيلا وهو أن يقنعها بزيارة والده مما أشعرهُ بالتفاؤل والرضا وجعله يشعر أن فعلا ليس هناك مستحيل.بعد قليل.. توقف بسيارته أمام البيت وقال:_ ها قد وصلنا آنسة سارة، إذا أردتِ الذهاب لأي مكان يمكنكِ الاتصال بي.أومأت بموافقة وقالت بهدوء:_ شكرا لك على كل شيء.اتسعت ابتسامته مردفًا:_ هذا واجبي، ولا شكر على واجب.ترجلت سارة ودخلت إلى البيت ومنه إلى غرفتها على الفور، فقامت فتون بالاتصال بقاسم وسألته عما حدث فطلب منها أن تترك سارة تستجمع شتاتها ولا تضغط عليها أبدا وطمأنها أن سارة ستسجيب ولكن مع مرور الوقت.عاد قاسم إلى البيت بعد يوم طويل، مضني مليئ بالأحداث، دخل وأثناء صعوده السلم انفرج باب شقة عنبر فجأة واستوقفته وهي تقول:_ قاس
_ عبدالله، تم القبض على عبدالله!_ماذا؟ كيف حدث ذلك؟_ لا أعرف، يقولون أنهم عثروا على مخدرات في المحل! _ مخدرات!!! يا إلهي! سأتصل بأبي حالا.قامت حياة بالاتصال بوالدها الذي أخبرها أنه قد وصل إليه الخبر وهو في طريقه الآن لمركز الشرطة، وبعدها اتصلت بعزيز وهو أيضا كان قد بلغهُ الخبر ويستعد للذهاب للمركز وبرفقته حنان._ الجميع يعرفون وهم الآن في طريقهم إليه، هيا استعدي سريعًا لنذهب.أومأت عنبر ونزلت درجتين ولكن حياة استوقفتها وهي تقول:_ ألن نخبر قاسم؟تجمدت بمكانها للحظات ثم قالت:_ لا داعي.ونزلت لشقتها كي تستعد بينما ظلت حياة تفكر مع نفسها بتردد إلى أن حسمت أمرها وقامت بالاتصال بقاسم الذي أجابها على وجه السرعة وقال:_ نعم حياة._ قاسم أين أنت؟ لقد قبضوا على عبدالله._ أعلم، عمي صالح أخبرني وأنا الآن في طريقي إلى المخفر._ حسنا. مع السلامة.//////////كان عبدالله يقف بمكتب الضابط يجز أسنانه بغيظ وهو يهمس بغل وشر:_ أقسم لن أدعك تنجو بما فعلت يا قاسم.في تلك اللحظة انفرج الباب ودخل رجل ذو هيبة ووقار وتحدث قائلا:_ مساء الخير حضرة الضابط، أنا المحامِ ظافر نور الدين حاضر مع المتهم.طالعه
كان قاسم متجهًا للمكتب في تلك الأثناء وهم بطرق الباب ولكنه توقف عندما استمع إلى بكاء حياة وهي تخبر شقيقته بسبب الخلاف بينها وبين خالد، وعندما استمع لجملتها الأخيرة أصيب بالدهشة والضيق في آن واحد.عاد أدراجه حيث يتواجد الجميع ولكنه لم يستطع أن يحيد ببصره عن ذلك البغيض وتمتم بضيق:_ عديم الشرف!في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتفه فأجاب على الفور وقال باسمًا:_ هل وصلتِ؟ حسنا أنا في انتظاركِ.كانت حياة قد خرجت من غرفة مكتبه بعد أن هدأت حنان من روعها ووعدتها أنها ستذهب لقضاء يوم كامل معها، استمعت حياة لقاسم وتعجبت، من تلك التي ينتظرها؟ثوان قليلة وظهرت فتاة شقراء جميلة، ترتدي فستانا أبيضا يصل لركبتيها وشعرها المموج الطويل يهيم حول وجهها بحرية.في تلك الأثناء كان كلا منهم يحمل كأسا به مشروبا ترحيبيا ومن ضمنهم خالد الذي بمجرد أن رأى سارة وقد ظهرت في الأفق حتى تشردق وأخذ يسعل بشدة.ذلك التصرف لم يغفل عنه قاسم، الذي استقبل سارة بحفاوة كبير وقال:_ أنرتِ آنسة سارة.ثم قدمها للجميع قائلا:_ أقدم لكم آنسة سارة، ابنة صديق لي، وهذا الرجل صاحب أفضال كثيرة علي، وما لا يعرفه أحد سوى عمي ، أن ذلك الرجل هو
شارف الليل على الانتصاف وقاسم لا يزال منتظرا اتصالًا من سارة حتى يذهب إليها .. وفي خلال تلك الساعات الماضية لم تتوقف أو تنقطع اتصالات فتون القلقة.بعد دقائق، اتصلت به سارة وأخبرته أنها تنتظره أمام بيت رفيقتها التي أوصلها أمامه فذهب إليها على الفور.بعد حوالي ربع ساعة كان قد وصل حيث تنتظره فركبت في المقعد الخلفي بصمت وأخذت تتصفح بهاتفها بينما كان هو ينظر إليها من فينةً لأخرى بالمرآة الأمامية.ارتفع رنين هاتفه فأجاب مرحبا وقال:_ أهلا سيد أكثم.استرعى الاسم انتباهها فأرهفت السمع إليه وهي لا تزال مشغولة بهاتفها ولكنها نظرت إليه باهتمام عندما سمعته يقول:_ حقا؟ هل يمكنني زيارته بعد غد؟ حسنا أشكرك سيد أكثم أنا ممتنٌ لك للغاية، مع السلامة.أنهى الاتصال ونظر إليها بالمرآة مبتسمًا وهو يقول:_ هذا كان سيد أكثم مدير أعمال والدك، أخبرني أنه استطاع الحصول على إذن بالزيارة لوالدك بعد غد.عادت تنظر بهاتفها بصمت فقال:_ يمكنكِ الذهاب معي إذا أردتِ، سيفرح والدك جدا، فلقد أخبرني أنه يشتاقكِ كثيرا.اهتز بدنها وانتفض قلبها وقالت بشرود:_ هل أخبرك ذلك حقا؟أومأ بتأكيد وقال:_ نعم، وأخبرني أيضا أنه لم يرَ
استقل قاسم مقعده خلف مقود السيارة وجلست حياة بالمقعد المجاور له وهي تتأمل السيارة بانبهار وتقول:_يا إلهي، لقد راقني لونها وفخامتها جدا قاسم، كل تفصيلة بها مميزة جدا، هل هي غالية؟ أكيد طبعا.. ثمنها لا يقل عن نصف مليون جنيها على الأقل .أومأ موافقا وقال:_ صحيح، أحسنتِ يا كهرمانة.ظلت تنظر إليه بتردد وقالت:_ ومن أين اشتريتها؟ ابتسم لأنه كان ينتظر سؤالها فقد بات يعرفها جيدا ويعرف فضولها تجاهه تحديدا فقال:_ ليس من سوق المواشي بالتأكيد ضحكت وقالت:_ هيا يا غليظ، أنت تعرف قصدي، أقصد من أين حصلت على ثمنها، واليوم أيضا سمعتك تخبر والدي أنك ستفتتح مشروعا.ثم غمزتهُ بغمزة ذات مغزى وقالت:_ من أين لك هذا ؟ضحك قائلا:_ هذا من فضل ربي.تنهدت بيأس وقالت:_ قاسم أرجوك لا تجعلني أشعر وكأني فضولية ومتطفلة._ أوَلستِ كذلك؟ضربت ذراعه بقبضتها وقالت:_ بلى، وعلى كلٍ لا أريد التطفل على حياتك أكثر. كما تشاء.ابتسم قائلا:_ ألديكِ من يكتم السر؟أومأت بموافقة شديدة وهمست:_ في بئر._ المال ليس لي، هو دَيْنٌ علي. أدانني إياه صديق عزيز تعرفت عليه بالسجن. وسأقوم بسداده حالما تتيسر أموري وتزدهر تجارتي.سأل