LOGINفي تلك اللحظة تغير وجه نسمه بالكامل.
وأشارت إليها بإصبعها المطلي بالأظافر صارخة: “أيتها الحقيرة! كيف تجرئين على إهانتي؟ هل تعرفين من أكون؟ سأجعلك تندمين!” أجابت رغد باقتضاب: “مجنونة.” شعرت أن الجدال معها مضيعة للوقت. لكن المرأة رفضت التحرك. فدفعتها رغد من كتفها بضيق. وكان ذلك كمن يضرب عش دبابير. فانفجرت الآنسة نسمه غضبًا فورًا. ورفعت يدها محاولة ضربها. تحركت رغد بسرعة لتتفاداها. لكن الحركة المفاجئة جعلت شعور الغثيان يزداد بشدة. كان كل شيء قد وصل أصلًا إلى حلقها. وفوق ذلك كانت رائحة عطر نسمه النفاذة تزعجها أكثر. قالت بصعوبة: “لا… تتحركي … انا …” لكنها لم تستطع إكمال الجملة. وفي اللحظة التالية… انطلق صراخ مدوٍّ هز المكان. واختلط ذلك الصراخ بصوت خطوات ثابتة وقوية قادمة من مكان غير بعيد استندت رغد إلى الجدار محاولة التقاط أنفاسها. ثم سمعت المرأة بجانبها تصرخ فجأة بصوت مليء بالشكوى: “الأخ ليث…! مجرد سماع هذه الكلمة جعل رغد، التي كانت قد بدأت تستعيد وعيها بعد التقيؤ، تصحو تمامًا وكأنها تلقت صفعة في وعيها. مرة أخرى… ليث؟ هل من الضروري أن تكون المصادفات بهذا الشكل السخيف؟ في هذه اللحظة، لم تكن ترغب برؤية ليث إطلاقًا. ما حدث قبل قليل كان كافيًا ليجعلها ترغب بالاختفاء من هذا المكان كله. في الحقيقة، كانت فقط تريد الهروب، الابتعاد، وألّا يحدث أي احتكاك إضافي معه. يكفي ما حصل. يكفي أن لا يأتيها دليل أو مواجهة مباشرة تثبت أنها تسللت إلى سريره ليلة أمس. لو حدث ذلك فعلاً، ستضطر للتفكير بطريقة للتعامل مع الكارثة لاحقًا. الآن فقط… تريد الخروج. لكن نسمه لم تسمح لها بذلك. كانت غارقة في غضبها لدرجة تكاد تنفجر. تلك الرائحة المقززة التي ملأت ملابسها! هذه المرأة اللعينة… كيف تجرؤ؟ لقد تقيأت عليها. وفوق ذلك، كانت ترتدي فستانًا جديدًا تمامًا، جلبته من فرنسا خصيصًا، إصدار محدود من موسم عروض الأزياء. قطعة لم تكن لتسمح لأحد بلمسها، فكيف تتدمر بهذه الطريقة؟ وجهها كان مشوّهًا بالغضب، كأنها على وشك الانفجار. لكن عندما رأت ليث قادمًا، تغيّرت ملامحها في لحظة. انقلب الغضب إلى شكوى باكية، وكأنها لم تكن قبل ثوانٍ تريد قتل أحد. كان ليث قد خرج للتو للرد على مكالمة هاتفية. وعندما وصل إلى الممر، سمع صوت نسمه العالي المتعالي، ذلك الصوت الذي يعرفه جيدًا. هو يعرف نوعها جيدًا… مدللة، متعجرفة، لا تتوقف عن افتعال المشاكل. لكن ما جعله يتوقف في مكانه لم يكن صوتها. بل الصوت الآخر. صوت تلك الفتاة. ليس من الضروري رؤية الوجه… ولا حتى المكياج. يمكن تغيير الشكل، يمكن التظاهر بعدم المعرفة. لكن الصوت… لا يمكن تزويره بسهولة. هو تميّزه فورًا. قبل أن تصله أي تقارير أو نتائج، كان داخله قد حسم الأمر تقريبًا. هي. رفع نظره ببطء، وأغلق الهاتف، ثم تقدم بخطوات طويلة نحو مصدر الصوت. وحين وصل… رأى المشهد كاملًا. رغد تتقيأ على نسمه. لحظة “تاريخية” بكل ما تعنيه الكلمة. نسمه صرخت فورًا، تراجع جسدها من الصدمة، لكن عيني ليث لم تكن عليها أصلًا. كانت على الفتاة. وهذا وحده جعل الغضب داخلها يتضاعف كانت تريد الاندفاع نحوه، التعلق بذراعه، لكن تذكرت فجأة أنه يكره اللمس، فتراجعت بسرعة، ثم اكتفت بتصنع البكاء وهي تقول بصوت متقطع مليء بالشكوى كانت تريد الاندفاع نحوه، التعلق بذراعه، لكن تذكرت فجأة أنه يكره اللمس، فتراجعت بسرعة، ثم اكتفت بتصنع البكاء وهي تقول بصوت متقطع مليء بالشكوى: “الأخ ليث… انظر! فستاني! هذه المرأة… هذه المرأة مقززة جدًا! لقد تقيأت عليّ مباشرة! هذا فستان جديد تمامًا! اشتريته خصيصًا! أرجوك أن تنصفني… من هذه أصلًا؟ كيف تجرؤ أن تعاملني هكذا؟” لكن رغد لم تعد مهتمة. هي فقط تريد الخروج.قالت:“هل يمكنك أن تجلس بشكل مستقيم؟ أنت تضغط عليّ هكذا وأشعر بعدم الارتياح.”رفع حاجبه وقال:“ربما توجد طريقة أخرى ستشعرين معها براحة أكبر.”استغرقت نحو عشر ثوانٍ حتى فهمت قصده.لقد كان يغازلها مجدداً.وما إن تمكنت من تهدئة نفسها حتى اشتعل غضبها من جديد:“ليث، من فضلك احترم نفسك!”لم يغضب، بل ضحك:“الشخص الذي يستغلني من البداية للنهاية يطلب مني احترام نفسي؟”ثم مد يده وقرص خدها برفق.لم تكن القوة كبيرة، لكن رغد شعرت بوهم غريب…إذ بدا لها وكأن تلك الحركة تحمل شيئاً من التدليل.تابع قائلاً:“أنتِ حقاً تجيدين استخدام معيارين مختلفين للحكم على الناس. هل تعلمين كم شخصاً في الخارج يجرؤ على التحدث معي بهذه الطريقة؟”ثم اقترب قليلاً:“وعلى ماذا تستندين حتى تكوني متسلطة معي إلى هذا الحد؟”عضّت شفتيها.في الحقيقة كانت ترى أن كلامه منطقي إلى حد ما.وفوق ذلك، كانت هي الطرف الأضعف حالياً.تنهدت داخلياً.لا فائدة من الاستمرار في الجدال.فاختارت الصمت.لم تمضِ سوى أقل من ثلاثين دقيقة على انطلاق السيارة.كانت قد تعرضت لتدريب عسكري شاق طوال النهار، وخلال الدقائق الأخيرة بدأت السيارة تتمايل بهدوء على
ثم تابع بابتسامة خفيفة:“لا داعي لاستعادته. إذا أردتِ، فأنا جاهز في أي وقت.”وقال ذلك وهو يقترب منها أكثر.سارعت بوضع يدها على صدره وقالت بغضب:“ماذا تفعل؟! أنا لا أستعيد شيئاً، ولا أريد ذلك أصلاً! أنت تستغل ضعفي.”رد مبتسماً:“لكن قبل قليل كنتِ تمسكين لساني بشدة.”تجمدت رغد .ومرر إبهامه على شفتيه قائلاً:“لقد جعلني ذلك أشعر بالكثير. ولولا خوفي من أن تصابي بالبرد، هل تظنين أنني كنت سأكتفي بإخراجك من هناك؟”بقيت صامتة للحظات.ثم أدركت أخيراً أنه يعبث بها.فصرخت بغضب:“ليث! أنت رجل كبير في السن ومع ذلك وقح إلى هذه الدرجة!”“كبير في السن؟”بدا واضحاً أن العبارة أزعجته.أمسك بذقنها مجدداً وأجبرها على النظر إليه.“هل تظنين أنني عجوز؟”في الحقيقة لم يكن كبيراً إلى هذه الدرجة.لكن الفارق بينهما أكثر من عشر سنوات.وبالنسبة لها، كان ينتمي إلى فئة “الرجال الأكبر سناً”.وحين لا تجد ما ترد به عليه، كانت تهاجمه بهذه النقطة.ولأنه كان قد استفزها قبل قليل، رفعت رأسها بعناد وقالت:“ليث، أنت أكبر مني بعشر سنوات على الأقل. حتى لو حاولت إقناع نفسي بأنك لست كبيراً، فأنا ما زلت زهرة في بداية تفتحها، أما
وأسرعت تشد أطراف القميص على جسدها.ثم صاحت بخجل شديد:“أيها الوقح! لا تنظر!”احمر وجهها حتى كاد يشتعل.وكان شعرها المبتل ملتصقًا بخديها.وقد بدت في غاية الفوضى والارتباك.لكن عينيها الواسعتين اللامعتين كانتا كافيتين لإرباك أي رجل ينظر إليهما.اقترب منها خطوة.ثم قال وهو يحدق فيها من أعلى:“من قال إنه لا يوجد ما يستحق النظر إليه؟”كان صوته أخفض من المعتاد.أكثر خشونة.وأكثر خطورة.انحنى قليلًا نحوها.فشعرت بحرارة أنفاسه على وجهها المتورد.ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.أما عيناه، فازدادتا عمقًا وظلمة.وقال ببطء:“برأيي… أنتِ أشهى من أي مائدة طعام بدا وكأن الهواء المحيط بهما أصبح أخفّ.في مثل هذا الموقف، كانت كل كلمة ينطق بها ذلك الرجل تحمل قدراً كبيراً من الإيحاء والحميمية.لم تعرف رغد كيف يجب أن تتصرف.مدّ ليث يده وأمسك بذقنها برفق، مجبراً إياها على النظر مباشرة إلى عينيه، لترى الرغبة المتقدة في أعماقهما بوضوح.لم تكن رغد جاهلة تماماً بمثل هذه الأمور.ناهيك عن أنهما قد تقاسما تلك الليلة من قبل.تسارع نبض قلبها عدة مرات، لكنها لم تعرف ماذا تقول، بينما ابتسم ليث بخفة.ثم، كما توقعت
في الوقت الحالي، كل ما كانت تريده هو العودة إلى غرفتها وارتداء ملابسها.فجأة دوّى صوت قوي عند الباب.طَرق!وكأن أحدهم يحاول الدخول.تجمدت في مكانها.فبعد كل ما حدث، كان أول ما خطر ببالها أن تلك الفتيات ربما دبرن شيئًا آخر، وأحضرن رجلًا ليدخل عليها عمدًا.أسرعت نحو الباب.أرادت أن تسنده بيديها، لكنها سرعان ما أدركت أن ذلك لن يجدي نفعًا.وقبل أن تنطق بكلمة، كان الشخص في الخارج أسرع منها.انفتح الباب مباشرة.خفق قلبها بعنف.شعرت أن الكارثة وقعت بالفعل.في تلك اللحظة لم تفكر حتى في الاقتراب من الباب.كل ما أرادته هو الاختباء خلف ستارة الحمام.استدارت بسرعة.لكن الأرضية كانت زلقة.وحذاؤها المطاطي لم يساعدها.وفي لحظة سوء حظ لا تصدق، تعثرت بنفسها.أطلقت صرخة قصيرة.ثم اندفع جسدها إلى الأمام.وسقطت بقوة على الأرض.لم يكن لديها الوقت لتتدارك نفسها.ارتطم جسدها بالأرض مباشرة.شعرت بألم حاد عندما لامس صدرها البلاط البارد.وفي تلك اللحظة، لم تستطع إلا أن تعتقد أن هذه أسوأ لحظة مرت بها في حياتها كلها.لعنة هذا التدريب العسكري.وكأنه خُلق خصيصًا ليجلب لها المصائب.لكن ما أخافها أكثر من السقوط هو ا
عادت إلى السكن.كانت الغرفة تضم ست فتيات، وكانت الفتيات الخمس الأخريات واقفات عند الباب وكأنهن ينتظرن وصولها.ففي غضون يومين فقط، أصبحت قصتها معروفة للجميع.وما إن دخلت حتى بدأت النظرات تتبادل فيما بينهن.وأخيرًا تقدمت فتاة تنام في السرير المجاور لها وسألت بابتسامة:“رغد، هل تعرفين ليث؟ يبدو أن علاقتكما ليست عادية.”خلعت شروق سترتها العسكرية، وأخذت ملابسها استعدادًا للاستحمام.ثم أجابت بهدوء:“أعرفه… لكننا لسنا مقربين إلى هذه الدرجة.”تبادلت الفتيات النظرات.بعضهن شعر بالغيرة.وبعضهن بالحسد.وأخريات بدأن ينسجن في مخيلاتهن قصصًا لا نهاية لها.أما رغد فلم تهتم.أخذت ملابسها واتجهت نحو الحمّام.في تلك اللحظة قالت إحدى الفتيات بسرعة:“رغد، الماء مقطوع في حمام السكن. اذهبي إلى الحمام العام.”توقفت رغد قليلًا.لكنها لم تشك في الأمر.شكرتها وغادرت.كان الحمام العام شبه خالٍ في ذلك الوقت.وضعت حوضها وملابسها داخل خزانة صغيرة قرب النافذة، ثم أغلقت الباب ودخلت لتستحم.وبمجرد أن بدأ صوت الماء يتدفق…صدر صوت خافت من النافذة.ثم فُتحت ببطء من الخارج.همست فتاة بصوت متردد:“هل سنفعل هذا حقًا؟ ألا ت
استمرّت الأحداث التالية وكأنها شيءٌ لا يمتّ إلى الواقع بصلة.فحين أعادت رغد التفكير في الكلمات التي قالها لها من قبل، وجدت نفسها تشعر بأن الأمر أشبه بحلمٍ غريب.لقد قال لها بوضوح:“جئتُ إلى هنا لأكون سندًا لها.”جملة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بأن تُظهر للجميع أن العلاقة بينهما ليست عادية، وأن لها مكانة خاصة لديه. وهي مكانة تجعل كل من يهاب اسم ليث يضطر إلى التعامل معها بحذر واحترام.وفي بعض الأحيان، لا يسع المرء إلا أن يعترف بحقيقة واضحة:السلطة، والمكانة، والسمعة، والمال… كلها أشياء تملك تأثيرًا هائلًا.فالناس، في نهاية المطاف، يشتركون في صفة واحدة أكثر مما يظنون:يخشون القوي ويتجرؤون على الضعيف.عندما وصل المدير العام الشركه مسرعًا إلى المكان، أدركت شروق أن الأمر لم يعد مجرد حادثة بسيطة.فالأخبار انتشرت بسرعةٍ مذهلة بين المتدربين، وكأنها اكتسبت أجنحةً وطارت في أرجاء المعسكر.كان كثيرون يقفون على شرفات المبنى يراقبون ما يحدث من بعيد.لكن رغد لم تشعر بأي فخر أو تميّز.على العكس تمامًا.شعرت وكأنها حيوانٌ في قفص، يتفرج عليه الجميع.لذلك حاولت الاختباء.لكن كلما حاولت الابتعاد، وجدت ن







