LOGIN« الرجل الذي كان يراقبها»
ظل لوكا يحدق في الرجل أمامه بصمت. كان الألم في رأسه قد بدأ يهدأ قليلًا، لكن التعب بقي واضحًا في ملامحه. أما الرجل المقابل له، فكان يقف بهدوء غريب، وكأن كل ما يحدث حوله جزء من خطة أعدها منذ وقت طويل. اقترب خطوة أخرى. ثم قال: — الآن أستطيع أن أعرف من أنت. رفع لوكا حاجبه. — وأنا لا أعرف حتى اسمك. ابتسم الرجل. — رافاييل روسّي. بقي لوكا صامتًا. لم يبدُ الاسم غريبًا عليه. كان يعرفه. رافاييل روسّي. أحد الأسماء التي ظهرت أكثر من مرة في عالم رجال النفوذ والجريمة، رجل لا يظهر كثيرًا في العلن — ربما. ثم سحب كرسيًا ووضعه أمامه وجلس. بقي يحدق في لوكا طويلًا، لا كمن ينظر إلى أسير، بل كمن يحاول مطابقة وجه حقيقي مع صورة حفظها في ذاكرته مرات لا تحصى. كانت أصابعه تتحرك ببطء فوق ذراع الكرسي، بإيقاع ثابت، ثم تتوقف كلما ذكر لوكا اسم سولي، وكأن الاسم وحده قادر على انتزاعه من هدوئه المصطنع. — أريد أن أسألك عن امرأة. تغيرت ملامح لوكا فورًا. لم يحتج إلى سؤال ثانية. عرف من يقصد. — سولي. ابتسم رافاييل ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه. — إذًا تعرفها. ساد الصمت. ثم قال لوكا: — أعرفها. — منذ متى؟ نظر إليه لوكا ببرود. — لماذا يهمك؟ مال رافاييل إلى الخلف، وأخذ نفسًا بطيئًا، كأنه يضبط شيئًا مضطربًا في داخله. — لأنها تهمني. كانت إجابة مباشرة. ثبت لوكا عينيه عليه. — تهمك؟ — نعم. ثم أضاف: — كنت أزور مخبزها كثيرًا. لم يتكلم لوكا. تابع رافاييل: — في البداية كنت أذهب لشراء بعض الأشياء. ثم بدأت ألاحظها. نظر إلى الأرض لحظة، وكأنه يستعيد صورًا قديمة. كانت ذاكرته تحتفظ بتفاصيل لا معنى لها بالنسبة إلى أي شخص آخر: مكان وقوفها قرب الفرن، الطريقة التي ترفع بها شعرها حين تنشغل، عدد المرات التي تبتسم فيها خلال الصباح. لم يكن يتذكرها كذكريات عابرة، بل كأجزاء من طقس يومي لا يحتمل أن يختل. — كانت مختلفة. قالها بنبرة هادئة. — هادئة. لطيفة. لا تتعامل مع الناس بتصنع. كانت تبتسم للأطفال، وتتذكر طلبات الزبائن، وتعرف كيف تجعل المكان يبدو كأنه بيت، لا مخبز. لم يتحرك لوكا. لكن عينيه أصبحتا أكثر حدة. قال رافاييل: — ومع الوقت، بدأت أراقبها. صمت قليلًا. مرر إبهامه فوق طرف إصبعه، حيث بقي أثر ندبة قديمة، ثم قال: — لم تكن تعرف أنني أفعل ذلك. رفع لوكا حاجبه. — وهذا برأيك شيء طبيعي؟ ابتسم رافاييل. — لم أقل إنه طبيعي. ثم تابع: — لكنه جعلني أعرف كل من يدخل حياتها تقريبًا. كان يتحدث كما لو أن المعرفة تمنحه حقًا، وكأن حفظ مواعيدها ووجوه زبائنها وحركاتها اليومية يمكن أن يصنع علاقة من طرف واحد. لم يبدُ عليه الخجل من ذلك؛ بدا فقط منزعجًا من أن أحدًا قد يصفه بما يعرفه عن نفسه. سكت للحظة، ثم نظر إلى لوكا مباشرة. — إلى أن رأيتك. لم يرد لوكا. قال رافاييل: — رأيتك تدخل المخبز أكثر من مرة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. — وفي أحد الأيام رأيت شيئًا لم يعجبني. بقي لوكا ساكنًا. لكن رافاييل قال بوضوح: — رأيتك تقبّل سولي. اتسعت عينا لوكا قليلًا، ثم عاد الهدوء إلى وجهه. تذكر ذلك اليوم. المخبز. سولي. واللحظة التي لم يستطع فيها إخفاء مشاعره أكثر. أما رافاييل، فظل يحدق في وجهه، كأنه يعيد المشهد في رأسه للمرة الألف، يبحث عن تفصيل يبرر الغضب الذي لم يهدأ منذ ذلك اليوم. قال رافاييل: — كنت أظنك رجلًا عابرًا. ثم هز رأسه. — رجلًا ظهر فجأة في حياتها، وربما سيختفي بعد فترة. توقف. — لكنك لم تختفِ. ابتسم لوكا بسخرية خفيفة. — خاب ظنك؟ تغيرت ملامح رافاييل قليلًا. — جدًا. ضحك لوكا ضحكة قصيرة رغم وضعه. — لهذا خطفتني؟ — لهذا السبب قررت التخلص منك. ساد الصمت. لم يرمش رافاييل تقريبًا، لكن عضلة صغيرة تحركت في فكه. كان يحاول أن يبدو حاسمًا، بينما كانت عيناه تعودان إلى وجه لوكا كل بضع ثوانٍ، كأنه يريد أن يتأكد من أن الرجل أمامه حقيقي، وأن وجوده في حياة سولي ليس وهمًا يمكن محوه بسهولة. ثم قال رافاييل: — لم أكن أعرف من أنت في البداية. رفع لوكا حاجبه. — وهذا واضح. اقترب رافاييل قليلًا. — ظننت أنك مجرد رجل يحاول الاقتراب منها. صمت لحظة. — ولم يعجبني الأمر. نظر لوكا إليه طويلًا. ثم قال بهدوء مستفز: — لذلك كل هذا بسبب قبلة؟ لم يجب رافاييل. استمر لوكا: — كنت أعتقد أن لديّ أعداء لأسباب أكبر من هذا. ضيق رافاييل عينيه. — لا تستهين بالأمر. ابتسم لوكا. — أنا لا أستهين. ثم مال برأسه قليلًا. — فقط أستغرب أنك راقبت امرأة كل هذا الوقت دون أن تعرف أهم شيء عنها. تغيرت ملامح رافاييل. — وما هو؟ أجاب لوكا من دون تردد: — أنها ليست لك. ساد صمت ثقيل. توقفت أصابع رافاييل عن الحركة. بقيت يده معلقة فوق ذراع الكرسي لحظة، ثم انقبضت ببطء، حتى ابيضت مفاصلها. وقف رافاييل ببطء. — لا تتحدث معي بهذه الطريقة. لكن لوكا لم يتراجع. — لماذا؟ ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. — لأنك تغضب؟ ثبت رافاييل عينيه عليه. — أنت لا تعرف وضعي. — وأنت لا تعرف وضعي. رد لوكا بهدوء. ثم أضاف: — أنت رأيتني أقبّلها، فقررت أنني رجل ينافسك عليها. توقفت ابتسامة رافاييل. قال: — أليس هذا ما كنت تفعله؟ ضحك لوكا مرة أخرى. — لا. سكت لحظة. ثم قال بوضوح: — كنت أقبّل زوجتي. تجمد رافاييل في مكانه. لم يتحرك. لم يتكلم. حتى ملامح وجهه تغيرت للحظة. تراجعت عيناه إلى فم لوكا، ثم عادتا إلى عينيه، كأنه يحاول العثور على كذبة في حركة صغيرة أو ارتعاشة عابرة. — ماذا قلت؟ نظر إليه لوكا بثبات. — قلت إنها زوجتي. اقترب رافاييل خطوة. — أنت تكذب. — لا حاجة لأن أكذب. ثم أضاف لوكا بهدوء أكثر: — وسولي ليست المرأة الوحيدة التي تربطني بها. رفع رافاييل عينيه إليه. — ماذا تقصد؟ ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه لوكا، وكأن اللحظة للمرة الأولى منذ اختطافه أصبحت ممتعة بالنسبة إليه. أما رافاييل، فبدا كمن فقد ترتيب الأفكار الذي احتمى به طويلًا. كان قد بنى في ذهنه صورة كاملة لسولي: امرأة يراقبها من بعيد، وحياة يمكنه فهمها ما دام يعرف تفاصيلها. والآن، بكلمات قليلة، انهارت الصورة وظهرت فيها مساحة لم يستطع السيطرة عليها. — لديك الكثير من الأسئلة. — أجب. قال لوكا: — سأجيب. ثم توقف لحظة. — لكن قبل ذلك... ثبت نظره عليه. — أريد أن أعرف شيئًا واحدًا. — ماذا؟ — منذ متى وأنت تراقب زوجتي؟ ساد الصمت. هذه المرة لم يجد رافاييل جوابًا سريعًا. تحركت عيناه نحو الباب، ثم عادت إلى لوكا. لم يكن يفكر في الإجابة بقدر ما كان يحاول استعادة السيطرة على وجهه. كان السؤال قد أصاب النقطة التي يتجنب النظر إليها: أن مراقبته لم تكن لحظة عابرة، بل عادة ترسخت حتى صارت جزءًا من يومه، وأنه لم يعد يعرف أين ينتهي اهتمامه وأين يبدأ هوسه. أما لوكا، فبقي هادئًا، رغم القيود. قال أخيرًا: — والأهم... ثم ابتسم ابتسامة خفيفة استفزت رافاييل أكثر. — ماذا كنت ستفعل لو عرفت من البداية أن الرجل الذي رأيته يقبّل سولي هو زوجها... توقف قليلًا. ثم أضاف: — وأبو ابنها؟ اتسعت عينا رافاييل. وللمرة الأولى منذ دخل الغرفة، بدا عليه الارتباك الحقيقي. ظل ينظر إلى لوكا وكأنه يحاول التأكد من أنه لم يسمع الكلام خطأ. تراجعت خطوة من جسده قبل أن ينتبه إليها، ثم شد كتفيه كمن يرفض أن يسمح للحقيقة بأن تغير موقفه. لكن يده ارتفعت دون وعي إلى جيبه، حيث كان يحتفظ بصورة قديمة للمخبز، مطوية بعناية حتى بهتت حوافها من كثرة لمسها. لم يكن ذلك يبرر ما فعله. ولم يكن تعلقه بسولي يمنحه حقًا فيها أو في حياتها. لكنه كشف كيف أقنع نفسه، يومًا بعد يوم، بأن مراقبتها حماية، وأن معرفة تفاصيلها قرب، وأن إبعاد كل من يقترب منها نوع من السيطرة الضرورية. لم يكن يرى نفسه وحشًا في قصته؛ كان يرى رجلًا يحاول منع خسارة لم تحدث أصلًا، ثم يعاقب الآخرين على خوفه منها. لكن لوكا لم يقل شيئًا آخر. اكتفى بالنظر إليه بهدوء. كان يعرف أن رافاييل بدأ يدرك للتو... أنه لم يخطف رجلًا غريبًا من حياة سولي. بل اختطف الرجل الذي كانت تنتظر عودته، والرجل الذي يحمل اسم عائلتها، والأهم... أبو الطفل الذي كان يعيش في ذلك المخبز الذي ظل رافاييل يراقبه طويلًا. في تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة. دخل أحد رجال رافاييل بخطوات سريعة، ثم توقف قربه. — سيدي، لدينا مشكلة في الخارج. لم يلتفت رافاييل إليه. بقيت عيناه معلقتين بلوكا، لكن الغضب الذي ظهر فيهما لم يعد كما كان. كان أكثر برودة، وأكثر خطورة. قال الرجل: — الرجل الذي حاول الاقتراب من الباب رفض أن يتراجع. رفع رافاييل يده بإشارة قصيرة. — اضربوه. تردد الرجل لحظة. — على وجهه؟ أجابه رافاييل دون أن يرمش: — نعم. لكن لا تلمسوا لوكا. خرج الرجل فورًا. بعد ثوانٍ، وصل إلى الغرفة صوت ارتطام مكتوم، ثم صوت رجل يتأوه في الخارج. لم يتحرك لوكا، لكنه نظر إلى رافاييل بحدة. — يبدو أن رجالك يضربون كل من يقترب منك. ابتسم رافاييل ابتسامة باردة. — ليس كل من يقترب مني. ثم اقترب منه، وانحنى قليلًا حتى أصبح وجهه في مستوى وجه لوكا. — كل رجل حاول الاقتراب من سولي قتلته. ساد الصمت. ثبت لوكا عينيه عليه. تابع رافاييل بصوت منخفض: — كل رجل ظن أن بإمكانه لمسها أو التودد إليها أو أخذ مكان في حياتها... انتهى أمره. ثم مال برأسه قليلًا. — وأنت تجرأت وقبّلتها أمام عيني. لم يتراجع لوكا، رغم أن نبرة رافاييل حملت تهديدًا واضحًا. — كنت أقبّل زوجتي. — لم أكن أعرف ذلك حينها. — لكنك عرفت الآن. توقفت ملامح رافاييل لحظة. ثم قال: — الآن أعرف أنك زوجها. اقترب أكثر، وصوته يزداد انخفاضًا: — لكنني ما زلت أتذكر أنك كنت الرجل الذي رأيته يضع يديه عليها ويقبّلها، قبل أن أعرف اسمك أو حقيقتك. ابتسم لوكا بسخرية. — لا يوجد شيء اسمه حقك فيها. اشتد فك رافاييل. — لا تختبر صبري. — وأنت لا تختبر صبري بضرب رجالك للناس بدلًا منك. في الخارج، سُمع صوت الرجل نفسه وهو يئن من الألم. التفت لوكا نحو الباب للحظة، ثم عاد بنظره إلى رافاييل. — ذلك الرجل لم يكن لوكا. قالها بوضوح. — كان واحدًا من رجالك. ظل رافاييل صامتًا. ثم استقام ببطء، وأعاد وجهه إلى هدوئه القاسي. — أعرف. — إذًا لا تخلط بين غضبك مني وبين ما يفعله رجالك. نظر إليه رافاييل طويلًا. — لا تقلق. عندما أقرر ضربك، سأفعل ذلك بنفسي. لم يرد لوكا. أما رافاييل، فبقي واقفًا أمامه، محاصرًا بين الحقيقة التي عرفها للتو، والغيرة القديمة التي لم يستطع دفنها. كان قد قتل رجالًا لمجرد أنهم اقتربوا من سولي، لكنه الآن يواجه الرجل الوحيد الذي لم يكن مجرد عابر في حياتها، بل زوجها وأبو طفلها. وللمرة الأولى، لم يعرف إن كان يريد قتله... أم أن يتركه حيًا فقط ليعرف كيف استطاع رجل واحد أن يمتلك المكان الذي ظل رافاييل يحرسه من الجميع.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️?
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
[ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







