Share

171

last update publish date: 2026-09-22 19:19:00

«شيءٌ لم يكن يشبهه»

بعد أن خرج رافاييل من الغرفة، بقي لوكا وحده.

أغلق الرجل الباب خلفه، ثم التفت إلى أحد رجاله.

— اعتنِ به.

نظر الرجل إلى لوكا.

— إلى متى؟

أجابه رافاييل من عند الباب:

— حتى أنتهي من بعض الأمور الليلة.

ثم نظر إلى لوكا للحظة.

— لا أريده أن يتعرض لأي شيء.

أومأ الرجل.

— مفهوم.

غادر رافاييل.

وبقي الرجل واقفًا قرب الباب، يراقب لوكا بصمت.

أما لوكا، فرفع عينيه نحوه.

— أنت تعرف أن هذا لن ينتهي كما تتوقعون.

لم يجبه الرجل.

اكتفى بالوقوف في مكانه.

---

في الغرفة الأخرى...

كانت سولي جالسة على طرف السرير، تحاول أن تفهم ما الذي تغيّر منذ خروج الرجل الذي ظنته لوكا.

لم يكن هناك شيء واضح تستطيع الإمساك به، ومع ذلك، كان شعور غريب يضغط على صدرها. إحساس لا يشبه الخوف وحده، ولا يشبه الارتباك تمامًا. كأن حواسها التقطت شيئًا عجز عقلها عن تسميته.

وضعت يدها على العصابة حول عينيها.

ثم تذكرت صوته.

لا تزيليها.

كان صوته هو، أليس كذلك؟

حاولت أن تتمسك بهذه الفكرة، لكنها لم تمنحها الطمأنينة التي توقعتها. كان في نبرته شيء مختلف، شيء لم تستطع تحديده، فدفعت الشك بعيدًا قبل أن يكبر.

لكنها لم تعد تحتمل.

رفعت العصابة ببطء.

فتحت عينيها.

الغرفة كانت مختلفة عما تخيلته.

نافذة صغيرة.

جدار بلون داكن.

سرير كبير.

وطاولة بالقرب من الباب.

حدقت في التفاصيل، محاولة أن تحفظها في ذاكرتها، وكأنها قد تحتاج إليها لاحقًا. لم تكن تعرف لماذا شعرت بأن المكان لا يشبه أي مكان كان لوكا سيأخذها إليه.

وقبل أن تتمكن من رؤية المزيد...

سمعت صوت المقبض يتحرك.

ارتعبت.

عاد الظلام إلى عينيها حين أعادت العصابة بسرعة، لكن الصورة القصيرة للغرفة بقيت عالقة في ذهنها.

انفتح الباب.

دخل رافاييل.

توقف عندما رآها.

كان يتوقع أن يجدها خائفة، لكنه لاحظ شيئًا آخر.

كانت جالسة بهدوء، واليداها فوق حجرها.

قال:

— سولي.

رفعت رأسها بسرعة.

الصوت جعل قلبها يقفز، لكنه لم يهدأ كما كان يفعل صوت لوكا عادة. حاولت أن تقنع نفسها بأن السبب هو الخوف، وأن جسدها لم يعد يميز بين الخطر والأمان.

ثم ابتسمت ابتسامة مرتجفة.

— لوكا؟

بقي رافاييل صامتًا للحظة.

ذلك الصمت القصير كان كافيًا ليزرع وخزة جديدة في داخلها.

ثم قال:

— نعم.

اقترب منها.

— كيف حالك؟

تنفست براحة صغيرة، أو حاولت أن تتنفس كذلك.

— أنا بخير.

ثم أسرعت بالسؤال، كأنها تريد أن تغرق صوتها في الكلمات قبل أن تسمع شكوكها:

— ماذا حدث؟

جلس بعيدًا عنها قليلًا.

— لا شيء مهم.

كانت إجابته هادئة أكثر مما ينبغي. لوكا كان سيشرح لها، أو سيحاول أن يطمئنها بطريقة مختلفة. أما هذا الصوت، فكان يشبه صوته، لكنه لا يحمل الإيقاع نفسه.

— وأين جدتي؟

— بخير.

تغير صوت سولي.

— وأيان؟

— بخير أيضًا.

أغمضت عينيها براحة، متشبثة بالإجابة رغم أنها لم ترَ وجهه.

— الحمد لله.

ثم قالت:

— متى سنخرج من هنا؟

أجاب بهدوء:

— الليلة.

أومأت.

— حسنًا.

حاولت أن تصدقه. كان عليها أن تصدقه. لو لم يكن لوكا، فمن يكون؟ ولماذا يعرف كل هذه التفاصيل؟ ولماذا يتحدث بصوته؟

ساد الصمت.

ثم مدّت يدها أمامها.

— لوكا؟

أمسك رافاييل يدها.

توقفت أصابع سولي.

كان دفء يده مألوفًا، لكن الملمس لم يكن كذلك. شعرت بتردد جسدها قبل أن تفهمه، وكأن يدها عرفت شيئًا رفض عقلها الاعتراف به.

بدأت تتحسس يده ببطء.

مررت أصابعها على كفه.

ثم توقفت.

— يدك...

رفع رافاييل حاجبه.

— ماذا بها؟

قالت بتردد:

— ملمسها مختلف.

سكت.

لم يكن صمته صمت لوكا. كان أثقل، وأكثر حذرًا، كأنه ينتظر منها أن تقول شيئًا آخر.

بدأت أصابعها تتحرك فوق يده مرة أخرى.

— خشنة أكثر.

لم يجبها.

توقفت قليلًا، وشعرت بأن الشك يضيق حولها. ربما كان قد جُرح. ربما تغيّر ملمس يده بسبب ما حدث. كانت هناك تفسيرات كثيرة، لكنها بدت جميعًا أضعف من الإحساس الذي يصر على أن هذه ليست اليد التي حفظتها.

ثم رفعت يدها إلى وجهه.

مررت أصابعها على خده.

ثم على فكه.

وأخيرًا توقفت عند جانب شعره.

كان رافاييل ساكنًا، يراقبها بصمت.

أما سولي...

فكانت تحاول أن تقنع نفسها أن ما تشعر به مجرد أثر للخوف، وأن ذاكرتها تخونها، وأن الحواس قد ترتبك حين تُحرم من الضوء.

لكن وجهه لم يكن كما تتذكره.

لم تكن تعرف كيف، ولا أين يكمن الاختلاف، إلا أن أصابعها لم تجد الطمأنينة التي بحثت عنها.

مررت أصابعها بين خصلات شعره، ثم توقفت فجأة.

كان الشعر أقصر مما تتذكر.

أقصر بكثير.

تحسست أطرافه مرة أخرى، كأنها تتأكد من إحساسها، ثم قالت بصوت خافت:

— شعرك...

تصلب رافاييل للحظة.

— ماذا به؟

ابتلعت سولي ريقها.

— قصصته؟

لم يجبها فورًا.

كان لوكا يعرف أنها تحب شعره طويلًا. كان يعرف أنها تحب أن تمرر أصابعها بين خصلاته، وأنها كانت تغضب كلما تحدث عن قصه. لم يكن ليقصه هكذا دون أن يخبرها، أو دون أن يترك لها سببًا واضحًا.

قالت بتردد:

— أنت تعرف أني أحب شعرك طويلًا.

ظل صامتًا.

فأضافت، وكأنها تبحث عن تفسير يريحها:

— لوكا... أنت قلت إنك لن تقصه.

لمعت في عيني رافاييل نظرة ضيقة، لكنه أخفاها بسرعة.

— تغيرت أشياء كثيرة.

كانت الإجابة باردة، لا تشبهه.

أنزلت سولي يدها ببطء، وشعرت بأن الشك صار أثقل من أن تدفعه بعيدًا. لم يكن الأمر يقتصر على صوته أو يده أو رائحته. حتى شعره، الشيء الذي حفظته كما تحفظ ملامحه، لم يكن شعر لوكا الذي تتذكره.

قالت هامسة:

— لوكا...

ثم أضافت:

— كنت خائفة عليك.

بقي رافاييل ينظر إليها.

مد يده وأبعد خصلة من شعرها عن وجهها.

فتوقفت أنفاسها للحظة.

كان اللمس مختلفًا.

ليس مؤلمًا...

لكنه لم يكن مألوفًا أيضًا.

تذكرت كيف كان لوكا يلمسها، وكيف كانت يده تتردد قبل أن تستقر، وكيف كان حضوره يسبق لمسته. أما هذا الرجل، فكان يتحرك بثقة غريبة، كأنه يعرف ما يفعله، لكنه لا يعرفها حقًا.

ومع ذلك، رفض عقلها أن يصدق الشك.

اقترب رافاييل منها واحتضنها.

تجمدت سولي للحظة.

لم تعرف أين تضع يديها، ولا كيف تستجيب. كان جسده قريبًا، ورائحته تصل إليها، لكنها لم تكن الرائحة التي انتظرتها. كانت هناك لمحة مألوفة تختلط بشيء آخر، شيء غريب جعل معدتها تنقبض.

ثم بقيت ساكنة.

دفن وجهه قليلًا في شعرها.

وقال بصوت منخفض:

— وأنا كنت خائفًا عليكِ.

أغلقت سولي عينيها.

حاولت أن تستدعي شعور الأمان، أن تتذكر كيف كان احتضان لوكا يهدئها. لكن ذاكرتها اصطدمت بحواسها؛ قلبها يريد أن يصدق، وأنفها، ويديها، وحتى ذلك التوتر الغامض في صدرها، كانت تقول شيئًا آخر.

ثم سمعته يقول:

— كنت خائفًا أن يأخذك شخص آخر مني.

اتسعت عيناها خلف العصابة.

الجملة بدت غريبة.

ثقيلة.

لوكا كان سيقول إنه خاف أن يؤذوها، أو إنه لن يتركها وحدها. أما هذه الكلمات، فبدت كأنها لا تتحدث عن خوفه عليها، بل عن امتلاكها.

لكنها لم تسأله.

ربما لأنها لم تكن تريد أن تسمع شيئًا قد يجعلها تشك أكثر. وربما لأنها كانت تخشى أن يجيبها بصوت لا يشبه لوكا على الإطلاق.

وبعد لحظات، ابتعد عنها رافاييل.

ظل ينظر إليها.

ثم مال وطبع قبلة على جبينها.

تجمدت سولي.

لم تكن القبلة مؤلمة، لكنها لم تصل إلى المكان الذي اعتادت أن تصل إليه قبل أن تلمس جلدها. شعرت بها كشيء موضوع فوقها، لا كحنان تعرفه.

في تلك اللحظة...

مرّ شعور خاطف داخلها.

هذا ليس لوكا.

لم يكن صوتًا واضحًا، بل يقينًا صغيرًا انبثق من مكان أعمق من التفكير.

كان إحساسًا صغيرًا جدًا.

لكن واضحًا.

لم تستطع تفسيره.

اختفى بسرعة، إلا أن أثره بقي عالقًا في صدرها.

شدت أصابعها فوق القماش حول عينيها.

لا.

قالتها في داخلها.

إنه لوكا.

كررت الجملة، مرة، ثم مرة أخرى، كأنها تحاول تحويلها إلى حقيقة. لم تعرف لماذا كانت تحتاج إلى تصديق ذلك بهذه القوة. ربما لأن الاعتراف بعكسه يعني أن كل ما حدث لم يكن سوء فهم، وأن الرجل الذي وثقت به لم يكن الرجل الذي ظنته.

أما رافاييل...

فقد بقي ينظر إليها لثانية أخرى، وكأنه لاحظ ترددها.

ثم قال:

— حاولي أن ترتاحي.

أومأت سولي.

— حسنًا.

استدار وخرج.

وأُغلق الباب.

بقيت سولي وحدها.

رفعت يدها ولمست المكان الذي قبّل فيه جبينها.

كان جلدها لا يزال يحتفظ بحرارة شفتيه، لكن ذاكرتها لم تستطع أن تربط تلك الحرارة بلوكا. بقيت اللمسة بين إحساسين متناقضين: جسدها يتذكرها، وقلبها ينكرها.

ثم جلست بصمت.

حاولت أن تستعيد صوته، رائحته، ملمس يده، وطريقة اقترابه منها. كل ذكرى كانت تحمل جزءًا مألوفًا، ثم تنحرف فجأة إلى شيء لا تعرفه.

كان قلبها يقول شيئًا.

وعقلها يقول شيئًا آخر.

أما حواسها، فكانت تصرخ بصمت بأنهما مخطئان معًا.

وللمرة الأولى...

بدأت تشك في أن الرجل الذي كان معها طوال الوقت...

ربما لم يكن لوكا أصلًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️‍?

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    [ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status