LOGIN« الهروب واللقاء»
في الغرفة الأخرى... كان لوكا جالسًا وحده. وقف الحارس قرب الباب يراقبه بصمت. ظل لوكا ساكنًا لبعض الوقت، كأنه استسلم للوضع، لكن عينيه لم تهدآ. كان يفكر في القيود، والباب، والوقت الذي أخبره رافاييل أنه يملكه. والأهم... كان يفكر في سولي وأيان، وفي اقتراب رافاييل منهما أكثر مما ينبغي. خفض لوكا عينيه إلى يديه. كانت القيود محكمة، لكنه بدأ يحرك أصابعه ببطء، يختبر المساحة حول معصميه. مرة. ثم أخرى. انتظر طويلًا، حتى تأكد أن الحارس لا يراقبه، وبدأ يحاول تحرير نفسه بهدوء. لم تكن المهمة سهلة، لكنه لم يتوقف. كان عليه أن يخرج. ليس من أجله. من أجل سولي. ومن أجل أيان. وبعد محاولات طويلة، شعر بأن القيد بدأ يرتخي قليلًا. حبس أنفاسه، وحاول مرة أخرى. وفجأة... تحررت إحدى يديه. توقف لثانية، وشعر بنبضة أمل خاطفة تضرب صدره، ثم فك القيد عن الأخرى. رفع يديه ببطء ونظر إليهما. كانت معصماه يؤلمانه، والجلد حولهما محمرًا، لكنه لم يشعر بالألم إلا كشيء بعيد. صار قادرًا على الحركة، ولم يكن هناك وقت للاحتفال. التفت إلى الباب، ثم تعمد إصدار صوت خافت. تحرك الحارس فورًا. — ماذا هناك؟ اقترب من الباب وفتحه. وفي اللحظة المناسبة، تحرك لوكا بسرعة، وتمكن من إسقاط الحارس وإبعاده عن طريقه دون أن يضيع وقتًا. أغلق الباب خلفه، وأخذ نفسًا عميقًا. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، لكن صورة سولي وهي معصوبة العينين أعادته إلى تركيزه. ثم راح يبحث سريعًا عن هاتف. وجده، فأمسكه واتصل بمارك من رقم غريب. جاءه صوت مارك فورًا: — ألو؟ من معي؟ — مارك، ركّز معي. ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم قال مارك بحذر: — من أنت؟ — أنا لوكا. تغير صوت مارك فورًا، وانتقل من الشك إلى الصدمة. — لوكا؟ هل أنت بخير؟ — ما زلت حيًا. ثم تابع لوكا بسرعة: — لا أعرف أين نحن بالضبط، لكنني خرجت من الغرفة. — وسولي؟ صمت لوكا لحظة. انقبض فكه، وكأن مجرد نطق اسمها كشف مقدار الخوف الذي أخفاه طوال الوقت. — إنها هنا. ثم أضاف: — أريدك أن تهتم بأيان وجدته. ساد الصمت على الطرف الآخر. — ماذا قلت؟ — اسمعني يا مارك. كان صوت لوكا حازمًا. — انقلهما إلى مكان آخر، مكان أكثر أمانًا. — وأنت؟ — سأجد سولي وأخرج بها. — لوكا، انتظر. سأرسل الرجال إليك. — لا. — لماذا؟ — لأنهم قد يكتشفون أننا قادمون. ثم أردف: — أبقِ أيان وجدته بعيدين عن هذا المكان، هذا كل ما أريده الآن. ساد الصمت من جديد. ثم أجاب مارك: — سأفعل. — مارك... — نعم؟ انخفض صوت لوكا. — لا تدعه يعرف ما يحدث. فهم مارك فورًا أنه يقصد أيان. — مفهوم. أنهى لوكا الاتصال وأخفى الهاتف معه، ثم خرج من الغرفة بحذر. كان الممر طويلًا وهادئًا. تحرك ببطء بين الأبواب، محاولًا تذكر المكان الذي سمع فيه صوت سولي. كان قلبه يخفق بعنف، حتى خشي أن يفضحه صوته قبل خطواته. ثم تذكر رافاييل وهو يقول له: زوجتك العزيزة أصبحت معي. ضغط لوكا على فكه، وشعر بالغضب يتصاعد في صدره، لكنه أجبر نفسه على ابتلاعه. لم يكن يستطيع أن يسمح له بأن يشتته. — سولي... همس باسمها، وكأن الهمسة وحدها يمكن أن تصل إليها، ثم واصل السير. وصل إلى ممر آخر، وفي نهايته... كان هناك باب. توقف. تسارعت أنفاسه، وارتجفت أصابعه قليلًا قبل أن يقبض عليها. شيء في داخله أخبره أن هذا هو المكان؛ إحساس غريزي، ممزوج بخوف عميق من أن يفتح الباب فلا يجدها. اقترب ووضع يده على المقبض. بقي ساكنًا لثانية، يستمع. لم يسمع شيئًا، فازداد قلقه بدل أن يهدأ. تردد، ثم فتح الباب ببطء شديد. --- كانت سولي جالسة على طرف السرير، وظهرها متصلب من طول الانتظار، ولا تزال معصوبة العينين. رفعت رأسها فور سماع الباب، وانحبست أنفاسها. لم تعرف إن كان عليها أن تأمل أم تخاف؛ فقد صار صوت الباب وحده قادرًا على إعادة الرعب إلى جسدها. خطوات هادئة اقتربت منها. تراجعت كتفاها قليلًا، وتشبثت أصابعها بحافة السرير. ثم جاءها صوت تعرفه: — سولي. تجمدت في مكانها. توقفت أنفاسها لحظة، وكأن قلبها احتاج إلى وقت ليتأكد مما سمعه. كان صوت لوكا. لكن هذه المرة... لم يحمل ذلك التردد الغريب الذي شعرت به مع الرجل السابق. كان هو. النبرة نفسها، والهدوء نفسه، والطريقة نفسها التي ينطق بها اسمها؛ تلك الطريقة التي كانت تعرفها أكثر مما تعرف ملامح وجهه. ارتجفت شفتاها، ووقفت فورًا، رغم أن ساقيها كادتا تخذلانها. — لوكا؟ تقدم خطوة، وتوقفت يده في الهواء لحظة، كأنه يخشى أن يلمسها قبل أن تمنحه الإذن. — نعم، أنا هنا. لم تنتظر أكثر. مدت يدها أمامها، مترددة في البداية، ثم أسرعت بها كأنها تخشى أن يختفي صوته. اقترب منها حتى لامست أصابعها وجهه. تجمدت. كان دفء جلده تحت أطرافها حقيقيًا. بقيت أصابعها على خده لحظات، ترتجف وهي تتحسس ملامحه، ثم مررتها على فكه وشعره، وتوقفت. كان طويلًا، تمامًا كما تعرفه. الملمس نفسه. والرائحة نفسها؛ رائحة خشب الصندل، التي ارتبطت في ذاكرتها بوجوده وأمانه. شهقت سولي، وانقبضت أصابعها في شعره للحظة، ثم نزعت العصابة عن عينيها بيد مرتجفة. فتحت عينيها... ورأته. لوكا. هو، حقيقيًا، واقف أمامها. لم تستطع الكلام. ظلت تتأمل وجهه لحظات، كأنها تحفظه من جديد، وكأنها تخشى أن يكون ما تراه وهمًا آخر. كان وجهه متعبًا، وعيناه تحملان قلقًا واضحًا، لكنه كان هو؛ بكل ما فيه من تفاصيل لم يستطع أحد تقليدها. ثم انفجرت بالبكاء. — لوكا... فتح ذراعيه فورًا. اندفعت إليه واحتضنته بقوة، حتى اصطدم جسدها بصدره، ودفنت وجهها فيه كأنها تحتمي من كل ما حدث. تشبثت بقميصه بكلتا يديها، وراحت تبكي من دون أن تحاول إخفاء دموعها، بينما ارتجف جسدها بين ذراعيه. لف لوكا ذراعيه حولها، وضغطها إليه بقوة، وأغمض عينيه. شعر بأن الخوف الذي حمله طوال الطريق ينهار دفعة واحدة، وأن وجودها بين ذراعيه هو الدليل الوحيد الذي يحتاجه على أنها ما زالت هنا. — أنا هنا. قالها بهدوء، لكن صوته جعل بكاءها يشتد. شد ذراعيه حولها أكثر، ومرر ذقنه فوق شعرها، كأنه يريد أن يغطيها بجسده عن العالم كله. — كنت خائفة... خرجت الكلمات مكتومة في صدره. مرر يده على شعرها ببطء، وكانت أصابعه ترتجف رغم محاولته إخفاء ذلك. — أعرف. — كان هنا شخص... ابتعدت عنه قليلًا، لكن يديها بقيتا متشبثتين بقميصه، كأنها لا تزال بحاجة إلى نقطة تثبتها في مكانها. مسحت دموعها، إلا أن عينيها ظلتا ممتلئتين بالخوف. — كان صوته صوتك. تغيرت ملامح لوكا، وانطفأ الدفء في عينيه ليحل محله غضب حاد. — ماذا فعل؟ أمسكت بقميصه بقوة أكبر، حتى ابيضت مفاصل أصابعها. — كان يصر على أنه أنت. ثم وضعت يدها على وجهه مجددًا، وكأنها تحتاج إلى لمس ملامحه أثناء الكلام كي تظل متأكدة من هويته. — حتى وأنا مغمضة العينين... ارتجف صوتها، وانخفضت عيناها للحظة. — كنت أعرف أنه ليس أنت. نظر إليها بصمت، وشعر بالعجز يضغط على صدره. أراد أن يسألها عن كل شيء، أن يعرف مقدار ما عانته، لكنه رأى الارتجاف في أصابعها فتراجع عن الضغط عليها. تابعت: — في البداية، لم أكن متأكدة تمامًا. ثم أضافت: — لكن يده كانت مختلفة. — وشعره أيضًا. — وحتى الطريقة التي لمسني بها... توقفت، وابتلعت بصعوبة، ثم قالت: — لم تكن طريقتك. أغمض لوكا عينيه لحظة، وكبح غضبه بصعوبة، ثم ضمها إليه بقوة أكبر، حتى شعرت بنبض قلبه تحت أذنها. — كان رافاييل. نظرت إليه بصدمة، واتسعت عيناها. — من هو رافاييل؟ ثبت لوكا عينيه عليها لحظة، ثم قال بهدوء: — سأشرح لك لاحقًا. ثم أضاف، وهو يمسح دمعة علقت قرب خدها: — أنا آسف لأنك اضطررت إلى خوض هذا. هزت رأسها بسرعة، وكأن اعتذاره يؤلمها أكثر مما يواسيها. — لا تعتذر. ثم قالت وهي تبكي: — أنا فقط... كنت بحاجة إلى أن أتأكد أنك أنت. وضع لوكا يده على وجهها، وأحاط خدها بكفه، بينما بقيت عيناه معلقتين بعينيها. — أنا هنا. أغمضت عينيها، وأسندت وجهها إلى راحته، وكأنها تستمد من لمسته الطمأنينة التي فقدتها. — الآن تأكدت. ابتسم بحزن، ومرر إبهامه على خدها. — كيف؟ نظرت إلى شعره، ثم لمست إحدى خصلاته بأصابع لا تزال ترتجف. — لأنك لم تقصه. ضحك لوكا بخفة، رغم التوتر، وانخفضت كتفاه قليلًا للمرة الأولى منذ خروجه من الغرفة. — هذه أول مرة أشعر فيها بالامتنان لأن شعري طال أكثر مما ينبغي. ضحكت سولي وسط دموعها، وكانت ضحكتها ضعيفة ومكسورة، لكنها بدت له أجمل صوت سمعه منذ سنوات. ثم عادت إلى احتضانه، هذه المرة ببطء، وكأنها لا تريد أن ينتهي العناق. ظل لوكا يضمها لحظات، يمرر يده على ظهرها ويشعر بارتجافها يهدأ تدريجيًا، كأن خمس سنوات كاملة من الخوف والغياب انكمشت في ذلك العناق. لم يقل أي منهما شيئًا؛ فقد كان الصمت بينهما ممتلئًا بما عجزا عن قوله، وبكل اللحظات التي تخيلا فيها هذا اللقاء ولم يصدقا أنه سيحدث. لكن حين هدأت قليلًا، رفع لوكا عينيه نحو الباب، وعادت الجدية إلى وجهه. بقيت يده ممسكة بيدها، كأنه يرفض أن يفقد اتصالها به حتى لثانية. — علينا أن نخرج الآن. مسحت سولي دموعها، لكنها لم تترك يده. — وأيان؟ أمسك لوكا يدها، وشبك أصابعه بأصابعها. — مارك سيتولى أمره هو وجدته. ثم قال، وهو يضغط على يدها بثبات: — وسأعيدك إليهما. نظرت إلى يده التي تمسك يدها، ثم رفعت عينيها إليه. كان في نظرتها خوف قديم، ورجاء هش، وطلب لم تستطع أن تخفيه. — هذه المرة، لا تتركني. شد لوكا على يدها، واقترب منها حتى لامس جبينه جبينها. — لن أفعل. وخارج الغرفة... كان رافاييل واقفًا في نهاية الممر. لم يسمع كل شيء، لكنه سمع ما يكفي. وحين رأى الباب مفتوحًا، أدرك أن لوكا نجح في الوصول إليها. ابتسم ابتسامة باردة. فاللعبة... لم تنتهِ بعد.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️?
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
[ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ