INICIAR SESIÓN[ الحقيقة التي أخفاها مورفون]
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وقد غرق قصر فيتالي في هدوء ثقيل. خفتت الأضواء في الممرات، وانسحب معظم الخدم إلى غرفهم، بينما لم يبقَ في الطابق العلوي سوى صوت الرياح وهي تمر خلف النوافذ الكبيرة. داخل غرفة الضيوف، كان أيان نائمًا بعمق. استلقى على السرير، وقد التصق رأسه بوسادة صغيرة، فيما امتدت إحدى ذراعيه نحو سولي، كأنه حتى أثناء نومه يريد أن يتأكد من أنها قريبة منه. أما سولي، فكانت نائمة إلى جانبه، وقد غطّته حتى كتفيه ببطانية خفيفة. بدا التعب واضحًا على وجهها، حتى في نومها؛ إذ لم تفارق ملامحها آثار اليوم الطويل، ولا سيما بعد المواجهة التي جمعتها بمورفون. وعلى الكرسي المجاور للسرير، كان لوكا جالسًا منذ وقت طويل. أغلق الكتاب الذي قرأ منه لأيان قبل أن ينام، ووضعه على الطاولة بهدوء. ثم رفع عينيه إلى ابنه. كان شعر أيان الأسود مبعثرًا قليلًا فوق جبينه، وشفته تتحرك بين الحين والآخر وهو يهمهم بكلمات غير مفهومة. ابتسم لوكا ابتسامة خافتة. مد يده، وأبعد خصلة شعر عن وجهه الصغير، ثم مرر أصابعه برفق على رأسه. — نم بسلام يا بني... خرجت الكلمات منه همسًا. بقي ينظر إليه لثوانٍ إضافية، قبل أن تقع عيناه على سولي. كانت قد تحركت قليلًا في نومها، ثم استقرت من جديد. تذكر حديثهما قبل ساعات، حين أخبرته أنها تخشى أن يظن أنها خانته، وأن كل ما أرادته طوال السنوات الماضية كان حماية أيان. أعاد كلماتها إلى ذهنه، وشعر بالغضب يتصاعد داخله من جديد. لم يكن غاضبًا منها. بل من نفسه، لأنه لم يكن موجودًا عندما احتاجت إلى من يقف إلى جانبها، ولأنه لم يعرف كم اضطرت إلى تحمّله وحدها. والآن، بعدما عادت، لم يمنحها مورفون فرصة واحدة لتلتقط أنفاسها. ظهر أمامها بأوراق مشبوهة، وشكك في نسب ابنها، ثم حاول أن ينتزعه منها أمام الجميع. لكن ما أقلق لوكا أكثر من كل ذلك كان ثقته المفرطة. فقد أمضى وقتًا طويلًا في مكتبه وهو يراجع ما استطاع الحصول عليه من معلومات حول التقرير الذي أخرجه جده. وبعد التحقق من أحد الأسماء، بدأ يشتبه في أن الأمر لم يكن مجرد تزوير عشوائي. كان هناك طبيب يعرفه جيدًا. طبيب عمل لسنوات في أحد المستشفيات التابعة لعائلة فيتالي، وكان اسمه مرتبطًا بالتقرير الذي وصل إلى مورفون. وحين طلب لوكا من رجاله البحث عنه، اكتشفوا أن الرجل اختفى منذ ساعات. لم يعد إلى منزله. ولم يظهر في المستشفى. كما أن هاتفه أُغلق بعد اتصال قصير بأحد الأشخاص المقربين من مورفون. لم تكن تلك مصادفات يمكن تجاهلها. نهض لوكا من مكانه ببطء، ثم اقترب من السرير. انحنى وقبّل جبين أيان، وبعدها نظر إلى سولي. تردد قبل أن يمد يده ويزيح خصلة شعر عن وجهها. همس: — سأعرف الحقيقة كلها قبل أن أسمح له بالاقتراب منكما مجددًا. لم تستيقظ سولي، لكنها تحركت قليلًا. توقف لوكا وانتظر حتى عادت إلى هدوئها، ثم أخذ سترته وهاتفه ومفاتيحه. اتجه نحو الباب، وفتحه ببطء شديد، ثم التفت إلى السرير للمرة الأخيرة. كان قلبه يخبره أن تلك الليلة لن تنتهي كما بدأت. خرج وأغلق الباب خلفه دون أن يُصدر صوتًا. ثم سحب هاتفه واتصل بمارك. --- بعد منتصف الليل لم يستغرق الاتصال طويلًا قبل أن يأتيه صوت مارك من الطرف الآخر. — سيدي. كان صوته منخفضًا، لكن لوكا التقط منه نبرة الجدية. — أين أنت؟ — في المكان الذي أخبرتك عنه. لقد وجدنا الطبيب. توقف لوكا عن السير في الممر. — هل هو متأكد أنه الشخص الذي تبحثون عنه؟ — نعم. اسمه الدكتور لورينزو روسّي. كان يعمل في مستشفى العائلة، وظهر توقيعه في إحدى الوثائق التي راجعناها. عقد لوكا حاجبيه. — وهل اعترف؟ ساد صمت قصير. ثم أجاب مارك: — ليس بالكامل. حاول في البداية إنكار كل شيء، لكننا وجدنا معه مستندات لا تتطابق مع السجلات الرسمية. وبعدها بدأ يتراجع عن كلامه. أغمض لوكا عينيه للحظة. — أرسل لي الموقع. — أرسلته إليك الآن. نظر لوكا إلى شاشة هاتفه، ثم قال بصرامة: — لا أريد أن يموت هذا الرجل قبل أن أعرف كل ما لديه. — مفهوم. — ولا أريد أن يلمسه أحد بعد الآن. سنحصل على اعترافه، ثم نتحقق من كل كلمة يقولها. تردد مارك لحظة قبل أن يجيب: — سيدي... أعتقد أنك بحاجة إلى أن تأتي بنفسك. تغير وجه لوكا. — لماذا؟ — لأنه عندما سمع اسم مورفون، تغيّر تمامًا. وهناك شيء قاله قبل قليل لا أظن أنك ستريد سماعه عبر الهاتف. ساد الصمت. ثم قال لوكا بصوت بارد: — أنا في طريقي. أنهى الاتصال، ووضع الهاتف في جيبه. لم يكن يعرف ما الذي اكتشفه مارك بعد، لكنه أدرك من نبرة رجله أن الأمر تجاوز مسألة التزوير. اندفع نحو الدرج، ثم خرج من القصر. وبينما كان يتجه إلى سيارته، رفع عينيه نحو نوافذ الطابق العلوي. خلف إحدى تلك النوافذ، كانت سولي وأيان نائمين. وللمرة الأولى منذ عودتهما، شعر لوكا بأن الخطر لا يحيط بماضيهما وحده. بل ربما كان ينتظرهما في الحاضر أيضًا. فتح باب السيارة وجلس خلف المقود. ثم انطلق إلى الموقع الذي أرسله مارك. --- الرجل الذي زوّر الحقيقة كان المكان عبارة عن مبنى قديم يقع في منطقة صناعية هادئة، بعيدًا عن الشوارع الرئيسية. توقفت سيارة لوكا أمامه بعد نحو نصف ساعة. ترجّل منها، وأغلق الباب خلفه، ثم رفع عينيه نحو النوافذ المعتمة. لم تكن هناك لافتة واضحة تدل على طبيعة المبنى، ولم يظهر في محيطه سوى سيارة سوداء تقف قرب المدخل. كان مارك ينتظره عند الباب. ما إن رآه حتى تقدم نحوه. — سيدي. — أين هو؟ — في الداخل. ثم أضاف بعد لحظة: — هناك أمر آخر. عندما ذكرتُ أمامه أنك ستأتي، طلب مني أن أضمن له أنه لن يختفي دون أن يعرف أحد مكانه. نظر لوكا إليه. — هل قال لماذا؟ هز مارك رأسه. — لم يشرح. لكنه بدا خائفًا فعلًا. لم يعلّق لوكا. دخل المبنى، وسار خلف مارك عبر ممر ضيق مضاء بمصابيح بيضاء باهتة. كانت رائحة الغبار والرطوبة عالقة في المكان، وصوت خطواتهما يتردد فوق الأرضية الصلبة. وأخيرًا، توقف مارك أمام باب في نهاية الممر. فتح القفل، ثم دفع الباب. دخل لوكا. كانت الغرفة بسيطة، لا تحتوي إلا على طاولة معدنية وكرسيين ومصباح يتدلى من السقف. وفي منتصفها، جلس رجل في أواخر الأربعينيات، مقيدًا إلى كرسي. كان شعره الأشيب ملتصقًا بجبينه، وربطة عنقه مفكوكة، وعلى وجهه آثار واضحة لمواجهة قاسية سابقة. بدا مرهقًا ومتوترًا، وعندما رأى لوكا دخل، رفع رأسه بسرعة. توقف الرجل عن الحركة. أما لوكا، فلم يتحدث فورًا. أغلق الباب خلفه، ثم خلع سترته ووضعها على ظهر كرسي قريب. نظر إلى الطبيب طويلًا، قبل أن يسأل: — الدكتور لورينزو روسّي؟ ابتلع الرجل ريقه. — نعم. اقترب لوكا خطوة. — كنت تعمل في مستشفى فيتالي. — نعم، سيدي. — واسمك موجود على تقرير استخدمه مورفون ليقنع عائلتي بأن ابني ليس ابني. ارتجفت أصابع الطبيب المقيدة. — أنا... قاطعه لوكا: — لا تبدأ بالكذب. لقد أمضيت ساعات أحاول معرفة مصدر تلك الوثائق. والآن أنت جالس أمامي، بعد أن اختفيت في اليوم نفسه الذي ظهرت فيه الأوراق. توقف أمامه مباشرة. — أريد أن أعرف من طلب منك تزويرها، ولماذا. خفض الطبيب رأسه. — لا أفهم ما الذي يمكنني قوله... ضرب لوكا الطاولة بكفه ضربة واحدة، جعلت الرجل ينتفض في مكانه. — ابدأ بالحقيقة! عاد الصمت إلى الغرفة. أخذ الطبيب نفسًا مرتجفًا، ثم رفع عينيه. — السيد مورفون هو من طلب مني ذلك. لم يتحرك لوكا. لكن ملامحه ازدادت صلابة. — ماذا طلب منك بالضبط؟ — طلب مني إعداد تقارير طبية ووثائق تُظهر أن الطفل ليس ابنك البيولوجي... وأن سولي أخفت عنك حقيقة نسبه. سكنت الغرفة للحظات. شعر لوكا بالغضب يتصاعد في صدره، لكنه أجبر نفسه على البقاء هادئًا. — وكيف فعلت ذلك؟ بدأ الطبيب يتكلم بتردد، موضحًا أنه استخدم معلومات قديمة وبيانات غير مكتملة، ثم غيّر بعض التفاصيل في تقارير صيغت لتبدو رسمية. كانت هناك أسماء وتواريخ وتوقيعات، لكن بعضها لم يطابق السجلات الأصلية، وبعض الإجراءات الطبية المزعومة لم تُسجّل في الأنظمة التي يفترض أن تحتويها. أصغى لوكا دون أن يقاطعه. ثم سأله: — هل أجريت أي فحص حقيقي لأيان؟ أجاب الطبيب فورًا: — لا. رفع لوكا رأسه ببطء. — هل أخذت عينة منه؟ هل فحصته؟ هل رأيت أي دليل طبي حقيقي على ما كتبته؟ هز الرجل رأسه بسرعة. — لا، سيدي. لم أفحص الطفل قط. لم أره حتى. ظل لوكا ينظر إليه. كان هذا هو التأكيد الأول الذي يحتاج إليه. الوثائق التي أخرجها مورفون أمام العائلة لم تكن نتيجة فحص حقيقي، بل تقارير أُعدّت لتصنع رواية بعينها. لكن ذلك لم يكن كافيًا بعد. فالرجل لم يكن قد أجاب عن السؤال الأهم. لماذا؟ لماذا كل هذا الجهد؟ ولماذا ظهر التقرير في الوقت نفسه الذي عاد فيه لوكا بسولي وأيان إلى إيطاليا؟ اقترب لوكا من الطاولة ووضع كفيه فوق حافتها. — لماذا فعلت ذلك؟ خفض الطبيب عينيه. — لم يخبرني بكل شيء. — لكنك تعرف شيئًا. سكت الرجل. اقترب لوكا قليلًا، وقال بنبرة منخفضة: — لديك الآن فرصة واحدة لتشرح لي ما تعرفه. لا تختبر صبري. تنفس الطبيب بصعوبة، ثم قال: — في البداية، أخبرني أنه يريد أوراقًا تدعم موقفه داخل العائلة. قال إن وجود وريث لا يثق بنسبه قد يسبب مشكلة، وإنه يريد أن يجعلك تتخلى عن الطفل بنفسك. عقد لوكا حاجبيه. — أتخلى عن أيان؟ — نعم. قال إنك إذا صدّقت الوثائق، فستضطر إلى إبعاد الطفل عن القصر، وربما تنهي علاقتك بسولي نهائيًا. اشتدت قبضة لوكا على حافة الطاولة. كان ذلك منسجمًا مع ما فكر فيه سابقًا؛ مورفون أراد أن يضرب علاقته بسولي، وأن يجعل أيان سببًا للخلاف بينهما. لكن الطبيب بدا أكثر خوفًا كلما اقترب من نهاية اعترافه. لاحظ لوكا ذلك. — هذا ليس كل شيء، أليس كذلك؟ ارتعشت شفتا الرجل. ثم هز رأسه ببطء. — لا. تغيّرت ملامح مارك عند الباب. أما لوكا، فظل ثابتًا في مكانه. — تكلم. نظر الطبيب إلى الباب أولًا، ثم عاد ينظر إلى لوكا. — بعد أن أعددت الوثائق، عاد السيد مورفون وتحدث معي مرة أخرى. لم يكن راضيًا عن مجرد إبعاد الطفل عن القصر. سكت لحظة، وكأن الكلمات التالية أثقل مما يستطيع قوله. ثم تابع: — قال إن سولي هي ابنة أدريان ميرافيل... وإن الطفل هو امتداد لهذه العائلة. تجمد وجه لوكا عند سماع اسم والدها. تابع الطبيب: — قال إنه لن يسمح لابنة عدوه بأن تبقى حيّة لتقف في طريقه، ولن يسمح لابنها بأن يكبر ويصبح جزءًا من عائلة فيتالي. هبط الصمت على الغرفة. شعر لوكا بأن الهواء أصبح أثقل. — ماذا قال عن سولي وأيان؟ أجاب الطبيب بصوت يكاد لا يُسمع: — قال إنه سيتخلص منهما معًا. لم يرمش لوكا. — كيف؟ ارتجف الرجل، ثم قال: — تحدث عن الطفل تحديدًا... وقال إنه يريد أعضاءه. للحظة، لم يستوعب لوكا ما سمعه. ظل ينظر إلى الطبيب دون حركة، كأنه ينتظر أن يتراجع الرجل عن كلماته أو يقول إنه أساء الفهم. لكن الطبيب لم يفعل. بل تابع بوجه شاحب: — قال إنه يريد أن يستخرج أعضاء الطفل ويستفيد منها، ثم يتخلص من سولي وأيان نهائيًا. لم يشرح لي كيف سينفذ ذلك، ولم يخبرني متى، لكن نبرته لم تكن نبرة رجل يهدد لمجرد التخويف. توقفت الكلمات في حلقه، ثم أضاف بسرعة: — أقسم لك أنني لا أعرف الخطة كاملة! أنا زوّرت التقارير فقط. لم أشارك في شيء آخر، ولم يخبرني من سيساعده أو أين يريد أن يحدث ذلك. لم يعد لوكا يسمع بقية الجمل بوضوح. كانت صورة أيان تعود إلى ذهنه. أيان وهو يركض نحوه في غرفة الضيوف. أيان وهو يضحك حين وعده أن يقرأ له قصته. وأيان وهو يسأله إن كان سيبقى معه طوال الليل. ثم ظهرت صورة سولي، وهي تقف أمام مورفون في الصالة، تحمي ابنها بجسدها وتهتف بأنها لن تسمح لأحد بأن يأخذه. وفجأة فهم لوكا لماذا بدا مورفون واثقًا إلى هذا الحد. لم يكن هدفه مجرد التشكيك في نسب أيان، ولا مجرد طرد سولي من القصر. لقد أراد أن يجعلهما يعودان إلى إيطاليا، ويجمعهما في المكان الذي يستطيع مراقبتهما فيه، ثم يتحكم بمصيرهما. أما الوثائق، فلم تكن سوى الخطوة الأولى. خطوة تهدف إلى عزل أيان عن أبيه، وإضعاف سولي، وخلق خلاف يجعل من الأسهل السيطرة عليهما. انتصب لوكا ببطء. كان وجهه هادئًا على نحو مخيف، لكن عينيه تغيّرتا تمامًا. — هل لديك دليل على هذا الكلام؟ أومأ الطبيب بسرعة. — هناك رسائل. لم يكتب فيها كل التفاصيل، لكنه ذكر سولي والطفل، وطلب مني أن ألتزم الصمت بشأن ما أعدّه. لديّ نسخة من بعض المراسلات، وأستطيع أن أخبركم أين أُرسلت الملفات الأصلية. رفع لوكا عينيه إلى مارك. — خذ كل ما لديه من مستندات واحتفظ بنسخ منها. لا تعدّلوا شيئًا، ولا تسمحوا لأحد بالوصول إليها قبل أن نفحصها بطريقة مستقلة. أومأ مارك. ثم نظر لوكا إلى الطبيب مجددًا. — ستعيد كل شيء تعرفه بالتفصيل، من أول اتصال إلى آخر كلمة قالها مورفون. ولن تترك اسمًا واحدًا أو تاريخًا واحدًا. ابتلع الطبيب ريقه. — سأفعل، سيدي. اقترب لوكا منه خطوة، وانحنى قليلًا حتى صار بمستوى عينيه. — اسمعني جيدًا. إذا كنت قد أخفيت أي جزء من الحقيقة، فسنعرف. وإذا كان هناك شخص آخر شارك في هذه الخطة، فسنعرفه أيضًا. توقف لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض: — لكن إن كان ما قلته صحيحًا، فأنت الآن تتحدث عن مخطط لاستهداف امرأة وطفل. لن أسمح لك أو لأي شخص آخر بإخفاء ما حدث. أومأ الطبيب مرارًا. لم يكن يجرؤ على رفع عينيه نحو لوكا. أما لوكا، فاستقام وابتعد عنه. كان يريد إجابات أكثر، وتفاصيل أدق، وأسماء كل من تورط في الأمر. لكن هناك شيئًا واحدًا أصبح واضحًا بالفعل. سولي وأيان لم يعودا إلى إيطاليا لمجرد مواجهة عائلته. لقد دخلا دائرة خطر حقيقي. ولم يكن أمامه وقت ليهدره. --- لن أسمح له بالاقتراب منهما خرج لوكا من الغرفة، وتبعه مارك إلى الممر. أغلق مارك الباب خلفهما، ثم نظر إلى سيده. — سيدي... هل تعتقد أنه يقول الحقيقة؟ توقف لوكا. ظل ينظر أمامه للحظات، قبل أن يجيب: — لن أتعامل مع اعترافه باعتباره حقيقة نهائية حتى نتحقق من الأدلة. لكن ما قاله يتوافق مع أشياء كثيرة لم أفهمها في البداية. ثم التفت إلى مارك. — أريد مراقبة كل تحرك لمورفون. تحركاته، اتصالاته، والأشخاص الذين يزورونه أو يلتقون به سرًا. ولا أريد أن يعرف أن الطبيب تحدث إلينا. أومأ مارك فورًا. — مفهوم. — كذلك، أريد حراسة إضافية حول القصر، لكن دون أن تتحول غرفة سولي إلى سجن. لا أريدها أن تشعر بأننا نحاصرها. — سأرتب الأمر بنفسي. أخرج لوكا هاتفه، لكنه توقف قبل أن يتصل بأحد. نظر إلى الساعة. كانت قد تجاوزت منتصف الليل بوقت طويل. تخيل سولي وهي نائمة إلى جوار أيان، وربما استيقظت للحظة لتتأكد أن ابنها بخير. لم يستطع تخيل ما قد يحدث لو علمت أن مورفون لم يكتفِ بتهديدها أو الطعن في نسب ابنها، بل تحدث عن التخلص منهما. كان سيخبرها، لكنه أراد أن يتحقق أولًا من بقية التفاصيل، وأن يتأكد من أن بإمكانه حمايتهما قبل أن يضع هذا الخوف الجديد في قلبها. قال مارك بحذر: — هل تريدني أن أرافقك إلى القصر؟ أومأ لوكا. — نعم. لكن قبل ذلك، تأكد من أن الطبيب لن يتمكن من التواصل مع أي شخص خارج الفريق الذي يحقق في القضية، وأن كل ما قدمه سيُسلّم إلى جهة مستقلة للتحقق منه. لن نسمح لمورفون بإخفاء الأدلة، لكننا لن نرتكب خطأً يجعل الحقيقة موضع شك أيضًا. ثم أضاف، وقد ازدادت نبرته حزمًا: — وأريد معرفة ما إذا كان قد اتخذ أي خطوة فعلية لاستهداف سولي أو أيان، وأين يمكن أن يكون قد وضع رجاله. — سأبدأ فورًا. استدار لوكا نحو باب المبنى، ثم توقف للحظة. كان الغضب يتصارع داخله مع خوف لم يسمح لنفسه بالشعور به منذ سنوات. لقد واجه رجالًا كثيرين طوال حياته، واعتاد التهديدات والمؤامرات، لكنه لم يشعر يومًا بأن الخطر صار شخصيًا إلى هذه الدرجة. لم يعد الأمر متعلقًا بمكانته بوصفه وريث فيتالي. ولم يعد الأمر متعلقًا بصراعه مع مورفون وحده. كان يتعلق بابنه. وبالمرأة التي أحبها ولم يستطع يومًا نسيانها. رفع لوكا رأسه نحو السماء المظلمة، ثم أخرج هاتفه واتصل بأحد الحراس المسؤولين عن القصر. ما إن جاءه الرد حتى قال بوضوح: — من هذه اللحظة، لن يدخل أحد إلى جناح الضيوف من دون التحقق من هويته والحصول على إذن. أريد الحراسة قرب المداخل والممرات، لكن دون إزعاج سولي أو الطفل. استمع إلى الرد، ثم أنهى الاتصال. بعدها نظر إلى مارك. — لن يعرف مورفون أننا عرفنا. فهم مارك ما يقصده. — تريد أن يعتقد أن خطته ما زالت تسير كما أراد. أومأ لوكا. — تمامًا. إذا اكتشف أننا نعرف شيئًا، فقد يغيّر خطته أو يتخلص من بقية الأدلة. ثم أضاف بصوت منخفض: — وهذه المرة، لن أعطيه فرصة أخرى. --- عندما عاد لوكا إلى القصر، كان الممر المؤدي إلى غرفة الضيوف هادئًا تمامًا. توقف أمام الباب. رفع يده وفتحها ببطء. كان المصباح الصغير بجوار السرير مضاءً، وقد تركت سولي ضوءًا خافتًا في الغرفة. أيان نائم بين الوسائد، يحتضن كتاب التنين الصغير، فيما كانت سولي مستلقية إلى جانبه، ويدها فوق الغطاء قرب كتفه. بدا كلاهما آمنًا. لكن لوكا لم يستطع النظر إليهما بالطريقة نفسها التي نظر بها إليهما قبل ساعات. فقد أصبح يعرف أن هناك رجلًا يريد إبعادهما عن العالم، وأن هذا الرجل لا يتردد في استخدام الأوراق المزيفة والتلاعب بمخاوف الآخرين لتحقيق أهدافه. اقترب من السرير، وجلس على الكرسي المجاور له. نظر إلى أيان طويلًا. كان ابنه. لم يحتج إلى وثيقة كي يشعر بذلك. لم يحتج إلى تقرير طبي أو توقيع مختوم أو موافقة من مورفون. لقد عرفه في اللحظة التي رآه فيها يركض نحوه، وفي المرة التي تمسك فيها بيده وسأله إن كان سيبقى معه. كان ابنه بكل ما في الكلمة من معنى. ومهما كشف التحقيق، فلن يسمح لوكا بأن يتحول أيان إلى هدف لأحد. رفع عينيه نحو سولي. تحركت قليلًا، ثم فتحت عينيها ببطء، وكأنها شعرت بوجوده. — لوكا...؟ اقترب منها فورًا. — أنا هنا. عودي إلى النوم. نظرت إلى الساعة، ثم إليه. — أين كنت؟ توقف لثانية. — كان عليّ أن أتحقق من أمر يتعلق بالأوراق. اعتدلت قليلًا، وظهر القلق في عينيها. — هل عرفت شيئًا؟ نظر إلى أيان النائم، ثم عاد إليها. لم يرد أن يكذب عليها، لكنه لم يكن مستعدًا لإخبارها بكل ما سمعه دون أن يمتلك صورة واضحة عن التهديد. مد يده وأمسك يدها. — بدأت أقترب من الحقيقة، لكنني أريد التأكد من كل شيء قبل أن أخبركِ بالتفاصيل. ظلّت تنظر إليه. — لوكا، أرجوك... لا تُخفِ عني شيئًا يتعلق بأيان. شعر بوخزة في صدره. كان يعرف أنها لم تعد تحتمل أن تجد نفسها آخر من يعرف ما يُدبّر لها أو لابنها. ضغط على يدها برفق. — لن أخفي عنكِ أي شيء يتعلق بسلامتكما. أعدكِ بذلك. تأملته سولي لحظات، ثم أومأت ببطء. — حسنًا. مسح بإبهامه على ظهر يدها. — حاولي أن ترتاحي. غدًا سيكون لدينا الكثير لنتعامل معه. عادت سولي إلى الوسادة، لكنها لم تترك يده. وبعد لحظات، أغمضت عينيها مجددًا. ظل لوكا جالسًا إلى جانبها، يراقب تنفسها الهادئ ويتأكد من أن أيان لم يستيقظ. ثم انحنى وقبّل جبين ابنه. — لن أسمح لأحد بأن يقترب منك بسوء يا بني. كانت كلماته همسًا خافتًا، لا يسمعه سواه. بعدها نهض ببطء، وألقى نظرة أخيرة على الاثنين. في الخارج، كان القصر غارقًا في السكون. لكن لوكا لم يعد يرى هذا السكون علامة على الهدوء. بل فرصة قصيرة ليجمع الأدلة، ويكشف كل ما أخفاه مورفون، قبل أن تتحول تهديداته إلى شيء لا يمكن التراجع عنه. أغلق الباب برفق، وبقيت يده على المقبض للحظة. ثم رفع عينيه نحو نهاية الممر. كان وجهه قد عاد إلى هدوئه البارد المعتاد، إلا أن قراره هذه المرة كان مختلفًا عن كل قراراته السابقة. لن يحارب مورفون من أجل اسم فيتالي، ولا من أجل السلطة أو الإرث. سيحاربه من أجل سولي وأيان، وسيكشف الحقيقة كاملة مهما حاول جده دفنها. وفي تلك الليلة، لم يعد لوكا يبحث عن دليل يثبت أن أيان ابنه. لقد كان يبحث عن دليل يثبت إلى أي حدٍّ ذهب مورفون ليحرمه من ابنه... وإلى أي حدٍّ كان مستعدًا للذهاب كي لا يسمح له بالعودة إلى حياته.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







