Share

193

last update publish date: 2026-10-18 15:01:51

[ حين اختفى الأمير الصغي]

صباحٌ لم يبدأ كما ينبغي

كان الصباح قد تسلل إلى القصر ببطء، ناشرًا ضوءه الذهبي خلف الستائر الثقيلة، بينما ظل الهدوء يلف أجنحته الواسعة.

في إحدى الغرف، تحرك أيان تحت الغطاء الناعم، ثم فتح عينيه ببطء.

فركهما بقبضتيه الصغيرتين، واستدار نحو الجانب الآخر من السرير، حيث كان يتوقع أن يجد أمه.

لكن المكان كان فارغًا.

رفع رأسه قليلًا.

— أمي؟

لم يأته جواب.

جلس على السرير، ونظر حوله. كانت الوسادة التي نامت عليها سولي مرتبة، والغطاء مطويًا عند طرفها، وكأنها غادرت منذ وقت طويل.

تراجع النوم عن عينيه دفعة واحدة.

— أمي؟

هذه المرة كان صوته أعلى.

أزاح الغطاء عن جسده، ونزل عن السرير حافي القدمين، ثم ركض نحو الحمام.

فتح الباب.

كان فارغًا.

عاد إلى الغرفة، وأطل برأسه خلف الستائر، ثم فتح باب الخزانة قليلًا، وكأنه يتوقع أن تكون أمه مختبئة خلف ثيابها وتمزح معه.

لكنها لم تكن هناك.

بدأ صدره الصغير يرتفع وينخفض بسرعة.

تذكر كل ما حدث بالأمس؛ الوجوه الجديدة، ونظرات الجد مورفون، والأوراق التي تحدث عنها، والطريقة التي تشبث بها بأبيه عندما حاول ذلك الرجل إبعاده عنه.

لم يكن قد اعتاد القصر بعد.

ولم يكن يعرف لماذا يشعر بأن كل شيء فيه مخيف، رغم اتساعه وجماله.

ركض نحو الباب وفتحه.

— أمي! أين أنتِ؟

خرج إلى الممر، ونظر يمينًا ويسارًا.

— أمي!

لم يكن هناك أحد قريب منه.

ثم سمع صوت خطوات بطيئة تقترب.

خطوات ثقيلة، تتبعها ضربة خفيفة بعصا على الأرض.

توقف أيان عن الحركة.

رفع عينيه.

كان مورفون يقف في نهاية الممر.

ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة، ثم اقترب منه ببطء.

— صباح الخير، أيها الأمير الصغير.

لم يرد أيان.

تراجع خطوة إلى الوراء.

كان يتذكر وجه ذلك الرجل جيدًا، ويتذكر كيف تحدث عن أمه وأبيه بالأمس، وكيف أمسك به محاولًا إبعاده عن لوكا.

لاحظ مورفون خوفه، لكنه لم يبدُ منزعجًا منه.

بل انحنى قليلًا حتى أصبح في مستوى عينيه.

— ما بك؟ لماذا تبدو خائفًا هكذا؟

همس أيان:

— أريد أمي.

— أمك؟

ألقى مورفون نظرة عابرة نحو الغرفة، ثم عاد ينظر إليه.

— ربما تكون مشغولة الآن.

ارتجفت شفتا أيان.

— أريد الذهاب إليها.

— لاحقًا، يا صغيري. أريد أن أتحدث معك أولًا.

هز أيان رأسه بسرعة.

— لا أريد.

استقام مورفون، ثم دخل الغرفة من دون أن ينتظر موافقته.

— تعال. لن يستغرق الأمر طويلًا.

لكن أيان بقي قرب الباب.

نظر مورفون إليه لحظة، ثم قال بنبرة هادئة على نحو أثار الخوف أكثر مما أثار الطمأنينة:

— يبدو أنك لا تفهم وضعك في هذا البيت حتى الآن.

ابتلع أيان ريقه.

— أنا ابن أبي لوكا.

توقفت ابتسامة مورفون للحظة.

ثم عادت إليها ببطء.

— حقًا؟

أومأ أيان بقوة، محاولًا أن يبدو شجاعًا.

— نعم. هو أبي، وأمي قالت لي ذلك.

اقترب مورفون منه خطوة.

— وهل أخبرك أحد أن لوكا لا يريدك هنا؟

اتسعت عينا أيان.

— لا... أبي يحبني.

— هل أنت متأكد؟

هز أيان رأسه، لكن يديه الصغيرتين بدأتا ترتجفان.

تابع مورفون بصوت منخفض:

— فكّر جيدًا. لوكا رجل مهم، وله عائلة وقصر ومسؤوليات كثيرة. هل تظن أنه سيترك كل ذلك من أجلك؟ خصوصًا إذا اكتشف أنك لست ابنه الحقيقي؟

تجمد أيان.

كأن الكلمات لم تصل إلى عقله في البداية.

ثم ظهرت الدموع في عينيه.

— أنت تكذب.

رفع مورفون حاجبيه.

— أحقًا؟

— أبي قال إنه أبي!

— ربما قال ذلك لأنه يشفق عليك.

هز أيان رأسه بعنف.

— لا! أبي يحبني!

بدأ صوته يرتجف، وانسابت دمعة على خده.

— وأمي تحبني... وهما لن يتركانني.

نظر مورفون إليه طويلًا، ثم أطلق ضحكة قصيرة باردة.

— أنت صبي ذكي فعلًا، أيان. لكنك ما زلت صغيرًا جدًا لتفهم كيف تسير الأمور بين الكبار.

تراجع أيان حتى اصطدمت ساقه بطرف السرير.

— أريد أمي...

— كفّ عن البكاء.

رفع مورفون يده، وأخرج قطعة قماش كان قد أعدها مسبقًا، ثم اقترب من الطفل بسرعة قبل أن يتمكن من الهرب.

حاول أيان الابتعاد، لكن مورفون أمسكه ووضع قطعة القماش على فمه.

اتسعت عينا الطفل، وراح يحاول إبعاد يد الرجل عنه، بينما خرج صوت مكتوم من خلف القماش.

— ممم...!

لم تكن لديه القوة الكافية لمقاومة رجل بالغ.

وبعد لحظات، بدأ جسده الصغير يفقد توازنه.

أمسكه مورفون قبل أن يسقط، ثم نظر إلى وجهه الشاحب.

— كان بإمكانك أن تجعل الأمر أسهل، أيها الصغير.

لم يجبه أيان.

كانت عيناه قد أُغلقتا، وارتخت ذراعاه.

حمله مورفون بين ذراعيه، ثم ألقى نظرة أخيرة على الغرفة الفارغة.

— لن يعرف أحد أنك كنت هنا.

خرج من الباب الجانبي المؤدي إلى ممر قليل الاستخدام، وقد أخفى الطفل بين معطفه الواسع.

وبعد دقائق، اختفى الاثنان داخل القصر الكبير.

لم يسمع أحد شيئًا.

ولم يتخيل أحد أن أسوأ ما يمكن أن يحدث في ذلك الصباح قد بدأ بالفعل.

---

في الجناح الآخر من القصر، كانت سولي تقف في المطبخ الصغير الملحق بصالة الطعام.

ارتدت ثوبًا بسيطًا، وجمعت شعرها الأسود إلى الخلف، بينما كانت تضع قطع الخبز الصغيرة في سلة وتجهز طبقًا من الفاكهة.

كانت إيلارا تقف إلى جوارها، تساعدها في ترتيب الأطباق.

رفعت إيلارا قطعة من التفاح، ثم نظرت إليها بابتسامة.

— أتعرفين؟ لم أتخيل يومًا أن أراكِ في قصر فيتالي من جديد.

ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيها.

— وأنا أيضًا.

— بالأمس، عندما رأيتكِ تدخلين مع لوكا، شعرت وكأنني أحلم. والآن أنتِ هنا، ومعكِ أيان...

توقفت لحظة، ثم أضافت برقة:

— أتمنى أن تجدي بعض الراحة أخيرًا.

خفضت سولي عينيها إلى الطبق.

— أتمنى ذلك أيضًا.

لم تكن تريد الاعتراف بأنها لم تنم جيدًا.

فكلما أغمضت عينيها، تذكرت الأوراق التي أخرجها مورفون، ونظرته وهو يشكك في نسب أيان.

لم تكن تخشى أن يشكك أحد في حب لوكا لها فحسب.

بل كانت تخشى أن يستخدم مورفون ابنها لإيذائها، تمامًا كما فعل في الماضي مع عائلتها.

وضعت آخر قطعة من الخبز في السلة، ثم تنهدت.

— سأحمل الفطور إلى أيان. أعتقد أنه يحتاج إلى بعض الهدوء بعيدًا عن كل هذه الوجوه الجديدة.

أومأت إيلارا بتفهم.

— فكرة جيدة. سأساعدكِ في حمل الصينية.

حملت سولي الصينية، ثم التفتت نحو الباب.

— سنتناول الفطور معًا في الغرفة اليوم. لا أريده أن يشعر بأنه مضطر إلى الجلوس وسط الجميع وهو ما زال متوترًا.

وقبل أن تتحرك، جاءها صوت مألوف من خلفها:

— إذًا ستتناولين الفطور مع ابني من دوني؟

توقفت سولي.

التفتت، فرأت لوكا واقفًا عند المدخل، وقد ارتدى قميصًا أسود بأكمام مطوية قليلًا، وبدا شعره الأسود مبعثرًا بشكل طبيعي حول أذنيه.

كان يحمل كوب قهوته، ويراقبها بنظرة تجمع بين العتاب والمزاح.

رفعت سولي حاجبها.

— هل ستعترض على فطور طفل؟

اقترب لوكا، ونظر إلى الصينية.

— لا. لكنني أعترض على أن أكتشف أن زوجتي تخطط لتناول الفطور مع ابني وتتركني وحدي.

احمر وجه سولي قليلًا عند كلمة «زوجتي»، لكنها أخفت ارتباكها بسرعة.

— يمكنك أن تأكل معنا إذا أردت.

ابتسم لوكا ابتسامة جانبية.

— هذا كل ما كنت أريد سماعه.

تدخلت إيلارا وهي تضحك:

— يا إلهي، لوكا، إنها لم تمنعك من الطعام. كانت تريد فقط أن تمنح أيان بعض الهدوء.

نظر إليها لوكا.

— أعرف.

ثم عاد ينظر إلى سولي، وخفتت ابتسامته قليلًا.

— وأنا أعرف أنه يحتاج إلى الهدوء. لكنني لا أريده أن يشعر بأنه وحيد في هذا البيت.

تبدلت ملامح سولي للحظة.

كان في كلامه شيء طمأنها.

أومأت.

— لهذا أريد أن أكون معه.

— وأنا أيضًا.

مد يده ليأخذ الصينية منها، لكنها أبقتها بين يديها.

— أستطيع حملها.

— لم أقل إنكِ لا تستطيعين.

— إذًا اتركها.

نظر إليها لحظة، ثم تركها وهو يرفع يديه استسلامًا.

— كما تأمرين، سيدتي.

ابتسمت إيلارا، وكادت تعلق على طريقتهما، لكن صوت خطوات صغيرة قاطعها.

— عمي لوكا!

التفت الجميع.

كانت ثيا تركض نحوهم، بشعرها الصغير المتحرك مع خطواتها، ووجهها المشرق الذي يشبه لورينزو بطريقة لا تخطئها العين.

انحنى لوكا قليلًا، فاندفعت ثيا نحوه.

حملها بين ذراعيه، فلفت ذراعيها الصغيرتين حول عنقه.

— صباح الخير، يا مشاكسة.

ضحكت ثيا.

— صباح الخير!

ثم نظرت حولها بفضول.

— أين أيان؟

أجاب لوكا وهو يعدلها بين ذراعيه:

— ما زال نائمًا، على ما أظن.

عبست ثيا.

— لا، ليس نائمًا.

توقفت ابتسامة لوكا.

— ماذا تقصدين؟

أشارت ثيا نحو الممر.

— ذهبت إليه. كنت أريد أن أريه لعبتي الجديدة، لكنني لم أجده في الغرفة.

تجمدت سولي.

بقيت الصينية بين يديها، لكنها شعرت وكأن وزنها تضاعف فجأة.

أما لوكا، فاختفت كل ملامح المزاح عن وجهه.

— ماذا قلتِ يا ثيا؟

نظرت الطفلة إليه باستغراب.

— أيان ليس في الغرفة. ناديت عليه، لكنه لم يجب.

وضعت سولي الصينية على الطاولة بسرعة حتى كادت الأطباق تصطدم ببعضها.

— لا... لا، ربما انتقل إلى غرفة أخرى.

قالتها وهي تحاول إقناع نفسها أكثر مما تحاول إقناع الآخرين.

ثم التفتت نحو إيلارا.

— هل رأيتِه؟ هل مرّ من هنا؟

هزت إيلارا رأسها ببطء.

— لا، لم أره.

اندفعت سولي خارج المطبخ.

— أيان!

ركضت نحو الغرفة التي نام فيها، وفتحت الباب بعجلة.

كانت فارغة.

السرير غير مرتب، والغطاء منزلق إلى الأرض، لكن أيان لم يكن هناك.

دخلت الحمام.

— أيان؟

لا جواب.

فتحت باب الخزانة، ثم خرجت إلى الممر.

— حبيبي، أين أنت؟

وصل لوكا خلفها، وقد أعطى ثيا إلى إيلارا.

— سولي، انتظري. سنبحث عنه معًا.

لكنها لم تكن تسمعه.

ركضت إلى الغرفة المجاورة، ثم إلى الصالة، وفتحت أبوابًا لم تكن تعرف حتى ما يوجد خلفها.

— أيان!

بدأ صوتها يتكسر.

— حبيبي، أمك هنا! إذا كنت تلعب، فكفى يا قلبي... اخرج!

لم يظهر.

لم يضحك.

لم يركض إليها كعادته.

لم يقل لها إنه اختبأ في مكان ذكي ولن تستطيع العثور عليه.

كان هناك صمت فقط.

صمت أخذ يضغط على صدرها حتى شعرت أنها لا تستطيع التنفس.

---

انتشر أفراد العائلة والخدم في أرجاء القصر.

كانت كارلي تسأل كل من تراه إن كان قد لمح أيان، بينما أخذ لورينزو يبحث في الممرات والغرف القريبة، وبقيت إيلارا مع ثيا التي بدأت تشعر بأن أمرًا سيئًا قد حدث.

أما سولي، فلم تتوقف عن الركض.

فتحت باب غرفة الضيوف.

ثم غرفة المكتبة.

ثم عادت إلى الدرج، وصعدت درجاته بسرعة وهي تنادي:

— أيان! أرجوك، أجبني!

وصلت إلى نهاية الممر، ونظرت خلف الستائر الثقيلة، ثم فتحت بابًا آخر.

لا شيء.

عادت إلى الدرج، وقد بدأت الدموع تنهمر من عينيها.

— أيان، أمك تبحث عنك!

شعرت بيد تمسك ذراعها.

كان لوكا.

— سولي، توقفي لحظة.

التفتت إليه بعينين مذعورتين.

— اتركني! ابني ليس هنا!

— أعرف، وسنجده.

— لا، أنت لا تفهم! إنه صغير، ولا يعرف القصر! ربما يكون قد خاف... ربما يكون يبكي ويناديني!

انكسر صوتها عند آخر كلمة.

أمسك لوكا بكتفيها برفق، محاولًا جعلها تنظر إليه.

— انظري إليّ، سولي. سنجده. أعدكِ.

هزت رأسها وهي تبكي.

— كيف ستجده؟ القصر كبير! هناك ممرات وغرف لا أعرفها حتى أنا!

— سأغلق المخارج، وسأجعل الجميع يبحثون في كل جناح. لن يخرج أحد من دون أن نعرف.

ابتعدت عنه خطوة، ثم عادت تنظر حولها كأنها تتوقع أن يظهر أيان فجأة من خلف أحد الأبواب.

— كان معي بالأمس... كان يضحك، وكان يناديني أمي...

وضعت يدها على فمها، وبدأ جسدها يرتجف.

— لقد وعدته بأنني لن أتركه وحده...

اقترب لوكا منها، فانهارت بين ذراعيه.

تشبثت بقميصه وهي تبكي بانهيار، حتى صار صوتها متقطعًا وغير قادر على تشكيل الكلمات.

احتضنها لوكا بقوة، لكنه أبقى عينيه تتحركان في الممر، محاولًا أن يبدو ثابتًا من أجلها، رغم أن الخوف كان يشتعل داخله هو الآخر.

لم يكن أيان مجرد طفل اختفى داخل قصر.

كان ابنه.

الطفل الذي لم يعرف بوجوده خمس سنوات كاملة، والذي بدأ أخيرًا يناديه «أبي» من دون خوف أو تردد.

ولن يسمح لأحد أن يسلبه منه مرة أخرى.

اقتربت كارلي، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ووضعت يدها على ظهر سولي.

— سنجده يا ابنتي. سنجده، أعدكِ.

أما لورينزو، فوقف على مقربة منهم، وقد اختفت خفة ظله المعتادة تمامًا.

— لوكا، لقد فتشنا الجناح الشرقي. لا أثر له.

نظر لوكا إليه بحدة.

— فتشوا الجناح الغربي والمخازن وكل الممرات الجانبية. وأرسلوا رجالًا إلى البوابات. لا أريد أن يغادر أحد القصر قبل أن نعرف ما حدث.

أومأ لورينزو وغادر مسرعًا.

بقيت سولي في أحضان لوكا، تبكي وهي تكرر اسم ابنها.

— أيان... حبيبي...

ثم حدث شيء غريب.

توقفت فجأة عن البكاء.

لم ترفع رأسها فورًا، لكنها ابتعدت عن لوكا ببطء، ومسحت وجهها بكف مرتجف.

نظر إليها لوكا بقلق.

— سولي؟

رفعت عينيها.

كانت الدموع لا تزال على خديها، لكن شيئًا آخر ظهر في نظرتها.

غضب حاد.

غضب لم يكن يشبه خوفها السابق، بل كان أكثر هدوءًا وأشد خطورة.

تذكرت أوراق مورفون.

وتذكرت تهديده.

وتذكرت كيف حاول بالأمس أن ينتزع أيان من بين ذراعي أبيه.

لم تكن مجرد مصادفة.

لم تستطع إثبات ذلك بعد، لكن قلبها كان يصرخ بأن مورفون يعرف أكثر مما يقول.

استدارت نحو نهاية الممر.

ثم صرخت:

— موووورفوون!

دوّى صوتها في أرجاء القصر، حتى إن الخدم توقفوا في أماكنهم، والتفت أفراد العائلة إليها بصدمة.

لم يسبق لهم أن سمعوا سولي تصرخ بهذه الطريقة.

حتى لوكا تجمد للحظة.

— سولي...

لكنها كانت قد بدأت تتحرك.

رأت على طاولة جانبية سكينًا صغيرة تُستخدم لتقطيع الفاكهة، فالتقطتها بيد مرتجفة، ثم اندفعت نحو الممر المؤدي إلى مكتب مورفون.

انتبه لوكا إلى السكين، وتغير وجهه فورًا.

— سولي! توقفي!

لم تتوقف.

— سولي، لا تفعلي شيئًا متهورًا!

ركض خلفها.

لكنها كانت تتحرك بسرعة، مدفوعة بخوفها على ابنها وغضبها الذي لم يعد يحتمل البقاء حبيس صدرها.

وصلت إلى باب المكتب، ودفعته بقوة حتى ارتطم بالجدار.

كان مورفون جالسًا خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق، وكأن الصباح يسير بصورة طبيعية تمامًا.

رفع رأسه ببطء.

وما إن رأى سولي حتى توقفت يده فوق الورقة.

كانت تقف عند الباب، وشعرها الأسود قد انفلت حول وجهها، ودموعها ما تزال تلمع على خديها، بينما قبضت يدها على السكين.

لم تكن تبدو كزوجة جاءت لتطلب تفسيرًا.

كانت أمًّا تبحث عن طفلها.

أمًّا لم يبقَ في قلبها مكان للخوف.

نهض مورفون ببطء، وألقى نظرة على السكين، ثم رفع عينيه إليها.

— يبدو أنكِ فقدتِ أعصابكِ يا سولي.

تقدمت خطوة.

— أين ابني؟

لم يتغير وجهه.

— أي ابن تقصدين؟

ارتجفت يدها، لكنها رفعت ذقنها.

— لا تعبث معي.

ابتسم مورفون ببرود.

— عليكِ أن تتعلمي كيف تتحدثين إلى من هو أكبر منكِ.

تقدمت خطوة أخرى.

— سألتك: أين أيان؟

في تلك اللحظة، وصل لوكا إلى الباب، وتوقف عندما رأى السكين في يدها ومورفون أمامها.

— سولي، انظري إليّ.

لم تلتفت.

كانت عيناها مثبتتين على مورفون.

قالت بصوت مبحوح، لكنه واضح:

— إذا كان ابني قد أصابه مكروه...

توقفت، وابتلعت الغصة التي أغلقت حلقها.

ثم تابعت:

— أقسم لك أنني سأجعل كل شخص في هذا القصر يعرف ما فعلته.

أمال مورفون رأسه قليلًا، وكأن تهديدها لم يؤثر فيه.

— هل تتهمينني باختفاء الطفل لمجرد أنكِ لم تجديه في غرفته؟

— لأنك الوحيد الذي كان يريد إبعاده عن أبيه!

تغيرت ملامح مورفون للحظة، لكنها كانت خاطفة.

لاحظها لوكا.

ولاحظتها سولي أيضًا.

فازدادت قناعتها اشتعالًا.

— أنت تعرف أين هو.

لم يجب.

تقدمت نحوه، لكن لوكا تحرك فورًا، وأمسك بمعصمها بحذر، من دون أن يؤذيها، محاولًا إبعاد السكين عن طريقهما.

— سولي، أعطيني إياها.

التفتت إليه بعينين دامعتين.

— لوكا، لقد أخذ أيان!

— لا نعرف ذلك بعد.

— انظر إليه! انظر إلى وجهه! إنه لا يهتم حتى باختفاء ابني!

ثبت لوكا نظره على مورفون.

كان وجه الرجل هادئًا أكثر مما ينبغي.

قال لوكا ببطء:

— إذا كنت تعرف شيئًا عن مكان أيان، فهذه فرصتك لتقوله.

ضحك مورفون ضحكة خافتة.

— وهل ستصدق اتهاماتها الآن؟

لم يرد لوكا.

لكنه لم يبعد عينيه عنه.

أما سولي، فكانت لا تزال ترتجف بين الخوف والغضب، وعيناها معلقتان بوجه الرجل الذي كرهته منذ اللحظة التي عرفت فيها أنه كان وراء موت والديها.

همست:

— أعد إليّ ابني...

وللحظة قصيرة، تراجع شيء في صوتها.

لم تعد تصرخ.

لم تعد تهدد.

كانت فقط أمًّا تتوسل من أجل طفلها.

— أرجوك... أعد إليّ أيان.

ساد الصمت في المكتب.

حتى مورفون لم يبتسم هذه المرة.

لكن صمته لم يمنحها جوابًا.

وكان ذلك أسوأ من أي اعتراف.

شدّ لوكا يده حول معصم سولي برفق، ثم أخذ السكين منها ووضعها بعيدًا، قبل أن يقف إلى جانبها.

لم يحاول إجبارها على المغادرة.

ولم يطلب منها أن تصمت.

قال فقط، وهو ينظر مباشرة إلى مورفون:

— لن تنتهي هذه المسألة حتى يعود ابني إلى أمه.

ثم أضاف بصوت أكثر برودة:

— وإذا كان لك أي دور في اختفائه، فسأكشفه مهما كلفني الأمر.

ظل مورفون واقفًا خلف مكتبه.

لم يعترف.

ولم ينكر بطريقة مقنعة.

لكن عينيه انتقلتا للحظة إلى الباب الجانبي خلفه.

كانت حركة صغيرة، ربما لم ينتبه إليها أحد.

إلا لوكا.

وإلا سولي، التي كانت تراقب كل حركة منه كأنها تبحث عن خيط واحد يقودها إلى ابنها.

التفت لوكا ببطء نحو الباب الجانبي.

ثم عاد ينظر إلى مورفون.

وفي تلك اللحظة، أدرك أن اختفاء أيان لم يكن مجرد تهديد جديد.

لقد بدأ مورفون حربه الحقيقية.

لكن هذه المرة، لم يكن لوكا وحده من سيواجهه.

كانت سولي مستعدة لأن تحرق كل الجدران التي تحاصرها...

فقط لتعيد ابنها إلى حضنها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status