Mag-log in#اسبانيا كانت نيهان جالسة في قلب مكتب المصنع... تتجول بأنظارها الحادة هنا وهناك، متأملة أرجاء المكان بفضول هادئ. بين الفينة والأخرى، كانت تسترق النظر من النافذة الزجاجية نحو العمال المنهمكين في عملهم الشاق، ثم تعود لتستقر في مقعدها بكل ثقة. انتظرته طويلاً، لكن صبرها النابع من صلابتها المعهودة لم يتزعزع، ولم تصدر عنها أية بادرة تذمر من طول الانتظار... حتى جاء الفرج ودخل إليها بخطى بطيئة ومدروسة، لتقع عيناه فجأة على امرأة فاتنة... واقفة تبتسم بهدوء وتطالعه برزانة وثقة لا تهتز. ماتيو، بنبرة يشوبها الاعتذار: > "أعتذر عن تأخري... الطريق طويلة، وتكون وعرة ومظلمة في مثل هذا الوقت من الليل." > نيهان، وقد رفعت حاجبها بعدم فهم نظراً لتحدثه بالإسبانية، فأجابته بلهجة انجليزية: > "لا أجيد الإسبانية... لكنهم أخبروني قبل مجيئي أنك تتقن الإنجليزية بطلاقة." > ماتيو، مبتسماً بفضول: > "إذن، هل لي أن أعرف من تكون هذه الضيفة الغامضة؟" > نيهان: > "هذا لا يهم كثيراً..." > ثم مدت يدها نحوه بحركة راقية، وأردفت: > "الأهم حقاً هو سبب مجيئي إلى هذا المكان النائي." > ماتيو، و
لم تذق لينا طعم النوم الهانئ، ولا عرفت للراحة العميقة سبيلاً منذ أسبوعٍ طويلٍ انقضى بين صخب الشوارع، وزحام المحلات، والتنقل من متجرٍ إلى آخر، حتى بدا وكأنها لم تترك مكاناً في المدينة إلا وطأت قدماها عتبته. ومع ذلك، كان كل ذلك الإرهاق يتلاشى تماماً مع إشراقة كل صباح. فما إن تفتح عينيها حتى كانت تنهض بنشاطٍ غريب، وكأن جسدها لم يعرف التعب قط، ثم تسرع بخطواتٍ شغوفة نحو غرفة توأم دايمون. لقد احتلت تلك الوجوه الصغيرة والبريئة مساحةً دافئة في روحها، وتسللت محبتهما إلى قلبها دون استئذان.. وفي كل مرة كانت تهمّ بمغادرة الغرفة، ما إن تخطو بضع خطوات حتى كان أحدهما يجهش بالبكاء، وسرعان ما يلحق به الآخر، وكأنهما يعترضان بطريقتهما الطفولية على غيابها. فتتوقف لينا، وتلتفت إليهما بقلبٍ يلين على الفور. — «حسناً، حسناً... لن أذهب. ماذا تريدان مني؟» وكان يكفي أن تعود إليهما حتى يهدأ بكاؤهما شيئاً فشيئاً، فتبتسم رغماً عنها، وتحملهما بين ذراعيها، مستمتعة برائحتهما الطفولية المغرية. وأحياناً، حين يشتد بكاؤهما ولا تفلح محاولات التهدئة، كانت تضطر إلى إرضاعهما حتى يسكنا، فتظل بجوارهما طويلاً، ت
تغيّرت ملامح فلوريان في لحظة، وكأن ردّ الموظفة لم يكن مجرد رفضٍ عابر، بل استفزازًا مباشرًا لكبريائه. تقدّم خطوة إلى الأمام، واستقامت قامته، ثم قال بنبرة هادئة في ظاهرها، إلا أن الغضب كان واضحًا بين حروفها: — «أسرار مهنية؟» رفعت الموظفة حاجبها: — «نعم، سيدي. وأعتقد أنني أوضحت الأمر بما يكفي.» ضيّق فلوريان عينيه، ثم مال قليلًا نحوها: — «بل لم توضحي شيئًا سوى أنك لا تعرفين كيف تتحدثين مع النزلاء باحترام.» اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بفتور: — «أنا أؤدي عملي وفق أنظمة الفندق، ولا أرى سببًا يدعوني لتلقّي هذا الأسلوب.» ضحك فلوريان ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم أخرج هاتفه من جيبه ورفعه أمامها. — «وهل تعتقدين أنني أتيت إلى هنا لأجادلك؟» ترددت الموظفة للحظة. — «سيدي... ماذا تقصد؟» — «أقصد أن مكالمة واحدة مني قد تكون كافية ليعرف المسؤول عن هذا الفندق كيف يتعامل موظفوه مع ضيوفهم.» اتسعت عيناها قليلًا، لكنها حاولت الحفاظ على تماسكها. — «أنا لم أخالف أي نظام.» أجابها فلوريان فورًا: — «ربما لم تخالفي نظامًا مكتوبًا، لكنك تجاوزتِ الحدود. كان بإمكانك رفض الإجابة بأدب، بدلًا من أن ت
قضيا الليل بأسره ملتصقين بالجدار في ركنٍ مظلم، يتوارى عن الأنظار، ويكابد فلوريان ألم الوقوف وتعب ظهره، بينما كان يرمق لينا بين حين وآخر بنظراتٍ تجمع بين العتاب والاستنكار. وأخيرًا، لم يعد قادرًا على الصمت، فتمتم بصوتٍ خافت يحمل مزيجًا من السخط والإرهاق: — «أحقًّا ارتكبتُ ذنبًا عظيمًا يستحق كل هذا العقاب؟ قدماي تكادان تنفصلان عن جسدي، وظهري يطلب العفو... لماذا استسلمتُ لأفكاركِ هكذا؟!» التفتت إليه لينا ببطء، ورفعت سبابتها أمام شفتيها محذّرةً إياه من رفع صوته، ثم أجابته هامسةً، وقد بدا عليها التركيز الشديد: — «أرجوك، كُفّ عن التذمّر واصبر قليلًا... لقد اقترب موعد سقوطهم في نومٍ عميق. إذا تحمّلتَ هذه الدقائق، فلن يضيع كل هذا العناء سُدًى.» زفر فلوريان بضيق، وأسند رأسه إلى الجدار خلفه، ثم تمتم ساخرًا: — «دقائق؟ لقد قلتِ ذلك منذ ساعات!» كادت لينا تبتسم، لكنها تماسكت سريعًا، وأشارت إليه بالصمت. — «ششش... هل تريد أن تفسد كل شيء الآن؟» — «لا، بالطبع لا... لكنني بدأت أشك في أنني سأبقى على قيد الحياة حتى نهاية هذه المغامرة.» عضّت لينا على شفتيها كي لا تضحك: — «تحمّل قليلًا ي
انكمشت ليرا على نفسها في محاولة يائسة لستر جسدها، حتى إن خصلات شعرها الطويلة التي كانت تتوارى خلفها قد قُصَّت في لحظة غضب... أخرجها من ذلك البيت الزجاجي، سالكاً طريقاً جانبية سرية لتفادي أي عابر. صعدا معاً عبر أدراج معزولة، وكانت تعاني من دوخة تجعل عينيها تدوران في غشاوة من الإنهاك والدوار. ليرا (بصوت منهك): أين نحن... ما هذا المكان؟ جاد (بنبرة هادئة وثابتة): نحن في قلب القصر. ليرا (بعيون تائهة): ولكن لم أرى هذا الدرج من قبل. جاد (وهو يبتسم): لا يزال هنالك الكثير من الزوايا والأسرار التي لم ترَيها بعد هنا... ...وصولاً إلى الغرفة، دفع الباب بقدمه ثم أغلقه ووضعها برفق فوق الفراش الواسع، واقفاً يتأملها مطولاً... كان يمعن النظر في جسدها الذي تطبعه الآثار القاسية لضربات الحزام. كانت مرتخية الأطراف، خائرة القوى، لكن عينيها كانتا تترقبان بحذر وشوق ما سيقدم عليه. اقترب منها بخطوات بطيئة، وبدأ يمرر لسانه بحنان على رجليها وفخذيها، صاعداً تدريجياً حيث توجد آثار ذلك الألم الذي تسبب لها به، يداعب الجروح بلسانه وقبلاته الدافئة... كانت ليرا تزداد اشتعالاً مع كل لمسة من أفعاله. ليرا (بتثاقل):
غادر جاد المكان بخطوات خفيفة، وقد زال ذلك الثقل الخانق الذي أطبق على صدورهم قبل برهة. فقد تحرروا من شبح الانتظار والقلق، وبموافقة "دي فالك" بدأ التحضير الفعلي لزواجهم. في المقابل، كان "جاد" يصعد الدرج بخطوات ثقيلة ومتعثرة؛ فكل خطوة يخطوها إلى الأمام كانت روحه تتراجع إثرها خطوتين إلى الوراء. وكلما تذكر إقدامها المتهور على قص شعرها، اشتعل في صدره غضب عارم يمتزج بحقد صامت. أخذ نفساً عميقاً يهدئ به ثورة أعصابه وتابع طريقه إلى غرفتها، لكنه لم يجدها هناك. هبط مجدداً نحو الطابق السفلي متوجهاً إلى المطبخ؛ وما إن وطأت قدماه العتبة حتى ساد صمت مطبق وتسمّر الجميع في أماكنهم، متطلعين إليه بنظرات يملؤها الترقب والخوف. سأل بنبرة قاطعة وحادة: أين هي ليرا؟ أجابت "هيلدا" بصوت يرتجف توجساً: كانت معنا هنا منذ لحظات، ثم غادرت. إلى أين ذهبت؟ لا علم لي البتة يا سيدي! التفت جاد بعينين محتدتين فرأى "ماريت" منكمشة في إحدى الزوايا، تخفي يديها بارتجاف واضح، فصاح بها: لماذا تتصرفان هكذا كأنكما تخفيان جريمة؟ ماريت: أقسم برب السماوات يا سيدي لم نرتكب خطيئة قط... أنا لم أعد أصعد إليها أبداً منذ أن طردتن
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس







