ログインبعد مرور ساعة طويلة بدت وكأنها دهر من مرارتها، دوّى صوت محرك يعلن عن وصول سيارة نقل الأموات السوداء، لتتوقف وسط باحة القصر الواسعة بكل رهبتها وقسوتها التي تقبض النفوس وتجمّد الدم في العروق. وما إن توقفت السيارة حتى شعر الجميع وكأن الهواء نفسه قد انقطع عن صدورهم. ترجل الجميع بخطواتٍ مترنحة كمن يمشي على الزجاج. كانت لينا منهارة تمامًا، تطلق صرخاتٍ هستيرية موجعة تشق الصمت، بينما كان دايمون يحيط بها بذراعيه القويتين والصلبتين، يحاول جاهدًا وبكل قوته منعها من السقوط أرضًا كشجرة اقتلعتها العاصفة. — لينا... اهدئي أرجوكِ! لكنها لم تكن تسمع شيئًا، كانت مرفوعةً تمامًا. تقدم الحراس بملامح منكسرة نحو مؤخرة السيارة، وبدؤوا بإنزال التابوت الأول الذي حمل في جوفه رفات إليسا الطاهرة، تلاه التابوت الثاني الذي ضم جثمان والدتها ريتا. كان الخدم واقفين بذهول في الزوايا، تغرق وجوههم في دموعٍ صامتة وحارقة، عاجزين عن فعل أي شيء أمام عظمة الموت وجبروته. أما جوليا، فقد كانت غارقة تمامًا في صدمة عمياء؛ منذ أن عرفت بقصة علاقة أليساندرو السرية بإليسا، ثم خبر حملها المفاجئ، والآن الموت بهذه الطريقة البشعة..
🥀ألمانيا أشرق صباحٌ جديد على القصر، وكانت السماء وكأنها ترتدي ثوب الحداد؛ تغزو الغيوم الرمادية الثقيلة الأفق بلونٍ باهت وكئيب، بلا شمس تبعث الدفء، ولا مطر يغسل آثار الفجيعة والدمار. بدا الصباح باردًا، مثقلًا بأوزار الفقد، خاليًا من أي ملامح للحياة، وكأن الطبيعة نفسها قد وقفت صامتةً في حدادٍ مرير على من رحلوا بلا رجعة. وفي رحاب القصر، تحجّر الصمت في الحناجر، وكأن الكلمات أُعدمت جماعيًا، ولم يعد أحد يملك القدرة على انتزاع حرفٍ واحد من بين أنياب الصدمة المروعة. كانت الوجوه شاحبة، والعيون محمرة من البكاء والأرق الطويل، والجميع أسرى لكابوسٍ حقيقي مرعب يرفض التلاشي أو الانقشاع، كابوسٍ ينقل صور النيران اللعينة وهي تأكل الأخضر واليابس، وكل تلك اللحظات القاسية التي كان فيها الموت أسرع ألف مرة من قدرتهم على الإنقاذ أو التدخل. لم تكن النار مجرد حريقٍ عابر أتى على حجرٍ وبشر، بل كانت هالةً شيطانية من الدمار العالق في الأذهان، تطارد أنفاسهم كاللعنة التي لا تبرح مكانًا ولا ترحم فؤادًا. وفي حديقة القصر، وقف دايمون ببدلته السوداء الحالكة كجبل من الجليد الصلب. كان ساكنًا بصورةٍ غامضة، ملامحه جا
أجاب جاد ببساطة ودون تردد: — قنافذ محشوة... ساد صمت مطبق في أرجاء الغرفة. توارت ليرا خلف ظهر هندريك بخجل شديد، وقد اشتعلت وجنتاها احمرارًا. ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة: — لم أسمع بهذا الطبق الغريب من قبل... ولكنه بلا شك غني بالتوابل اللاذعة والبهارات الحارة. وأنت يا سيدي لديك حساسية مفرطة تجاه الأكل الحار، فلا تقربه مرة أخرى مطلقًا، وإلا عرّضت حياتك للخطر. قال جاد بهدوء عجيب، وكأن الأمر لا يعنيه: — لا بأس بذلك... سأتعافى قريبًا ولا داعي للتهويل. ناوله الدواء، وقال بنبرة صارمة: — تناول هذا الدواء فورًا، وإياك أن تتناول أي طعام حتى يطلع صباح يوم غد. أومأ جاد برأسه إيجابًا، بينما غادر الطبيب الغرفة بصحبة هندريك. أغلقت ليرا الباب، ثم أقبلت نحوه بخطوات بطيئة، يعلوها الارتباك والشعور بالذنب. جلست بجانبه على حافة السرير، وساعدته في تناول الدواء بيدين مرتجفتين، ثم نطقت بنبرة عتاب: — لِمَ لم تخبرني أنك تعاني من حساسية تجاه الأكل الحار؟! رد جاد بهدوء، وكأنه لا يرى في الأمر ما يستحق كل هذا الهلع: — لم يكن أمرًا مهمًا يستحق الذكر... نظرت إليه ليرا بذهول: — كيف تقول إنه ليس بمهم؟!
أما دي فالك، فقد عاد إلى قصره بخطى متثاقلة، وملامح وجهه تعلوها علامات الإرهاق الشديد. كان يضغط بيده على بطنه باستماتة، فيما كانت تنفلت من بين أنفاسه تنهيدة ألم خافتة ومكتومة، كأنه يحاول جاهدًا ألا يُظهر لأحد مقدار ما يعانيه من ألم في جوفه. وما إن لمحَه هندريك الواقف في الرواق حتى اقترب منه، وقد انعقد حاجباه قلقًا عليه: — سيدي، هل أنت بخير؟ أجابه جاد بصوت خافت، ومتعب إلى أقصى حد: — بخير... لم يقتنع هندريك بتلك الإجابة المقتضبة، فتأمله للحظات طويلة، قبل أن يسأله مجددًا: — هل يؤلمك شيء؟ — لا... تابع طريقه، وصعد الدرج متوجهًا نحو جناحه الخاص، لينال شيئًا من الراحة. وما إن فتح الباب حتى وجدها تنتظره بلهفة وعيون تلمع بالشوق، لكن ما إن وقعت عيناها عليه حتى تغيرت ملامحها في لمح البصر، فقد لاحظت فورًا شحوب وجهه وإرهاقه الواضح. ابتسم لها جاد بوهن شديد، ثم شرع في تغيير ملابسه بهدوء وتأنٍّ. وما إن أدركت أنه يصارع تعبًا غير عادي، حتى هرعت إليه بخطوات سريعة، وأخذت تساعده حتى فرغ تمامًا، فاستلقى على السرير، وأخذ يضغط بكفه على بطنه. اقتربت منه بقلق شديد، وسألته وهي تتأمله بعينين مضطربتين:
اقتربت من شفتيه باشتياق وطبعت قبلة دافئة وعميقة اخترقت روحه. عجز عن إبعادها أو دفعها عنه، ولم يملك القدرة البتة على الرفض؛ فكل خلية في كيانه كانت تصرخ بصمت طلبًا لها، غارقًا في شعور لا يوصف، شعور متأجج يتجاوز حدود الذاكرة والمنطق وكل قوانين الأرض. رفعها من خصرها وقلبها تحته، وطفق يقبلها بلهفة جارفة، وهي تجاريه بشغف مماثل يضاهي اشتعاله. كانت يداه تتجولان بلهفة مسعورة فوق ملابسها، يفك أزرارها بعنف متزايد، بينما تنهيداتها الخفيضة كانت وقودًا يشعل نيرانه أكثر وأكثر بلا هوادة. جرّدها من ملابسها بالكامل لتصبح عارية أمامه، وانكب يقبل عنقها بنهم، بينما تضغط يداه على صدرها الناعم. كانت كقطعة زبدة مذابة بين يديه، ترتجف بقشعريرة لذيذة مع كل لمسة من أصابعه. تخلص من ملابسه هو الآخر بسرعة جنونية، ثم توقف لبرهة خاطفة، يتأمل جسدها الأنثوي الفاتن والمشتعل الذي ينضح بأنوثة طاغية تفوق عمرها بكثير. بلع ريقه بتوتر، ثم تراجع قليلًا إلى الخلف، وأصابعه تتخلل شعره بحيرة وتردد. — لا... أستطيع الاستمرار... ما نفعله الآن لا ينبغي أن يحدث... نهضت إيفي لتقف أمامه بكامل فتنتها، وعيناها تحملان من الإصرار وا
أما عند لوكاس، فقد كان متلهفًا لرؤيتها، مشتاقًا إليها بجنونٍ مطبق يكاد يعصف بروحه؛ حتى إنه لم يعد يشعر بطعم الحياة أو معناها إلا بقربها. كان الشوق ينهش قلبه بلا رحمة، ويستنزف صبره لحظةً تلو الأخرى. قصد المستشفى، وظل يراقب الباب بلهفة، حتى خرجت برفقة صديقاتها. وما إن وقعت عيناها عليه حتى أشرقت ملامحها، وهرعت نحوه دون تردد أو تفكير، ثم ألقت بنفسها، كالمجنونة، بين أحضانه. — لقد اشتقت إليك كثيرًا... احتضنها لوكاس بقوة، وأغمض عينيه للحظة، مستنشقًا عبير عطرها بعمق. — وأنا أيضًا... سامحيني، لقد تأخرت عليكِ. ابتعدت عنه قليلًا، لكنها بقيت قريبة منه إلى حدٍّ كانت معه قادرة على لمس دفء أنفاسه. راحت تتأمل وجهه بعينين امتلأتا عن آخرهما بالحنين. — لا بأس... المهم أنك هنا الآن. سكتت للحظة، ثم تابعت: — اليوم أريد أن آخذك إلى مكان مميز. رمقها بنظرة متسائلة: — إلى أين؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأجابت دون أن تمنحه أي فرصة لاستجوابها: — فقط اتبعني... وسيعجبك الأمر بالتأكيد. ركبت سيارته إلى جواره، وراحت ترشده إلى الطريق، بينما ظل يرمقها بين الحين والآخر بطرف عينه. وبعد مسافة من القيادة، بلغا قل
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







