LOGINوصلوا إلى القصر، فخرجت ليرا وهي تصفع الباب خلفها، متجهة نحو سجنها... كان من الصعب عليها المكوث هنا في الوقت الذي كان يجدر بها أن تكون مع جثمان ابن عمها، لترافقه بنفسها إلى ألمانيا، لكنها مهما كافحت وحاولت تغيير الواقع، ستجد نفسها في دوامة لا تنتهي. صعدت إلى غرفتها كجسد بلا روح، وأغلقت على نفسها الباب لتعيش ألمها بكل تفاصيله، رافضة حتى فتحه لماريت التي كانت تطرق الباب، مستفسرة عما حدث. أما في مكان آخر، وتحديدًا عند «ماتيو»، فقد كانت «ساسكيا» تستفيق للتو. قامت تتفقد ما حولها، لتجد نفسها عارية... أغمضت عينيها ندمًا، وقامت بسرعة ترتدي ملابسها، ثم خرجت من الغرفة، عازمة على الرحيل، حتى سمعته يتحدث من خلفها: ماتيو: «صباح الخير...» واصلت ساسكيا طريقها دون أن تلتفت إليه. أوقفها بصراخ حاد: «ساسكياااا!» التفتت إليه ببطء: «يجب أن أذهب.» قطب ماتيو حاجبيه مستنكرًا: «كيف ستذهبين؟! ألن نتحدث عما حدث ليلة البارحة؟» ساسكيا (ببرود): «لم يحدث أي شيء...» اقترب منها وسألها: «لماذا تنكرين ما حدث؟» استنشقت نفسًا عميقًا: «لأنه لا يعني لي شيئًا... مجرد لحظة نزوة وضعف ومضت... يجب عليك نسيانها
نزف قلبها إثر تلك الصرخة المدوية... الروح التي كانت تحاول دومًا التمسك بها وتحارب بكل ما أوتيت من قوة كي لا تفقدها، ها هي تفقدها الآن، وأمام عينيها. لم تكن مجرد صرخة، بل كانت شيئًا يفوق طاقتها على الاحتمال، ويتجاوز قدرتها على استيعاب الحياة من حولها. على الأقل، استطاعت هي أن تصرخ، أما رفاقه فلم يستطيعوا حتى ذلك؛ إذ تجمدوا في أماكنهم لدرجة أن أسلحتهم سقطت من أيديهم على الأرض. كان «هندريك» خلفها مصدومًا، لكنه استلّ سلاحه بسرعة وأطلق النار على ذلك الحارس، فأرداه قتيلًا قبل أن يقدم على أي فعل آخر. أما هي، فبدأت تزحف، لا تريد شيئًا سوى الوصول إليه، بعدما أصبحت قدماها عاجزتين عن حملها. ولم تصل إليه إلا وكان أصدقاؤه يمسكون به ويحاولون إيقاظه. قال أرماند: — «إيريك... استيقظ... استيقظ يا صديقي، ولا تفجعنا فيك!» كان أحد أصدقائه ينظر إليه وقد تجمد في مكانه، فأردف أرماند والدموع تنهمر من عينيه: — «يا صديقي... قل له أن يستيقظ...» رفع يده أمام عينيه وتابع بصوت مرتجف: — «النزيف لا يتوقف...» خلع رداءه ليلفه حوله قائلًا: — «سنوقف النزيف... ساعدني!» اقترب منه صديقه ووضع يده عل
سَحَبَها من يدها عندما سمع الحراس يقتحمون المكان، وانطلق معها بأقصى سرعة، لكن الحراس كانوا خلفهما، يريدون اللحاق بهما بأي ثمن... في هذه الأثناء، وصل "هندريك" والحراس إلى بيت "غريتا"، إذ كان يعلم المكان الذي يتواجد فيه "إريك"، ويعلم أنه ليس بعيدًا أن تكون "ليرا" قد أتت إليه. وقبل حتى أن يدخل، وُضع المسدس على عنقه من طرف "أرماند"، وبسرعة وجّه الحراس أسلحتهم نحوه... هندريك: (رفع يده بنبرة أمر) «أنزلوا السلاح...» أرماند: (بغضب) «واحدة بواحدة... إن حدث أي شيء لإريك، فستصعد روحك إلى خالقها!» هندريك: (بغضب مماثل) «أين هي ليرا؟!» أرماند: «ستأمر حراسَك بالابتعاد عنهما...» هندريك: «هؤلاء ليسوا حراسنا...» أرماند: «لكنهم يرتدون الزي نفسه!» هندريك: «دي فالك لن يفكر أبدًا في قتل إريك... هذه لعبة يدبرها أحدهم، وليرا وقعت في الفخ، والآن يجب أن نجدهما قبل أن يصيبهم أذى.» أرماند: «دي فالك توعد إريك عدة مرات!» هندريك: «ولكن من أجل ليرا لم يفعلها... ولن يفعلها أبدًا! وأنا ذاهب الآن لإيجادهما قبل أن تقع مصيبة!» أرماند: (خفض السلاح) «إن كنت تكذب...» هندريك: (قاطعه) «نحن نضيع الوقت..
—هندريك (يعض شفتيه بغيظ وتكدس الغضب في عينيه): — لهجتك إسبانية... من أرسلك؟ الحارس (ببرود قاتل): — لا يهم... (بدأت يده تتسلل نحو المسدس الذي كان بجانبه ببطء شديد، حتى أمسك به) — قل لدي فالك أن يترحم على روحه، فهذه المرة من المحال أن ينجو. وما إن انقضت الكلمات حتى أطلق النار على نفسه، وبالضبط على رأسه، منهياً حياته في ومضة بصر قبل أن يستجوبه أكثر... بقي هندريك يطالع جثته الساكنة وعقله مشوش يعج بالأفكار المتقاطعة، لكنه كان يعرف يقيناً أن كارثة وشيكة ستقع وعليه تداركها قبل فوات الأوان. أما عند ماتيو الذي كانت تجلس معه ساسكيا، فقد تقدم نحوها بخطوات هادئة مقدماً لها مشروباً بارداً، بينما كانت ترمقه بعينين تحفهما الريبة والحذر. ساسكيا: — لم تخبرني بعد ما هي الخطة. ماتيو (متكئاً ببرود): — ليست بالأمر الكبير... نريد افتعال مشكلة صاخبة ليخرج دي فالك من مخبئه ونقوم باغتياله. (شرب كأسه دفعة واحدة وكأنها نخب الانتقام). ساسكيا: — وكيف ستفعل ذلك؟ ماتيو: — يمكننا شن هجوم خفيف على القصر... ساسكيا (بحدة ورفض قاطع): — ... لا نريد جلب مشاكل يدفع ثمنها أشخاص أبرياء. ماتيو (باسته
خرج لارس من هناك دون أن يلتفت وراءه، وسط نداءات فيكتور الذي كاد يجنّ مما يحدث... ينظر إلى أخته التي بدأت ابتسامتها تتسع فرحًا، كأنها ليست الشخص الذي طُلّق للتو، ثم دارت نحو جاد وخرّت عند ركبتيه، تعانقهما وهي تضحك... روزا: «سيطلّقني، أنا وأنت سنعيش معًا... لا تتركني ولا تتخلَّ عني...» أبعدها عنه بهدوء، وظل ينظر إلى فيكتور بتبجّح، كأنه يتعمّد إثارة غيظه، وكان الأخير يتمنى لو تنشقّ الأرض وتبتلعه... فكل العز الذي أحاطها به، ردّته له ذلًّا... اقترب منها، وأمسكها من يدها، يجرّها من هناك وهي تبكي وتتمرّغ، بينما كانت ليرا مشفقة على حالها، لم تتمنَّ لها هذا المصير... خرجا من هناك ذليلين مكسورين، وقد غاب الكلام عنهما... أركبها معه في السيارة رغمًا عنها، وانطلق من هناك، لا يرى شيئًا ولا يشعر بشيء، سوى أنه مستعد لأن يحرق العالم ويأتي على الأخضر واليابس دون رحمة... عادوا إلى قصر يان، وأدخلها إلى غرفتها وأغلق عليها الباب وهي تصرخ وتبكي... أخبر العائلة أنه مجرد خلاف حدث بينها وبين زوجها... أما لارس، الذي كان حقًّا طيبًا معها، لكنها لم تقدّر خيره، فلم يعد إلى البيت، بل اتجه مباشرة إلى إحد
صرخ جاد بأعلى صوته: — «ليرا! أَلا تفهمين الكلام؟! أنا لم أفرغ فيها قط! إن كانت هناك واحدة أفرغ فيها، فهي أنتِ فقط... أعلم جيدًا ماذا أفعل، ولو كان العكس صحيحًا، لوجدتِ نصف فتيات هولندا وفرنسا حوامل مني!» تسمّرت ليرا في مكانها وهي ترى الجدية والصدق في عينيه... رفعت يدها تمسح دموعها، ونطقت بصوت يرتجف: ماذا ستفعل معها؟ جاد: (تغيّرت ملامحه إلى البرود التام) أنا أعرف ماذا سأفعل. ليرا: (أمسكت بيده عندما همّ بالذهاب) جاد، لا تتهور... حسنًا، أنا أصدقك... جاد: لا حاجة لنا بوجع الرأس... (اقترب منها، وأزاح خصلة شعر عن خدها، وهو هائم في عينيها) من تتسبب في بكائك، أنحرها ولا أرحمها، ومن تزرع الشك في قلبك تجاهي... (بصوت كفحيح الأفعى) أمحو أثرها من الوجود. ابتعد عنها، تاركًا إياها مصدومة من كلامه، تبعته تركض خوفًا من أن يؤذيها، فهي لا تملك القوة لتتحمل ظلم شخص آخر بسببها... كانت روزا واقفة تنظر إلى جاد، الذي اقترب منها بهمجية، ووجّه لها صفعة قوية أسقطتها أرضًا من شدتها. جذبها من شعرها، ووجّه لها صفعة ثانية، وهو ينظر إليها بكراهية: قلتِ إنه مني، أليس كذلك؟... اليوم سأحفر لك وله قبرً
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد







