LOGINمرّت ثلاثة أيام كانت فيها سو-آه تحاول ممارسة نوع من الإنكار القسري؛ كانت تردد لنفسها كل صباح أمام المرآة عبارات باردة: "سينسون الخبر... الناس دائمًا يبحثون عن قصة جديدة، وسأكون أنا مجرد ذكرى عابرة في أرشيفهم". وبناءً على هذا الإيمان الهش، استمرت في روتينها اليومي الصارم؛ الذهاب إلى الجامعة، ثم إلى المتجر حيث تعمل، والعودة مساءً إلى دار الرعاية، كأنها تحاول إقناع العالم والقدر بأن شيئًا لم يتغير. لكن صباح اليوم الرابع كان بمثابة صفعة مدوية أثبتت لها أن بعض القصص لا تموت، بل تتغذى على الفضول لت
لم تعد سو-آه تعرف كم ساعة مرّت منذ مُنعت من مغادرة المركز. في البداية، كانت تجلس في الغرفة نفسها وتنتظر وصول محاميها، ثم بدأت الأبواب تُفتح وتُغلق أمامها بلا توقف؛ موظفون يدخلون بملفات، ومحققون يتبادلون الأوراق العاجلة، وفي كل مرة كانت تسأل فيها عن سبب بقائها، يأتيها الجواب ذاته باقتضاب: "انتظري." حتى دخل المحامي أخيرًا وبخطوات سريعة. جلس إلى جوارها، فتح حقيبته الجلدية، وأخرج نسخة مطبوعة من ملف القضية الجديد. قال بصوت منخفض: "علينا أن نتحدث بهدوء وتأنٍ." نظرت إليه بترقب: "ماذا حدث هناك؟" لم يجب مباشرة، بل قلب عدة صفحات بتردد، ثم وضع إحداها أمامها مباشرة على الطاولة. قال: "ظهرت اتهامات جديدة خطيرة." حدقت في الورقة المطبوعة، قرأتها مرة بتمعن، ثم رفعت عينيها إليه بذهول: "ما معنى هذا الكلام؟" أجابها المحامي بجدية بالغة: "هم لم يعودوا يتعاملون معكِ كشاهدة في ال
شعرت سو-آه أن الجلسة قد انتهت أخيرًا. لكن في تلك اللحظة بالذات، فتح باب الغرفة ودخل أحد الموظفين مسرعًا ليضع ورقة جديدة وعاجلة أمام المسؤول. قرأها المسؤول بتمعن شديد، ثم رفع عينيه نحوها. تغيرت ملامحه قليلًا وقال بنبرة رسمية: "سو-آه." وقفت مكانها بخطوات بطيئة: "نعم؟" "لقد صدر للتو قرار قضائي رسمي بتوقيفكِ احتياطيًا على ذمة القضية." وفي الجهة المقابلة من المدينة، كان هيتشول يقلب الأوراق في مكتبه المظلم بإحباط بالغ. دخل مساعده الخاص فجأة وقال بملامح منقبضة: "سيدي.. هناك مشكلة جديدة ظهرت." رفع هيتشول رأسه بتعب: "ماذا جرى أيضًا؟" وضع المساعد أمامه نسخة مطبوعة من سجل قديم: "هذا المستند كان مثبتًا وموجودًا بوضوح في الملف الرئيسي قبل إعادة فتح القضية رسميًا." حدق هيتشول فيه بتركيز: "والآن أين هو؟"
لم يكن الاستدعاء الثاني يشبه الأول بأي حال من الأحوال. ففي المرة السابقة، دخلت سو-آه مركز التحقيق لعدة ساعات ثم عادت إلى الميتم في اليوم نفسه، وكأن كابوسًا صغيرًا وانقضى. أما هذه المرة، فقد كان اسمها مطبوعًا ببرود على ورقة جديدة تحمل عنوانًا مختلفًا: مراجعة إضافية للتحقيق. جلست أمام المحقق نفسه، ووجهه الخالي من التعبير يكتنفه الغموض. وضع ملفًا جديدًا وسميكًا على الطاولة أمامه، وقال بجدية: "سنراجع بعض التفاصيل والشهادات مرة أخرى." نظرت إلى الملف بغضب مكتوم: "سبق أن أجبت عن كل هذه الأسئلة بالتفصيل." "نعرف ذلك تمامًا." فتح الصفحة الأولى من الملف وأردف: "لكن ظهرت معلومات جديدة تدعونا لإعادة النظر." رفعت عينيها إليه بحذر: "ما هي تلك المعلومات؟" لم يجب بشكل مباشر، بل أخرج تقريرًا ورقيًا وقرأ منه: "في إفادتك الأولى، قلتِ إنكِ غادرتِ المصنع يوم الحادث عند الساعة الخامسة وعشر دقائق." أومأت برأسها: "نعم، هذا صحيح." وضع تقريرًا آخر بجانبه على الط
بقيت ورقة الاستدعاء فوق الطاولة حتى الصباح، ولم تلمسها سو-آه إلا عندما حان موعد خروجها. طوتها بعناية فائقة، وضعتها داخل حقيبتها، ثم ارتدت معطفها بصمت. كانت جيني تنتظرها عند الباب بملامح قلقة: "سأرافقك." "لا." "سو-آه، أرجوكِ." "لن يحدث شيء." حدقت جيني فيها بتخوف: "أنتِ لا تعرفين ذلك حقًا." سكتت سو-آه لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة وثابتة: "لهذا السبب بالذات سأذهب." وصلت إلى مركز التحقيق قبل الموعد المحدد بدقائق معدودة. قدمت الاستدعاء عند مكتب الاستقبال، فراجع الموظف البيانات على جهازه قبل أن يشير بيده نحو الممر: "الغرفة السابعة." أومأت برأسها وسارت وحدها بخطى هادئة، رغم أن أصابعها كانت تضغط بقوة وعصبية على حافة حقيبتها. فتحت باب الغرفة ودخلت. كان محققان يجلسان خلف طاولة مكتبية واسعة، وأمامهما ملف سميك للغاية. قال أحدهما بجدية: "اجلسي." جلست في المقعد المقابل، ففتح المحقق الملف وقال: "سنبدأ بإجراءات اعتيادية روتينية. في ال
لم يستغرق الأمر طويلًا بعد القبض على تشوي مين-جاي حتى نُقل إلى غرفة التحقيق. جلس أمام المحقق، ويداه على الطاولة. لم يكن مرتبكًا، بل كان ينظر إلى الكوب الموضوع أمامه دون أن يلمسه. فتح المحقق الملف وقال: "أنت كنت مصورًا في موقع حادث المصنع." "نعم." "والصور التي التقطتها..." توقف المحقق ثم رفع عينيه: "سلمت جزءًا منها." "والباقي؟" لم يجب. وضع المحقق صورة أمامه وأردف: "لدينا دليل على وجود نسخ أصلية لم تسلمها." ظل مين-جاي صامتًا، فسأله المحقق: "أين هي؟" خفض الرجل عينيه وقال: "في مكان آمن." "أين؟" "لن أخبركم." "لماذا؟" رفع عينيه مجددًا: "لأنكم لا تعرفون ما تحتويه." تبادل المحققان النظرات، ثم قال أحدهما: "وهذا تحديدًا سبب حاجتنا إليها." بعد ساعات، أُبلغ هيتشول رسميًا بالقبض على المصور. كان في مكتبه عندما جاءه الخبر: "تم القبض عليه." رفع رأسه وسأل: "والصور
لم يكن تشوي مين-جاي يعلم أن خطواته المحفوفة بالحذر عند غادره منزله في ذلك الصباح الباكر كانت مراقبة بعينين لا تفوتهما شاردة. غادر المبنى السكني قُبيل الثامنة بقليل، ممتشقاً حقيبة سوداء صغيرة على كتفه. سار بهدوء نحو محطة الحافلات، وتوقف لفترة وجيزة عند متجر قريب، ثم استأنف طريقه بخطى ثابتة دون أن يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة. على بعد مسافة قصيرة، كانت سيارة رمادية داكنة تركن بصمت بجانب الرصيف. لم تتحرك عجلات السيارة إلا بعد أن ابتعد الرجل كفاية. داخل المقاعد الخلفية، كان أحد المحققين يحدق بتركيز في شاشة جهاز لوحي صغيرة تعرض صورة واضحة لوجه مين-جاي. همس المحقق لزميله السائق: "إنه هو حقًا." "أمتأكد من هويته؟" "راجعنا بدقة سجل أعماله وصورته القديمة في الأرشيف. إنه تشوي مين-جاي، مصور مستقل، وقد تواجد بالفعل في قلب موقع الحادث يوم وقوع الكارثة." تابعا عملية رصده بصمت مطبق. لم يكن الرجل يبدي أي علامات ارتباك أو ذعر تشي بأنه هارب من العدالة، وهو التفصيل ذاته الذي ضاعف شكوك المحققين ويثير الريبة في دوافعه. توجّه مين
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل