Masukنظر مازن إلى ليان طويلًا بعد همستها الأخيرة.
— أنا كمان. كلمتان بسيطتان… لكنه شعر وكأنهما سكين انغرست ببطء داخل صدره. لأنها لم تقلها بغضب. لم تبكِ. لم تعاتبه. قالتها بتعب امرأة بدأت تخسر شيئًا كانت تظنه أبديًا. أطفأ سيجارته بسرعة وكأنه يهرب من الشعور الذي ضربه فجأة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق. — ليان… أنا بس الفترة دي— قاطعته بابتسامة صغيرة متعبة. — عارفة. ودائمًا كانت “عارفة”. تعرف ضغطه. تعبه. المسؤوليات التي تسحقه يوميًا. لكن ما كان يقتلها فعلًا… أنه توقف عن معرفة تعبها هي. جلس الصمت بينهما مجددًا. صوت السيارات البعيدة فقط يملأ الليل، بينما الهواء البارد يعبث بخصلات شعرها. راقبها مازن بطرف عينه. كانت أضعف مما يتذكر. شحوب خفيف تحت عينيها. إرهاق واضح في ملامحها. حتى ضحكتها… اختفت منذ مدة دون أن ينتبه. وفجأة شعر بالخوف. خوف حقيقي. ماذا لو كان يفقدها فعلًا؟ مد يده أخيرًا ليلمس أصابعها الباردة. تجمدت للحظة عندما شعرت بلمسته… كأن جسدها ما زال يحفظه رغم كل شيء. همس بصوت منخفض: — فاكرة أول شتوية بعد جوازنا؟ ابتسمت رغماً عنها. كيف تنسى؟ انقطعت الكهرباء يومها بسبب المطر، فجلسا في الظلام يضحكان كالمجانين، بينما مازن يحاول إعداد القهوة على الشموع وانتهى به الأمر بحرق المنشفة وإطلاق إنذار الحريق في البناية كلها. ضحكت وقتها حتى بكت. وكان ينظر إليها وكأنه ربح العالم. تنهدت ليان بخفوت: — كنت مجنون. ابتسم لأول مرة منذ أيام. — كنتِ بتحبيني وأنا مجنون. رفعت عينيها إليه. وهنا فقط… شعر كلاهما بوجع لا يوصف. لأن الحب ما زال موجودًا. وهذا كان الأسوأ. الأسهل دائمًا أن ينتهي الحب. أما أن يبقى موجودًا بينما يضيع كل شيء حوله… فهذه قسوة مختلفة. في الأيام التالية، حاول مازن. لأول مرة منذ شهور… حاول بصدق. بدأ يعود أبكر قليلًا. يرسل لها رسائل خلال اليوم. حتى أنه أحضر لها الورود ذات مساء دون مناسبة. لكن المشكلة أن الحب لا يموت فجأة… وكذلك الفتور. ليان كانت تبتسم… نعم. لكن هناك حذرًا جديدًا داخلها. كأن قلبها لم يعد يركض نحوه بنفس العفوية القديمة. وفي إحدى الليالي… عاد مازن مبكرًا بشكل نادر. دخل الشقة يحمل اكياس الطعامدخل مازن غرفة المكتب الصغيرة بهدوء، وما زالت أكياس الطعام بين يديه. كانت ليان جالسة قرب النافذة، تضم ساقيها إلى صدرها فوق الأريكة، بينما ضوء الأباجورة الخافت يرسم نصف وجهها فقط. ولوهلة… نسي أن يتنفس. كم مضى منذ آخر مرة تأملها فعلًا؟ ليس كزوجة يراها كل يوم… بل كامرأة يحبها؟ كانت ترتدي ملابس بيتية بسيطة، وشعرها منسدل بإهمال فوق كتفيها، وفي يدها كوب قهوة بارد يبدو أنها نسيته منذ وقت طويل. لكن عينيها… عيناها كانتا مرهقتين بطريقة أوجعت قلبه. لاحظت وجوده أخيرًا، فرفعت نظرها نحوه بتعب خافت. — رجعت بدري؟ ابتسم بخفة وهو يرفع الأكياس. — ودي معجزة تستحق الاحتفال. حاول أن يجعل صوته مرحًا كما كان سابقًا. كما كان معها دائمًا. لكن شيئًا ما بينهما لم يعد يتحرك بسهولة. وضعت كوبها جانبًا ونهضت ببطء. — تعبت نفسك ليه؟ تقدم منها وهو يراقب ملامحها بحذر. — وحشتيني. خرجت الكلمة هادئة جدًا… وحقيقية جدًا. توقفت ليان للحظة. وفي ثانية قصيرة، ارتجف شيء داخلها بعنف. لأنها اشتاقت له هي أيضًا بصورة موجعة. اشتاقت لمازن القديم. للرجل الذي كان يقرأ حزنها من نظرة. الذي كان يحتضنها فورًا إذا سكتت أكثر من المعتاد. الذي كان يلمس يدها أثناء النوم وكأنه يخاف أن تضيع. لكنها بدل أن ترتمي في حضنه… ابتسمت فقط. ابتسامة صغيرة… متعبة… كسيرة. وهنا شعر مازن بالخسارة لأول مرة. الخسارة الحقيقية. اقترب أكثر، ثم رفع يده ببطء وأزاح خصلة شعر عن وجهها. — ليان… إحنا مالنا؟ سؤال بسيط. لكنه خرج من قلب رجل خائف. خائف أن تكون المرأة التي أحبها تنسحب منه تدريجيًا دون أن يشعر. خفضت ليان عينيها للحظة، ثم جلست مجددًا على الأريكة. — معرفش. وجعته الإجابة أكثر مما توقع. لأنها كانت صادقة. جلست هي الأخرى داخل حزن لا تعرف له اسمًا. هو لم يؤذها عمدًا. لم يخنها. لم يكسرها. لم يتحول لرجل سيئ. لكنه اختفى. ببطء… اختفى. والأسوأ من الخيانة أحيانًا… أن تشعر أن الشخص الذي تحبه لم يعد يراك أصلًا. جلس مازن أمامها مباشرة. — بصيلي. رفعت عينيها نحوه أخيرًا. وكانت تلك الغلطة. لأن عينيها امتلأتا فورًا بالدموع. شهقت بخفة وكأنها صدمت بنفسها، ثم أبعدت وجهها سريعًا. لكن مازن أمسك يدها فورًا. — ليان. صوته أصبح مكسورًا. ارتعشت شفتاها وهي تحاول السيطرة على نفسها. — أنا تعبت يا مازن… همستها بصوت خافت جدًا، لكنها حطمته بالكامل. — من إيه؟ ضحكت فجأة. ضحكة صغيرة خرجت ممزوجة بدموعها. — من إني مستنياك طول الوقت. تجمد. — مستنياك تفضى… مستنياك تحس بيا… مستنياك تبصلي زي زمان… ابتلع بصعوبة بينما تكمل بصوت يرتجف: — أنا حتى لما بكون قاعدة جنبك… بحس إنك بعيد. كل كلمة كانت تضربه في صدره بعنف. لأنه يعرف أنها محقة. يعرف أنه ترك العمل يسرقه منها قطعة قطعة. لكن ما لم تعرفه ليان… أن مازن نفسه كان يغرق. منذ سنة تقريبًا، بدأ يشعر أن المستشفى تبتلعه بالكامل. العمليات الطويلة. المسؤوليات. المرضى الذين يموتون بين يديه أحيانًا. كل ذلك حوّله إلى رجل مرهق حتى النخاع. وفي كل مرة كان يعود للبيت… كان يخبر نفسه أنه يحتاج فقط للراحة. دون أن يدرك أنه مع الوقت، توقف عن العيش أصلًا. مرر يده داخل شعره بعنف. — أنا بحاول… رفعت نظرها إليه ببطء. وكانت نظرتها مؤلمة جدًا. — بس مش معايا. الصمت الذي تبع كلماتها كان قاتلًا. ثم فجأة… رن هاتفه. تجمد مازن فورًا عندما رأى الاسم على الشاشة. “المستشفى”. أغلقه بسرعة. لكن ليان لاحظت. لاحظت التوتر الذي مر بعينيه. لاحظت كيف تصلب فكه فجأة. — في إيه؟ — ولا حاجة. لكنها عرفت فورًا أنه يكذب. شيء ما تغيّر في مازن مؤخرًا. شيء أكبر من مجرد ضغط العمل. أصبح يعود أحيانًا بملابس ملطخة بالدم رغم عدم وجود عمليات مسجلة له. وأحيانًا يستيقظ منتصف الليل ويخرج للشرفة يتحدث بهمس حاد عبر الهاتف. وحين تسأله… يقول فقط: “شغل.” لكن قلبها بدأ يشعر بالخوف. ليس خوف الخيانة… بل خوفًا من شيء لا تفهمه. رن الهاتف مجددًا. هذه المرة، نهض مازن بسرعة. — لازم أرد. راقبته ليان بصمت وهو يبتعد قليلًا ويتحدث بصوت منخفض. لكنها التقطت جملة واحدة فقط. “لا… مش دلوقتي… هي موجودة.” هي. ارتجف شيء داخلها. أنهى المكالمة بسرعة، ثم التفت ليجدها تنظر إليه. طويلًا. بصمت. — مين؟ سألته بهدوء أخافه أكثر من أي صراخ. — المستشفى. — كدب. قالتها فورًا. فاجأه ردها. نهضت ببطء وهي تمسح دموعها. — أنا لسه بعرف صوتك لما تكذب. شعر فجأة بالاختناق. اقترب منها بسرعة: — ليان اسمعيني— — إنت بقيت تخبي عني إيه؟ صوتها لم يكن غاضبًا… بل مكسورًا. وهذا ما قتله. لأن ليان لم تكن تشك به بسهولة أبدًا. كانت تثق به بصورة عمياء. والآن؟ بدأت تشعر أنها لم تعد تعرف الرجل الذي أمامها. أمسك كتفيها برفق. — مفيش حاجة زي ما إنتِ فاهمة. — طب فهمني. فتح فمه… ثم صمت. وهنا فقط، اتسعت عيناها بصدمة بطيئة. لأنه لم يجد جوابًا. ابتعدت عنه خطوة للخلف. — إنت مخوفني يا مازن… خرجت الجملة مرتجفة وضعيفة. ولأول مرة… رأى الخوف الحقيقي في عيني زوجته. في اللحظة نفسها، شعر أن قلبه انقبض بعنف. لأنه لم يحتمل أبدًا أن تكون خائفة منه. مد يده نحوها بسرعة. — ليان… لكنها تراجعت دون وعي. حركة صغيرة جدًا. إلا أنها حطمته بالكامل. تجمد مكانه. أما هي، فأدركت فورًا ما فعلته. ورأت الألم الذي انفجر داخل عينيه. يا الله… متى وصلا إلى هذه النقطة؟ متى أصبحت تخاف من الاقتراب منه؟ انهمرت دموعها فجأة دون سيطرة. — أنا مش عايزة نخسر بعض… قالتها كطفلة ضائعة. وفي ثانية واحدة، اختفى كل شيء داخل مازن. العمل. التعب. الغموض. العالم كله. وسحبها فجأة إلى حضنه بقوة. بقوة رجل يغرق ويتمسك بآخر شيء يحبه. شهقت ليان عندما أحاطها بذراعيه بهذا العنف المليء بالاحتياج. دفنت وجهها في صدره فورًا… وكأن جسدها اشتاق إليه رغم كل شيء. أما هو… فأغمض عينيه بألم وهو يضمها أكثر. كانت رائحتها ما تزال بيته. مكانه الوحيد الآمن. همس بصوت مبحوح قرب شعرها: — مستحيل أخسرك… وبداخلها، أرادت أن تصدقه. أرادت ذلك بجنون. لكن شيئًا باردًا كان ما يزال يتحرك في قلبها… لأن الحب وحده أحيانًا لا يكفي. وخارج الشقة… في مكان ما داخل المستشفى المظلم… كان هناك شخص يراقب صورة مازن على شاشة هاتفه. ثم ابتسم ببطء… وأرسل رسالة قصيرة. “زوجتك بدأت تشك.”حينما ارسلت تلك الرساله لمازن ظل يفكر كيف يمكن لزوجتي ان تشك بي بعد كل الحب بيننا انا فعلا مشغول كثيرا لدرجه ان مده الاتصال بينا تكون دقيقه لكني مخلص لها لم اعترف لها بحبي لظني انها تعرف ! ...طرق الباب فدخلت ليان وجه شاحب من قله النوم والتفكير وكثره العمل والمسئوليه وتظهر قوتها رغم انتفاخ حول عينها يدل على انها كانت تبكي فكر مازن سريعا ثما اعاد شريط ما بينهم من ذكريات وكم مرت شهور وسنوات لما ينير تلك الشموع التي انطفأت بداخل قلب ليان وكأنها واحده آخرى روح مكانها روح ثانيه لا شغفها ولا ضحتها ولا جمالها نفسه ماذا قد يحدث قد يغير الشخص هكذا دون أن يشعر هو نفسه بالتغير ........انه الاهمال مرض فتاك ليس لها اعراض بلا انه يدخل القلب والجسد والروح فيستولى على كل شئ جميل بداخلنا ويبدد الحب كثيرا لكره وانتقام وشك وغيره حمقاء فلا تعرف شريكك وكانك زومبي فقط ياكل لحم كل الذكريات الجميله ،فكر مازن في ان ياخذ اجازه من عمله وان تفعل نفس الشئ ليان فذهبت ليان الى المستشفي وطبيبه زميله لها كانت ف غايه الاهتمام اسمها منى قالت لها لا اعلم لماذا تاخذين اجازه من اجله وتتركي عملك انه لم يفعل شئ لاجلك
نظر مازن إلى ليان طويلًا بعد همستها الأخيرة. — أنا كمان. كلمتان بسيطتان… لكنه شعر وكأنهما سكين انغرست ببطء داخل صدره. لأنها لم تقلها بغضب. لم تبكِ. لم تعاتبه. قالتها بتعب امرأة بدأت تخسر شيئًا كانت تظنه أبديًا. أطفأ سيجارته بسرعة وكأنه يهرب من الشعور الذي ضربه فجأة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق. — ليان… أنا بس الفترة دي— قاطعته بابتسامة صغيرة متعبة. — عارفة. ودائمًا كانت “عارفة”. تعرف ضغطه. تعبه. المسؤوليات التي تسحقه يوميًا. لكن ما كان يقتلها فعلًا… أنه توقف عن معرفة تعبها هي. جلس الصمت بينهما مجددًا. صوت السيارات البعيدة فقط يملأ الليل، بينما الهواء البارد يعبث بخصلات شعرها. راقبها مازن بطرف عينه. كانت أضعف مما يتذكر. شحوب خفيف تحت عينيها. إرهاق واضح في ملامحها. حتى ضحكتها… اختفت منذ مدة دون أن ينتبه. وفجأة شعر بالخوف. خوف حقيقي. ماذا لو كان يفقدها فعلًا؟ مد يده أخيرًا ليلمس أصابعها الباردة. تجمدت للحظة عندما شعرت بلمسته… كأن جسدها ما زال يحفظه رغم كل شيء. همس بصوت منخفض: — فاكرة أول شتوية بعد جوازنا؟ ابتسمت رغماً عنها. كيف تنسى؟ انقطعت الكهرباء يومها
لم تكن ليان تتخيل يومًا أن الحب يمكن أن يبرد بهذه الطريقة.ليس بخيانة.ولا بصراخ.ولا حتى بكراهية.بل بالصمت.صمتٌ طويل… بطيء… ثقيل… يتسلل بين قلبين كانا يومًا يحترقان عشقًا لبعضهما، حتى يصبحا غريبين ينامان على السرير نفسه.لكن البداية…لم تكن كذلك أبدًا.في أول سنة من زواجهما، كان مازن يحب ليان بطريقة تكاد تكون مؤذية من شدتها.كان طبيبًا ناجحًا، معروفًا ببروده واتزانه داخل المستشفى، لكن أمامها يتحول إلى رجل آخر تمامًا.يبتسم كثيرًا.يغار كثيرًا.ويضحك من قلبه كأنه أصغر بعشر سنوات.أما ليان…فكانت تعيش الحب معه بكل ما تملك.تحفظ خطواته.طريقته في خلع ساعته عندما يتعب.نبرة صوته حين يجوع.ونظرته الصامتة عندما يحتاج حضنًا دون أن يطلب.وكانت تعشق أنه رغم هيبته أمام الجميع… يضعف أمامها هي فقط.في ليالي المناوبات الطويلة، كانت تنتظره حتى لو عاد مع الفجر.تفتح له الباب بنصف نوم، فيسحبها فورًا إلى حضنه وكأنه عاد من حرب.— وحشتيني.يهمسها دائمًا بنفس الطريقة.فتضحك ليان وهي تضرب صدره بخفة:— كنت غايب خمس ساعات بس!لكنه كان يرد بجدية حقيقية:— وأنا بحسبهم بالعمر.وكان يقصدها.كانا يشبهان أولئك
الفصل الأخير — حين اختاركِ قلبيدوّى صوت الطلقة في الهواء كالصاعقة.تجمدت ليان بالكامل.أما مازن فتحرك بغريزة خاطفة، جذبها نحوه بعنف حتى ارتطم جسدها بصدره، وفي اللحظة التالية…تحطم الزجاج خلفهما.شهقت ليان بخوف.صوت الرصاصة ارتطم بالجدار المعدني القريب.رفع مازن رأسه بسرعة نحو المبنى المقابل، عيناه أصبحتا حادتين بشكل مرعب.— “انخفضي!”أحاطها بذراعه وهو يدفعها خلف الخزان الإسمنتي الكبير أعلى السطح.كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يكاد يمزق صدرها من شدة الخوف.— “مازن… ماذا يحدث؟!”لكنه لم يجب.كان يراقب الظلام بعينين باردتين جدًا.ثم أخرج مسدسًا صغيرًا من خلف ظهره.اتسعت عيناها بصدمة. — “أنت تحمل سلاحًا؟!”نظر إليها سريعًا. — “ابقَي هنا مهما حدث.”ثم نهض.لكن ليان أمسكت معصمه فورًا.ارتجفت أصابعها حوله.— “لا تتركني…”توقف.والتفت إليها ببطء.وكانت تلك أول مرة يرى فيها خوفها منه… ومن أجله بنفس الوقت.شيء داخل صدره اهتز بعنف.رفع يده ولمس خدها المبتل بالمطر بحنان لم تستوعبه وسط الرعب.— “لن أسمح لأحد أن يؤذيكِ.”ثم تحرك بسرعة واختفى بين الظلال.في الأسفل…كان سليم يركض عبر الممرات بعد سماعه
الفصل الثامن — بين قلبين وحقيقة داميةشعرت ليان وكأن العالم توقف عن الدوران.الكلمات الأخيرة التي قالها سليم بقيت معلقة في الهواء، ثقيلة، خانقة، وكأنها سكين انغرست ببطء داخل صدرها."والدك لم يمت بحادث… تم قتله."حدقت فيه بلا حركة.حتى أنفاسها أصبحت مؤلمة.وفي داخلها… كان شيء قد انكسر بالفعل.قالت بصوت بالكاد خرج: — “أنت… ماذا قلت؟”اقترب سليم خطوة، لكن ملامحه لم تعد باردة كما اعتادت.كان يبدو متوترًا لأول مرة.خائفًا.وكأن أكثر ما يخشاه الآن… هو نظرتها له.— “ليان، اسمعيني بهدوء—”هزت رأسها بعنف. — “لا… لا تحاول تهدئتي!”ارتفع صوتها للمرة الأولى أمامه.واهتزت أصابعها حول الملف الأسود.— “أبي مات وأنا بعمر الثانية عشرة… بكيت عليه سنوات… صدقت أنه حادث…!”اختنق صوتها فجأة.— “كيف تقول الآن إنه قُتل؟!”ساد الصمت.حتى مازن لم يتكلم.كان يراقبها فقط بعينين هادئتين، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا.لأن رؤية الألم في وجهها… كانت أسوأ مما تخيل.أما سليم…فبدا وكأنه يكره نفسه.قال أخيرًا بصوت منخفض: — “كنت أحاول حمايتك.”ضحكت ليان بصدمة موجوعة. — “حمايتي؟ بالكذب؟!”اقترب أكثر. — “لو عرفتِ الحقيقة
الفصل السابع — الملفات السوداءلم تستطع ليان تجاهل ذلك الشعور السيئ الذي استقر داخل صدرها منذ اختفاء المريضة.المستشفى بأكمله انقلب خلال أقل من نصف ساعة.أطباء يتحركون بسرعة. ممرضات يتهامسن في الزوايا. رجال الأمن يراجعون الكاميرات. والتوتر يملأ الهواء بشكل خانق.لكن أكثر ما أرعبها…كان وجه سليم.لم يكن غاضبًا فقط.بل بدا كالرجل الذي يعرف أن شيئًا أسوأ بكثير على وشك الحدوث.وقف أمام شاشة المراقبة داخل غرفة الأمن، عيناه مثبتتان على التسجيل المعاد للمرة الخامسة.ليان كانت تقف قرب الباب بصمت، تراقبه دون أن يشعر.ظهر في الفيديو ممر الطابق الرابع بوضوح.الوقت: 11:43 صباحًا.المريضة تدخل غرفتها.بعدها بدقائق… ظهر مازن.دخل الغرفة بهدوء.وبقي داخلها سبع دقائق كاملة.ثم خرج وحده.بعد عشر دقائق…اختفت المريضة.ضغط سليم على إيقاف الفيديو بعنف حتى كاد الزر ينكسر تحت أصابعه.قال أحد رجال الأمن بتردد: — “دكتور سليم… هل نبلغ الشرطة؟”أجاب ببرود مرعب: — “لا أحد يبلغ أي جهة قبل أن أفهم ما الذي يحدث.”ثم التفت فجأة نحو ليان.شعرت وكأن نظرته اخترقت أفكارها بالكامل.— “أين مازن؟”ترددت للحظة. — “لا أعرف…
الفصل السادس — الشيء الذي لا يريد خسارتهبقي سليم واقفًا مكانه بعد رحيل ليان.عيناه لم تغادرا الباب الذي اختفت خلفه.أما مازن، فكان ما يزال يجلس بهدوئه المستفز، يحتسي قهوته وكأن شيئًا لم يحدث.قال دون أن ينظر إليه: — “هذه أول مرة أراك خائفًا.”أجابه سليم ببرود قاتل: — “وأنت أول شخص يظن أنه فهمني.”
الفصل الخامس — النظرة التي أوجعت قلبينتوقفت خطوات سليم فور نزوله من السيارة.كان يحمل كوب قهوته بيد، وهاتفه بالأخرى، ملامحه باردة كعادتها… حتى رأى مازن.ورأى ابتسامته.ورأى ليان واقفة أمامه مرتبكة كأنها لا تعرف أين تنظر.حينها فقط…اختفى كل شيء حوله.أصوات الطلاب. ضجيج السيارات. حتى الهواء البارد
الفصل الرابع — الرجل الذي تغيّر وجه سليم بسببهلم تفهم ليان لماذا بقي اسم “مازن” عالقًا في رأسها طوال اليوم.ربما بسبب الطريقة التي تبدلت بها ملامح سليم لحظة سمع الاسم.كانت تلك أول مرة تراه يفقد هدوءه، ولو لثانية.وسليم… لا يفقد سيطرته أبدًا.انتهت المحاضرة العملية بصعوبة، بينما حاولت ليان التركيز
الفصل الثاني — الرسالة التي لم يكن يجب أن تصلفي السنة الرابعة من الجامعة…بدأ كل شيء يتغير.لم تعد ليان تلك الفتاة المرتبكة التي تخفض رأسها كلما تحدث إليها أحد.أصبحت أكثر هدوءًا. أكثر نضجًا. لكن داخلها ظل هشًا بطريقة لا يراها أحد.كانت ما تزال تعمل بعد المحاضرات، وتدرس حتى الفجر، وتحاول النجاة من







