تسجيل الدخولتلقف خليل جسد سمر المرتخي وهو يلهث بشدة، صدره يعلو ويهبط كمن أنهى ماراثوناً مميتاً. التفت يميناً ويساراً بجنون ليتأكد أن أحداً لم يلمح المشهد في هذا الشارع المهجور المحاط بالأشجار. وبمجرد أن تأكد من خلو المكان، سحب جسدها الفاقد للوعي ورفعه إلى داخل الجزء الخلفي المعتم من سيارة الفان. لم يضيع ثانية واحدة. رائحة الغبار والصدأ في السيارة كانت تزيده توتراً. أخرج أربطة بلاستيكية صناعية سوداء (Zip-ties) شديدة المتانة، وقيد معصميها خلف ظهرها بقسوة بالغة جرحت بشرتها البيضاء، ثم قيد كاحليها بإحكام، ووضع شريطاً لاصقاً عريضاً على فمها لضمان عدم خروج أي صوت منها إذا استيقظت قبل الأوان. كان يرتجف من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، لكنها كانت رجفة نشوة مريضة.. نشوة رجل يلوي أخيراً ذراع عدوه اللدود! قفز خارج السيارة ليلتقط حقيبتها المتناثرة، ثم وقعت عيناه على هاتفها الملقى على الإسفلت. التقط الهاتف، ونظر إلى جسد سمر في الداخل. بخطوات سريعة، صعد إلى الخلف مجدداً، وأمسك بإصبع إبهامها المرتخي، وضغطه بقوة على مستشعر البصمة في الشاشة. أضاءت الشاشة وفُتح الهاتف. ابتسم خليل بانتصار شيطاني شوه ملامح
كان صباح العاصمة بارداً وقاسياً بشكل استثنائي. سماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة تحجب أشعة الشمس، وضباب خفيف يلامس أطراف الأرصفة وكأن المدينة بأكملها تشارك "سمر" حدادها الصامت. سارت سمر بخطوات مثقلة، تسحب قدميها على الرصيف المؤدي إلى الحرم الجامعي. لم تذق طعم النوم طوال الليل؛ كانت عيناها متورمتين وتحرقانها بشدة من فرط البكاء المستمر. لقد تركت "جاد".. تركت الرجل الوحيد الذي جعل قلبها ينبض بجنون، تركته وهو في قمة انكساره وعشقه لها. كان عقلها يصرخ مراراً وتكراراً بأنها اتخذت القرار الصحيح؛ فلا يمكنها بناء حياة آمنة في ظل رجل يعتبر القتل مجرد أداة لحل المشاكل، لكن قلبها الممزق كان يئن ألماً مع كل خطوة تبتعد فيها عن عالمه. لفت معطفها الصوفي حول جسدها المرتجف من برد الصباح وبرد الروح، واختارت أن تسلك طريقاً مختصراً كعادتها لتتجنب زحام الطلبة ونظراتهم الفضولية؛ زقاقاً ضيقاً وهادئاً تظلله أشجار سرو كثيفة يفصل بين الشارع العام والبوابة الجانبية للجامعة. لم يكن هناك أحد في الزقاق سواها، وصوت وقع حذائها يتردد بصدى موحش. لكنها لم تكن تعلم أنها لم تكن تمشي وحدها. على بعد عشرين متراً خلفها
هبط موكب السيارات ذات الدفع الرباعي المظللة من الجبال الغربية عائداً إلى العاصمة. في المقعد الخلفي، كان "جاد الحسيني" يجلس واضعاً ساقاً فوق أخرى، وعيناه الداكنتان تتأملان شوارع المدينة التي خرج منها قبل أيام كشيطان رجيم. لكن المدينة لم تعد كما تركها. ابتسم جاد ببطء وهو يطالع الجدران التي شُوهت بالدهان الأحمر سابقاً. لقد حلت محلها الآن جداريات ضخمة ومتقنة رسمها شباب متمردون؛ إحداها كانت تصوره بسترته السوداء وهو يسحل "سيف"، مرسوماً بملامح قاسية وثورية تجعله يبدو كـ "تشي جيفارا" العصر الحديث، رمزاً للتمرد على القانون الذي يفشل في حماية الضعفاء. وفي الساحات، كانت الشاشات الإعلانية تتناقل تصاميم رقمية تظهره كفارس، وبعضها ألبسه عباءة "سوبرمان". لقد عاد جاد ليس كابن عائلة ثرية نجا من السجن، بل عاد كبطل شعبي، كأسطورة تُهتف باسمها حناجر الملايين. وكان يعلم جيداً من هي الساحرة التي نسجت هذه المعجزة. توجه الموكب مباشرة إلى مقر الشركة. صعد جاد إلى مكتبه في الطابق العلوي بخطوات واثقة، مشحونة بنشوة الانتصار، والأهم.. بشوق مجنون ومحرق لـ "سمر". لقد أثبتت له أنها بطلة تليق به، حاربت العال
في غرفة "مرح" الهادئة، ساد صمت ثقيل بعد أن أنهت الفتاة المحطمة اعترافها. كانت سمر تجلس أمامها، تعتصر ذهنها بحثاً عن طريقة للوصول إلى تلك القائمة المجهولة من الضحايا. "هل تتذكرين أي تفصيل صغير يا مرح؟" سألت سمر بإلحاح هادئ. "اسم مدرسة؟ لون زي مدرسي؟ علامة مميزة لأي فتاة منهن أراكِ سيف صورتها؟" هزت مرح رأسها بأسى، وعيناها تفيضان بدموع العجز، وقالت بصوت مكسور: "لا شيء يا سمر. كان يفتح هاتفه بسرعة، يتباهى بالصور أمامي كأنها إنجازات، ثم يغلقه. لا أعرف أسمائهن، ولا عناوينه، ولا أي شيء. أنا آسفة.. لقد خذلتكِ وخُذلت جاد." تنهدت سمر وأسندت جبهتها على كفيها للحظات. كخبيرة تسويق، كانت تعلم أن الرسالة التي تفتقر للأدلة الداعمة هي رسالة ميتة. لكن فجأة، التمع بريق حاد في عينيها. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى مرح بابتسامة واسعة، باردة، ومفعمة بالدهاء الخالص. "أنتِ لم تخذلي أحداً يا مرح.." همست سمر، ونهضت لتبدأ في سحب الستائر لتعديل إضاءة الغرفة. "إذا لم نتمكن من الذهاب إليهن في عتمتهن، فسنجعلهن يخرجن إلينا في النور! سنجعل من قصتكِ صرخة توقظ كل من قتلهن الصمت." أخرجت سمر هاتفها، وثبتته على حام
تركت "سمر" المدينة الغاضبة خلفها، واستقلت حافلة متجهة نحو الأطراف الريفية الهادئة. طوال الطريق، كانت عيناها معلقتين بزجاج النافذة، لكن عقلها كان يدور كآلة لا تهدأ. كانت ترتب أفكارها، وتزن خياراتها، وتستعد نفسياً للمواجهة القادمة؛ فهي ذاهبة لتنكأ جراح فتاة محطمة لإنقاذ الرجل الذي تحبه. بعد ساعات من السفر، وقفت سمر أخيراً أمام البوابة الخشبية لمزرعة الجد "محمود الدالي". كان المكان يلفه سكون طبيعي يتناقض تماماً مع العواصف التي تضرب عائلة الحسيني في العاصمة. أخذت نفساً عميقاً، وطرقت الباب. بعد لحظات، فُتح الباب ليظهر الجد "محمود"، بوجهه الوقور وملامحه الطيبة التي حفر عليها الزمن خطوط الحكمة. عقد الجد حاجبيه قليلاً باستغراب وهو يرى فتاة غريبة تقف أمامه في هذا الوقت. "تفضلي يا ابنتي، من أنتِ؟" سأل محمود بصوته الدافئ. حاولت سمر رسم ابتسامة هادئة لتخفي توترها، وقالت بنبرة محترمة: "مرحباً يا عمي.. أنا اسمي سمر. أنا صديقة لمرح من العاصمة، وقد جئت من العاصمة لأراها في أمر ضروري جداً..." تفرس محمود في وجهها للحظة. قرأ في عينيها صدقاً وإلحاحاً لا يمكن تزييفهما، فأومأ برأسه مرحباً
كان الشارع يغلي كخلية نحل غاضبة. في كل ممر، وعلى كل شاشة، وفي كل تجمع، لم يكن هناك حديث يعلو فوق حديث "وحش الحسيني" والطلاب المفقودين. كانت صور "سيف" تملأ الجدران محاطة بعبارات المطالبة بالعدالة، بينما اختفى "جاد" تماماً عن الأنظار إثر تصاعد الاحتجاجات العنيفة. في زاوية نائية وشبه معتمة من كافتيريا الجامعة، كانت "سمر" تجلس متصلبة، تراقب فنجان قهوتها بذهن شارد. رفعت عينيها عندما سُحب الكرسي المقابل لها، ليجلس "فارس". عقدت سمر حاجبيها بقلق وهي تتأمل وجه زميلها. كان فارس يبدو كطيف شاحب؛ عيناه محاطتان بسواد عميق، ويداه ترتجفان بوضوح وهو يضمهما فوق الطاولة. كان يتهرب من النظر إلى شاشات التلفاز المعلقة التي تبث صور المظاهرات، وكأن مجرد رؤية الأخبار تصيبه بنوبة هلع. "فارس.. هل أنت بخير؟" سألته سمر بنبرة قلقة. "تبدو وكأنك لم تنم منذ أيام. هل بسبب ما يحدث لجاد؟ هذه الحملة الإعلامية الجنونية التي شوهته وحولته إلى شيطان في نظر الناس؟" ابتلع فارس ريقه بصعوبة، ونظر إليها بعينين تلمعان برعب دفين، وقال بصوت متقطع: "أنتِ.. أنتِ لا تفهمين يا سمر. الإعلام لم يشوهه... الإعلام لا يعرف حتى عُشر ال
كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. كانت تتش
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب







