تسجيل الدخولفي ذلك المساء، خيّم هدوء ثقيل على قصر آشبورن . كانت الرياح الباردة تضرب النوافذ الطويلة بين الحين و الآخر، بينما انعكس ضوء المصابيح الزيتية على الجدران الخشبية العتيقة فملأ المكان بدفء خافت. جلست ليان إلى الطاولة الصغيرة في غرفة الدراسة الملحقة بالمكتبة، و أمامها دفاتر الكتابة التي كانت ميس وعد تصر على أن تتدرب عليها يومياً. لكن عقلها لم يكن مع الحروف. كانت تسمع شرح وعد، بينما أفكارها تدور حول فريدة و فهد و ما تخفيه تلك الرسائل التي تتنقل بينهما في الظل. حركت قلمها فوق الورق بشرود، ثم وقعت عيناها على مجموعة رسائل موضوعة فوق المنضدة الجانبية. كانت مختومة بعناية بالشمع الأحمر و تحمل أختاماً أنيقة تدل على أصحاب نفوذ و مكانة. توقفت للحظة. و بهدوء شديد، وكأن الأمر لا يعنيها، سألت: — ميس وعد... هل صحيح أن بعض الناس يستطيعون فتح الرسائل المختومة دون أن يلاحظ صاحبها؟ رفعت وعد رأسها عن الكتاب.— لماذا تسألين؟ هزت ليان كتفيها بلا مبالاة. — لا أعلم... تذكرت شيئاً من الحي القديم فقط. ابتسمت وعد بخفة.— فضولكِ لا ينتهي. ثم أضافت وعد و هي تعود بذاكرتها إلى الماضي: —
تسللت ليان عبر البوابة الجانبية لقصر آشبورن بخطوات وئيدة، مستغلة عتمة بدايه الليل وصلت إلى غرفتها دون أن يلمحها أحد من الخدم غيرت ثيابها بسرعة، و نفضت غبار عاطفة ليلتها مع فارس من رأسها، لتستبدله بـصلابة امرأة قررت مواجهة أعدائها بذكاء و مكر لا يرحم . صعدت السلالم الكبرى متجهة مباشرة نحو الجناح الشرقي فتحت الباب بهدوء متهيب لتدخل ليان لتواجه فريدة الفاروق وتخبرها بنتيجة الرسال وجدت فريدة جالسة قرب النافذة تحتسي شايها . رفعت فريدة عينيها إليها فور دخولها، و كأنها كانت تنتظر عودتها منذ مدة. تقدمت ليان حتى وقفت أمامها و قالت: — سلّمت الرسالة للسيد فهد كما طلبتِ يا سيدتي. وضعت فريدة فنجانها جانباً و سألت مباشرة: — و هل رآكِ أحد؟ ترددت ليان لحظة، ثم قالت: — نعم... السيد فارس. تجمدت حركة فريدة.— ماذا؟ — صادف وجوده هناك. و رآني أتحدث مع السيد فهد. ضيقت فريدة عينيها. —كيف عرفتي انه راكي هل سألك؟ تنهدت ليان و كأنها تستعيد موقفاً مزعجاً. — نعم مع الاسف كاد يستجوبني بالكامل. ساد الصمت لثوانٍ. ثم سألت فريدة بحدة: — و ماذا أخبرته ؟ اياكي ان يكون لسانك زل امامه
جذبها فارس مره ثانيه لتعود الي احضانه و قال ليس الان مازال هناك وقت يمكننا ان نقضي بعض الوقت معا احمرت وجنتيها و انسحبت برقه من بين ذراعيه و قالت :- لا استطيع حقا ربما يوم اجازتي يمكننا قضاء وقت اطول اما الان يجب ان اذهب قامت ليان بسرعه حتي لا يعاود الكره و ارتدت ثياب الخدم على عجل، بينما يتاملها فارس بهدوء و علي وجهه نظره غامضه كانت تحاول عبثاً أن تُخفي الارتباك الذي ما زال يملأ صدرها بعد ما حدث بينها وبين فارس. كلما تذكرت قربه منها، شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، فهزت رأسها بقوة و كأنها تطرد تلك الذكريات بعيداً قال فارس بهدوء :-انتظري سارتدي ملابسي و نذهب سويا . قالت ليان و ابتسامه صغيره تعلو وجهها :-حسنا لم تكن تريد ان تذهب معه شعرت ان كل نظره منه تستطيع اختراقها و معرفه الحقيقة لكنها وافقت مضطره رغم ذلك تحركت العربة عائدة بهما نحو قصر آشبورن، بينما بدأت خيوط الليل الاولي تشق السماء الباهتة. هذه المرة لم يكن الصمت بينهما خانقاً كما كان في طريق الذهاب لمنزلهم جلس فارس إلى جوار النافذة يراقب الطريق في هدوء، أما ليان فبقيت تراقبه من
انغلق الباب الخشبي الثقيل للمنزل و معه انقطع صخب العالم الخارجي تماماً. لم يمنحها فارس الكيلاني ثانية واحدة للاستيعاب؛ بل تحرك كالإعصار، و امتدت ذراعه القوية ليدفعها برفق حاسم نحو الحائط، ل تصبح محاصرة تماماً بين صلابة الجدار وجسده الشاهق الفارع الذي كان ينبض بالحرارة و الغضب المكتوم . رفع وجهها بيديه الحارقتين، و قبض على فكها النحيل ليجبرها على النظر في عاصفة سواد عينيه الصقريتين، ثم انطلق صوته الأجش ليخترق سكون المكان كالشفرة: — هل تخونيني يا ليان؟ انقبض قلبها برعب مباغت، لكن مكرها الأنثوي الفطري تحرك أسرع من خوفها، و قالت بسرعة و نبرة يملؤها الاندفاع الصادق: — لا.. أقسم لك لم يلمسني غيرك! روحي و جسدي لم يعرفا رجلاً سواك منذ الليلة الأولى تحرك فكه بصرامة، و عاد الجليد ليكسو ملامحه الحادة و قال بغضب: — لا تكذبي! لقد رآكِ أحد و أنتِ تتحدثين مع فهد، و قد أعطيتِه رسالة متبادلة في خفية أمام بوابات النادي أخبريني ما الذي يدور بينكِ و بينه خلف ظهري؟ نظرت في عمق عينيه المشتعلتين بالتملك و الغيرة و اتسعت عيناها و نظرت ببراءة متقنة، ثم ضمت شفتيها بدل
سارت ليان في طريق عودتها بخطى متسارعة، محاولة التملص من أثر اللزوجة التي تركتها كلمات فهد على مسمعها . كانت تلتفت يميناً و شمالاً، ينهشها القلق من أن يلمح غيابها أحد في قصر آشبورن او يراها سالم او جابر و فجأة، شق صمت الطريق الترابي صهيل خيول عنيف و وقع حوافر قاسية اندفعت عربة سوداء فارهة بسرعة جنونية لتتوقف بمحاذاتها تماماً، حارمة إياها من أي فرصة للمناورة أو الهرب. توقفت العربة، و تجمدت الدماء في عروق ليان و هي تنظر بقلق بالغ إلى الباب الذي انفتح بحدة مباغتة. اتسعت عيناها برعب و هي ترى فارس الكيلاني يجلس في الداخل. لم يكن فارس الذي تعرفه؛ كان وجهه كالجليد الصخري الصارم، خالياً من أي تعبير بشري، و عيناه الصقريتان القاتمتان تطلقان شرارات الموت لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بالإشارة إليها بيديه حاسماً، آمراً إياها بالصعود فوراً. صعدت ليان بخطى واهنة، و جلست في المقعد المقابل له و جسدها ينتفض رغماً عنها؛ فقد رأت أن وجهه يحمل تعابير توحي بالقتل و الدمار، و مع ذلك كان يلتزم صمتاً مرعباً يخنق الأنفاس داخل جوف العربة. حاولت استجماع شتات مكرها الأنثو
دخل عوض إلى ردهات النادي الأرستقراطي الفسيح بخطوات راقصة و عينين تلتمعان بشغف النميمة المعتاد. كان النادي يعج بنبلاء المدينة و رجال مالها، لكن عوض لم يكن يهتم بكل تلك الوجوه؛ بل كان يبحث ب تلهف عن رفيقيه . جاب ببصره الزوايا المضاءة بالثريات الكريستالية حتى لمحهما أخيراً يجلسان في أحد الأركان المنعزلة بعيداً عن الصخب .كان فارس الكيلاني يجلس بكامل هيبته الطاغية، يرتدي معطفه الداكن و يضع ساقاً فوق الأخرى بجمود، و بجانبه صديقه المقرب رائد .تقدم عوض نحوهما بسرعة، و قبل أن يلقي تحية الصباح، انحنى على الطاولة ب إثارة مفرطة و قال بصوت خفيض:— لن تصدقوا ما رأيتُ للتو خارج البوابات! أمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام !تنهد فارس ب ملل صامت، بينما أطلق رائد تنهيدة طويلة ممتزجة ب قلة حيلة؛ ف تقريباً عوض يأتي يومياً و يدخل عليهما بهذه الديباجة ذاتها، لينشر نميمته اليومية المعتادة داخل النادي حول فضائح النبلاء و الزيجات السرية نظر فارس إلى فنجان قهوته ب برود مذهل، و حرك فكه الصارم قائلاً بنبرة جافة:— هل اهتمامنا يوما بترهات الشوارع يا عوض، وفر حكاياتك ل شخص ي
— ليان؟استدارت ليان لتجد شابة أنيقة تقف عند مدخل المطبخ فتاة في أواخر عشرينياتها تجلس خلف طاولة خشبية شاسعة مكدسة بالكتب و الدفاتر.كانت ترتدي ثوباً ناعماً من الصوف البنفسجي، و ملامحها تفيض بالوقار والهدوء. إنها ميس وعد، المربية الخاصة بالآنسة ملك الكيلاني، الأخت الصغرى والمدللة لـ فارس و يزيد..
انغلقت الأبواب الخشبية الثقيلة للمطبخ خلف ليان، حاجبة وراءها صدى الملحق المهجور و الصفقة السوداء التي عقدتها مع فارس. كان المطبخ السفلي لقصر آشبورن في هذه الساعة أشبه بفرن هائج من الحرارة و الصخب. القدور النحاسية الكبيرة تغلي، و الأطباق تتلاطم، و رائحة الشواء القوية تملأ الأجواء المخنوقة.بمجرد
ساد الصمت الغرفة الضيقة كأنه جدار ثالث يطبق على أنفاس ليان.كان فارس الكيلاني لا يزال واقفاً بجموده المهيب، يتأمل تفاصيل وجهها المجهد و عينيها المشتعلتين بالتمرد.تحرك أخيراً، ليعتدل في وقفته ببطء شديد، و مرر يده فوق ياقة معطفه الأسود الصارم بنعومة مرعبة.انطلق صوته عميقاً، خفيضاً، و جافاً كالشتاء
انقشعت العتمة داخل الملحق المهجور عن مشهد شلّ أطراف ليان بالكامل.لم تكن هناك صناديق أو أثاث قديم يحتاج إلى ترتيب.كان هناك جحيم حقيقي ينتظرها.من السقف الخشبي العالي للملحق.. تدلت حبال غليظة ثقيلة.و كان هناك جسدان معلقان من أيديهما، يترنحان برفق وسط العتمة.الدماء تسيل من وجهيهما، و ثيابهما ممزق







