登入دخلت ليان إلى محل المثلجات بخطوات خفيفة.
غمرتها الروائح العذبة و الذكية المنبعثة من أركان المكان الفاخر. شعرت فجأة بحماس طفولي نقي لم تذق مثله منذ سنوات طويلة. اشترت مثلجاتها بمرتبها الخاص، و خرجت إلى الرصيف تتناول ما اشترته بسعادة عارمة. ارتسمت على وجهها الصافي نصف ابتسامة حقيقية تذوقت فيها طعم الحرية.و فجأة .دوى صوت شلّ الحركة في أوصالها تماماً. صوتٌ مألوف، أجش، و دب الرعب و الموت الكامن في قلبها من الطرف الآخر للشارع — ليان! أيتها اللعينة اللقيتة! سأقتلكِ حقاً هذه المرة! ذعرت ليان بصدمة مروعة زلزلت كيانها. سقطت المثلجات من يدها المرتجفة فوراً لتتلوث بوحل الطريق و عتمته. لم تلتفت خلفها لترى وجهه البشع. أطلقت ساقيها للريح و أخذت في الركض الهستيري الهارب وسط زحام المارة. و صوت جابر مراد يلاحق ظهرها كالكابوس و لا ينقطع:— يا عديمة الخير! أنتِ ابنة عاقة خائنة! لن تفلتي من يدي الليلة! ظلت تجري و تنعطف عبر الشوارع الضيقة و الممرات الملتوية للمدينة. كانت أنفاسها لاهثة، متقطعة، و صدرها يعلو ويهبط بعنف و خوف. ركضت بكل ما تملك من غريزة بقاء، حتى اختفى صراخه تماماً و تبدد أثره وراءها. توقفت عند أحد المنعطفات و هي تلعن حظها العاثر و السيئ الذي يلاحق ظلها حتى في نهار حريتها.و بينما كانت تسرع الخطى لتبتعد و تختبئ، اصطدمت فجأة و بقوة بامرأة قادمة من الجهة المقابلة. تراجعت المرأة خطوة للوراء، و نهرتها بغضب عارم و فظاظة فوراً قبل أن تنظر إلى وجهها:— ألا ترين أمامكِ أيتها الجاهلة؟! و لكن.. ما إن رفعت المرأة عينيها و تأملت تفاصيل ملامح ليان الصامتة.حتى تجمدت كلمات السباب على شفتيها.و اتسعت عيناها بصدمة مباغتة، و هَمست بغير تصديق:— أنتِ؟! ما هذه الصدفة العجيبة؟!تغيرت ملامح المرأة بالكامل في ثانية واحدة. بينما صُدمت ليان و شعرت ببرودة مرعبة تجتاح عظامها المرتجفة. و قالت في سرها بيأس حارق: لابد أنني ملعونة حقاً.. هل يتآمر القدر و الكون ضدي الليلة ل يسحقني؟لم تكن تلك المرأة سوى المحظية ذاتها؛ المرأة القادمة من رحلة الريف الملوثة.المرأة التي سخرت منها، و دست في كفها بطاقة عنوانها عند الفجر. و فجأة.تحول وجه المرأة بالكامل بعد التعرف على هويتها. اختفى الغضب و السباب الحاد بعد الاصطدام، و حلّت مكانهما ابتسامة مشرقة، ناعمة، و تفيض بلطف مفاجئ.لطفٌ دافئ لم يكن موجوداً أبداً في قسوة رحلة الريف.و قالت بنبرة عذبة:— مرحباً بكِ.. يا لها من مصادفة رائعة!ردت ليان بحذر شديد و خوف ينهش جوفها المذعور.كانت تلتفت برأسها الصغير يميناً و شمالاً، مرعوبة من أن يكون جابر قد تعقب أثرها أو يلمح ظهرها وسط المارة.هَمست بنبرة مخنوقة و مطيعة:— مرحباً..كانت المرأة ترتدي ملابس أرستقراطية فاضحة و جريئة تعكس طبيعة عملها.لكن وجهها الليلة كان يحمل ملامح حنان و لطف حقيقي غاب عن لقائهما الأول.نظرت إلى حقيبة ليان القماشية الصغيرة، و سألتها بفضول واهتمام مريب:— هل جئتِ إلى هذا الحي خصيصاً للبحث عني؟اندهشت ليان و تلعثمت الكلمات الخائفة في حلقها:— ماذا؟!أشارت المرأة بسبّابتها نحو مبنى سكني فاخر و مهيب يقع قبالتهما مباشرة على الرصيف الآخر، و قالت بابتسامة غامضة:— هذا المبنى المقابل هو منزلي.. العنوان ذاته الذي أعطيتكِ إياه عند الفجر. يبدو أنكِ فكرتِ في العرض سريعاً و قررتِ القدوم.فتحت ليان فمها لتنفي الأمر و تخبرها بالصدفة البحتة.. لتخبرها أنها هاربة من جحيم الشارع و لا تبحث عن وكر للمحظيات.لكن.. في تلك الثانية القاتلة و الحاسمة.تردد صدى صوت جابر الأجش و الغاضب يقترب من المنعطف الخلفي للشارع ذاته.كان يصرخ باسمها و يبحث عنها بغلّ، و لكنه لم يلمح جسدها بعد وسط زحام الناس.لم يعد هناك وقت للتفكير، و لم يعد هناك أي مفر؛ فالخروج للشارع يعني السقوط في يد والدها و سالم فوراً.و بحركة سريعة و مباغتة، امتدت يد ليان لتقبض على ذراع المرأة بقوة و عنف أذهلها.سحبت ليان المرأة بسرعة فائقة نحو البوابة الرئيسية للمبنى، و قالت بنبرة مذعورة و حاسمة صبغت بالخوف المتفجر:— نعم.. نعم، جئتُ لأجلكِ! فلندخل فوراً.. أرجوكِ! اندهشت المرأة من اندفاعها المفاجئ و قوة قبضتها الحديدية، لكنها لم تتحدث.التفتت و فتحت باب المبنى بسرعة، لتندفع ليان معها إلى الداخل و تغلق الباب الحديدي الثقيل خلفهما بقفل محكم..لتنجو من ذئاب الشارع ب كذبة جديدة، توقفت المرأة أمام الباب الخشبي العريض. أخرجت مفتاحاً ذهبياً صغيراً و فتحته بسرعة. ثم دفعت الباب قائلة بابتسامة: — هيا ادخلي. لم تنتظر ليان ثانية واحدة. اندفعت إلى الداخل و أغلقت الباب خلفها بنفسها. وقفت لاهثة. قلبها يكاد يقفز من صدرها. اقتربت بحذر من النافذة الصغيرة المطلة على الشارع. رفعت الستارة قليلاً. و في اللحظة التالية... رأت جابر. كان يمر من الطرف الآخر للشارع. وجهه محتقن بالغضب. عيناه تبحثان بجنون بين المارة. توقف لثوانٍ. التفت يميناً و يساراً. ثم بصق على الأرض و أطلق شتيمة قذرة قبل أن يكمل طريقه. خرج الهواء من صدر ليان دفعة واحدة. و كأنها كانت تحبس أنفاسها منذ دقائق. استندت إلى الحائط وأغمضت عينيها. — الحمد لله... لكنها لم تكد تنطقها حتى وصلها صوت المرأة من خلفها: — يبدو أن هناك من كان يطاردك فعلاً. فتحت ليان عينيها بسرعة. و استدارت. كانت المرأة تراقبها باهتمام واضح. لكن تلك الابتسامة الوديعة التي ارتسمت على شفتيها حملت شيئاً غامضاً هذه المرة. شيئاً لم تستطع ليان تفسيره. قالت المرأة وهي تشير إلى الداخل: — تعالي... اجلسي أولاً و اشربي شيئاً. — ثم تخبرينني لماذا كانت ابنة حي المداخن تركض في الشوارع و كأن الشياطين تطاردها. ترددت ليان. للحظة واحدة فقط. ثم رفعت رأسها و نظرت حولها لأول مرة. حينها... أدركت أنها لم تدخل منزلاً عادياً. كانت القاعة فخمة بصورة مبالغ فيها. مرايا ضخمة. ثريات كريستالية. أثاث فاخر. و سجاد يساوي ثمن عشرات البيوت في حيها القديم. اتسعت عيناها بذهول. كيف يمكن لامرأة مثلها أن تعيش هنا؟ و من تكون حقاً؟ و في الطابق العلوي... صدر صوت ضحكة رجالية خافتة. تجمدت ليان في مكانها. بينما ارتسمت على شفتي المرأة ابتسامة غامضة وهي تقول: — لا تقلقي... أنتِ بين أصدقاء. لكن لسبب ما... لم تشعر ليان بالاطمئنان أبداً.انفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم







