Masukشعور مخنوق بالرفض والضيق تخلل غيابات وعيها المغيب؛ فرغم أن مِيلَا كانت غارقة تماماً في هذيان المنشط ونيرانه، إلا أن برود إيڤان وجموده جعلاها تشعر بغصة حارقة. تضاعف هوسها واهتزازها، وبدأت شفاها تلاحق شفتيه بطريقة عشوائية، محمومة، وأهوج تماماً. كانت تقبله بيأس متناهٍ، تحاول كسر ذلك الجمود، وتهمس ببراءة مطلقة وسط أنفاسها المتقطعة: — "إيڤان... لمَ أنت قاسٍ هكذا... لمَ لا تقبلني..." كان إيڤان يحترق حياً، يصارع أشد جحيم مرّ في حياته؛ فكل قبلة هوجاء كانت تتركها شفاها على شفتيه المطبقتين بقسوة كانت تكفي لتفتيت آخر ذرة عقل يمتلكها. كاد ينهار ليحاوط وجهها ويغرق في تلك الشفاه التي تستميت في ملاحقته، لكنه عض على ألمه وقبض بيديه على المقعد، رافضاً بصلابة مرعبة أن يستجيب. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط هذا الصراع الداخلي المرير، اهتزت السيارة فجأة وأطلق السائق صراخاً تحذيرياً: — "سيدي! سيارات مجهولة تطاردنا من الخلف! إنهم يقطعون الطريق!" التفت إيڤان برأس مشتعل نحو النافذة الخلفية، لتلمح عيناه سيارتين سوداوين مصفحتين تخرقان ظلمة الطريق بسرعة جنونية، وتقتربان بتصادم عدواني محاولتين محاصرتهم، تلاه م
كانت السيارة الفارهة تشق طريقها وسط ظلمة الليل بسرعة جنونية، وكأنها هارب من جحيم مشتعل. في المقعد الخلفي، كان العالم بأسره قد انحصر في تلك المساحة الضيقة بين إيڤان ومِيلَا. كانت غارقة تماماً في غيبوبة شبه كاملة، غارقة في الهلوسة والاحتراق الداخلي الذي خلّفه المنشط العصبي في عروقها. كان إيڤان ضامماً إياها إلى صدره بقوة ألغت كل المسافات، محيطاً إياها بذراعيه وكأنه يحاول بدمه ودفء روحه أن يمتص ذلك السم الملعون ويسحب عنها كل رعب تلك الليلة. ولمنعها من إيذاء نفسها وسط رجفاتها المستمرة، انحنى بهدوء وطبع قبلة حارقة وعميقة على جبينها العرقان، هامساً بصوت مخنوق ومرجف: — "أنا هنا... أنا معكِ يا مِيلَا، لن أترككِ..." لكن تأثير المنشط الشيطاني كان قد عبث بكل حواسها وجعلها في حالة من الهذيان والاحتياج الجسدي المطلق الذي جردها من أي وعي أو سيطرة. وما إن لامست شفتاه جبينها، حتى انقلبت توازناتها المفبركة؛ فبدل أن تهدأ، اشتعلت نيران جسدها أكثر، وتحولت رجفاتها إلى حالة من الذوبان الجنوني. رفعت وجهها ببطء شديد، وعيناها الزائغتان تلمعان ببريق محموم. وبلا أي تردد أو وعي، بدأت تتلمس وجهه بأصابع مرت
لم يعد في صدر إيڤان متسع لنبضة واحدة إضافية من الصبر. كانت عيناه قد فقدتا أي ومضة بشرية، وتحولتا إلى سواد حالك، صامت، ومرعب لدرجة تجمدت لها دماء كل من كان في المكان. حين مد تشارلز يده الوقحة أكثر لتلامس جسد مِيلَا المرتجف فوق حضنه، وسمع صدى صوتها المتهدج وهي تهمس باسمه وسط دوامة النشوة المخدرة، انكسر الحائط الأخير بين الجنون والعقل في رأس إيڤان. — "لقد انتهى الوقت..." همس إيڤان بصوت خشن، ثقيل، وميت يقطر سمّاً. وفي جزء من ألف من الثانية، وقبل أن يدرك تشارلز أو أي من حراسه الاثني عشر ما يعنيه غضب ملك الإمبراطورية المنفلت، تحرك إيڤان بسرعة سراب مرعب. لم ينتظر الإشارة، ولم يكترث لفوهات الأسلحة الموجهة نحو صدره. بمناورة خاطفة ومذهلة، رمى جسده للأمام منحرفاً عن مسار الطلقات الأولى التي انطلقت عشوائية من بعض الحراس المذعورين، وفي نفس الحركة، رفع سلاحه وأطلق طلقة واحدة مدوية ومحسوبة بدقة متناهية. لم تكن موجهة لتشارلز، بل اخترقت يد الحارق الأيمن لتشارلز الذي كان يوجه سلاحه نحوه، فطارت قطعت السلاح من يده وسط صرخة ألم مرعبة هزت المستودع. لكن المذبحة الحقيقية لم تبدأ من سلاح إيڤان وحدها؛ ففي
توقف إيڤان في منتصف العتبة المحطمة. كانت أنفاسه متسارعة تكاد تحرق صدره، لكن ملامحه تجمدت تماماً لتتحول إلى قناع جليدي مرعب يخفي خلفه براكين من الغضب المنفلت. لم يكن يقف وحده؛ ففي غضون ثوانٍ معدودة، تدفق المزيد من رجال تشارلز من الممرات الجانبية والأبواب الخلفية للمستودع، حتى بات المكان يغص بأكثر من اثني عشر مسلحاً محترفاً، انتشروا بسرعة في الزوايا ووجهوا أسلحتهم الثقيلة نحو إيڤان من كل اتجاه، بينما تركزت فوهات ثلاثة بنادق أخرى بدقة على رأس وجسد مِيلَا مباشرة. وسط تلك الدائرة المميتة، رسمت على شفتي تشارلز ابتسامة صفراء مشبعة بالانتصار المريض. ترك مسدسه الموجه نحو رأسها لثانية، وخطا خطوة إضافية نحوها، ماداً يده بوقاحة ليمسح بظهر أصابعه على بقية ياقته الممزقة من كتفها، متقصدًا إبراز تحرشه بها أمام عيني إيڤان مباشرة. — "أهلاً بملك الإمبراطورية العظيم..." قال تشارلز بصوت ساخر يقطر استفزازاً، وهو يضغط بيده أكثر على كتفها المكشوف بينما كانت مِيلَا تكافح بقوة لتبعده عنها رغم قيودها، وصوت صرخاتها المكتومة يمزق سكون المكان: "كنت أظن ستصل أسرع من ذلك... لكن يبدو أن رجالكَ يحبون التأخير. انظر
بينما كانت سيارات رتل الحراسة تقطع الطريق بسرعة نحو الضواحي الصناعية الشمالية، كان إيڤان جالساً في المقعد الخلفي يراقب الثواني بقلب يحترق. لم يكن قد وصل بعد، والمسافة كانت تستهلك منه كل ذرة صبر يمتلكها، فكل دقيقة تمر كانت تعني أن مِيلَا تقبع وحيدة تحت رحمة تشارلز. وفجأة، صدر صوت تنبيه حاد من هاتفه. فتح الرسالة ليظهر أمام عينه مقطع فيديو قصير. ظهر فيه تشارلز وهو يقترب من مِيلَا المقيدة، ويمد يده بوقاحة ليمزق مقدمة قميصها، مكشفاً عن جزء من كتفها وصدرها، بينما كانت هي تقاوم بضراوة وصوتها المكتوم ينم عن رعب وغضب عارم. وصدح صوت تشارلز الساخر في الفيديو: — "أنظر جيداً يا إيڤان... هذه مجرد البداية، وبينما أنت في طريقك إلينا، سيكون لدي متسع من الوقت لأسألك كم ستتحمل من هذا العرض!" شعر إيڤان بوخزة حادة في صدره وكأن ناراً قد أُضرمت فيه. لم يصرخ، ولم يفقد صوابه بشكل جنوني، لكن وجهه تجمد بالكامل وتحولت ملامحه إلى قناع مرعب من الجمود والسواد. قبض بيده بقوة على الهاتف حتى ضغطت أصابعه على زجاج الشاشة بخطوط واضحة من شدة الغضب، لكنه ضبط نفسه بسرعة وأعاد إدخال الهاتف إلى جيبه لئلا يفقد تركيزه وسط ه
لم يمنح إيڤان لنفسه ترف الاستسلام لذاك العجز القاتل طويلًا، لكن الصدمة لم تكن شيئاً يُنسى بضربة كف؛ فقد ترك غياب مِيلَا فراغاً بارداً ومرعباً في صدره يلتهم كل شعور بالسيطرة اعتاد عليه. كان يدلم بـأصابعه على جدران الممر السفلي، وأنفسه تخرج ثقيلة ومتقطعة، محارباً صراعاً داخلياً عنيفاً: عقله الحسابي يطالبه بالتركويز ورسم خطة مدروسة لتجنب أي خطأ قد يودتي بحياتها، بينما روحه تكاد تفقد صوابها خوفاً من أن تتأخر خطواته عن الموعد الحاسم. فكرة أنها مرعوبة الآن، أو أنها تتعرض للأذى بعيدةً عن عينيه، كانت تنهش روحه من الداخل وتجعله يقف على حافة الهاوية. التفت بعينين محقونسيتن بالدم والمشاعر المتخبطة نحو رامي، وقال بصوت خشن ومتحشرج بالكاد يستقيم: — "تتبع سيارات تشارلز عشوائياً يشبه البحث عن إبرة في كومة قش، وهم يعلمون ذلك جيداً... لكنه ترك خلفه أثراً." انحنى إيڤان مرة أخرى، وأصابعه تمتلئ ببرودة المكان، ليفحص زاوية الممر بدقة حتى وجد قطرة دم صغيرة جداً كادت تضيع وسط عتمة الأرضية، ومعها قطعة معدنية دقيقة من زر علوي تعود لأحد الخاطفين. قبض على تلك القطعة بقوة جعلت مفاصل يده تصرخ ألماً، مستمداً منه







