LOGINالطريق إلى المجهول:
لم تكن ألين قادرة على نسيان تلك الليلة، فكلما أغمضت عينيها عادت إليها نفس المشاهد مرة أخرى؛ صوت الطرق على الباب، ذلك الصوت الغريب الذي نادى باسمها وكأنه يعرف أنها بالداخل، اللحظات التي اختبأت فيها داخل الحمام وهي تحاول أن تمنع نفسها من إصدار أي صوت، ثم أصوات إطلاق النار التي جعلت كل شيء بداخلها يتوقف للحظة. كانت حياتها قبل ذلك اليوم مختلفة تمامًا، كانت تعرف الخطر فقط من خلال القصص التي تلتقط صورها لها، أو من خلال الأخبار التي تراها على شاشات التلفاز، لكنها الآن أصبحت داخل القصة نفسها، ولم تعد مجرد شخص يراقب الأحداث من بعيد. كانت تجلس داخل السيارة بجانب كاي بعد أن خرجا من شقتها، لكنها لم تكن تشعر بالراحة رغم ابتعادهما عن المكان. كانت تنظر من نافذة السيارة إلى شوارع باريس التي اعتادت السير فيها كل يوم، لكنها شعرت وكأن المدينة أصبحت غريبة عنها. نفس الشوارع، نفس المباني، نفس الأضواء، لكن الإحساس تغير بالكامل. أصبحت ترى خلف كل شخص احتمالًا للخطر، وخلف كل حركة سؤالًا جديدًا لا تملك إجابته. أما كاي فكان يقود السيارة بصمت، ويداه تمسكان المقود بقوة، وعيناه لا تتركان الطريق ولا المرآة الخلفية. كان يتأكد من عدم وجود أي سيارة تتبعهم، وكان يحاول أن يبدو هادئًا، لكن ألين استطاعت أن تلاحظ التوتر الموجود في تصرفاته. قالت بعد فترة طويلة من الصمت: "إلى أين نحن ذاهبان؟" لم يجب مباشرة. ظل ينظر إلى الطريق ثم قال: "علينا أن نذهب إلى مكان آخر أولًا." نظرت إليه باستغراب. "مكان آخر؟" أومأ. "شقتي." شعرت ألين بالتوتر. "كاي، أنت قلت إن علينا الهروب. لماذا نعود إلى مكان قد يكون مراقبًا؟" أجاب بهدوء: "لأن هناك شيئًا مهمًا هناك." عرفت ألين فورًا ما يقصده. الكتاب. قالت: "الكتاب." لم ينكر. "نعم." سكتت للحظات، ثم قالت: "أنت مستعد للمخاطرة والعودة فقط من أجل هذا الكتاب؟" نظر إليها للحظة قصيرة ثم أعاد عينيه للطريق. "أنت لا تفهمين." ردت بسرعة: "إذن اجعلني أفهم." لم يجب. وكان صمته أكثر إزعاجًا من أي إجابة. --- عندما وصلا إلى مبنى كاي، لم ينزلا من السيارة مباشرة. بقي كاي يراقب المكان لعدة دقائق، وكأنه يحاول أن يكتشف إذا كان هناك أي شيء تغير منذ آخر مرة كان فيها هنا. لاحظت ألين ذلك. قالت: "هل تتوقع أن يكون أحد هنا؟" أجاب: "لا أعرف." كانت هذه أول مرة تسمع منه هذه الكلمة. كاي الذي كان دائمًا يبدو وكأنه يعرف كل شيء، قال إنه لا يعرف. خرج من السيارة وأشار لها أن تبقى قريبة منه. دخلا المبنى بسرعة، وصعدا إلى الشقة. فتح كاي الباب بحذر، ودخل أولًا. كان المكان هادئًا. هادئًا أكثر من اللازم. تحرك داخل الشقة وهو ينظر حوله، ثم اتجه مباشرة نحو المكتب. وقفت ألين عند الباب تراقبه. هذا المكان كان بداية كل شيء. هنا وجدت الدرج المغلق. هنا وجدت الكتاب. وهنا بدأت الأسئلة التي لم تجد لها إجابات حتى الآن. فتح كاي الدرج المخفي وأخرج الكتاب. للحظة بقي ينظر إليه دون أن يتحرك. لاحظت ألين ذلك. كان ينظر إلى الكتاب وكأنه لا يرى مجرد أوراق، بل يرى شيئًا يحمل سنوات من الألم والخوف. قالت بهدوء: "هل تخاف منه؟" رفع عينيه إليها. "من الكتاب؟" أومأت. ظل صامتًا قليلًا ثم قال: "أنا أخاف مما يستطيع أن يسببه." لم تفهم ألين قصده بالكامل، لكنها شعرت أن هناك شيئًا أكبر مما يخبرها به. أخذ كاي الكتاب ووضعه داخل حقيبة صغيرة، ثم أغلقها بإحكام. في تلك اللحظة، سمعا صوتًا خفيفًا قادمًا من الخارج. توقف الاثنان. نظر كاي نحو الباب. لم يتحرك. حتى ألين فهمت هذه المرة. هذا الصوت يعني الخطر. --- اقترب كاي من النافذة ونظر إلى الأسفل، ثم عاد إليها وقال بصوت منخفض: "علينا أن نخرج الآن." لم تسأله لماذا. لم يعد لديها وقت للأسئلة. خرج الاثنان من الشقة، لكن هذه المرة كان كل شيء مختلفًا. لم تكن ألين تهرب من شيء لا تفهمه فقط، بل كانت تحمل معها دليلًا يمكن أن يكشف أسرارًا لا يريد أحد أن تظهر. كان الكتاب معها. وكان ذلك يجعلها جزءًا من الخطر أكثر من أي وقت مضى. --- في الطريق إلى محطة المترو، حاول كاي تغيير مظهره قدر الإمكان. وضع قبعة منخفضة على رأسه، وغطى جزءًا من وجهه، وغير طريقة مشيه. لاحظت ألين ذلك وقالت: "أنت خائف أن يعرفك أحد." قال: "أنا شخص معروف." ثم أضاف بعد لحظة: "وأحيانًا الشهرة تجعل الاختباء أصعب." كانت تفهم الآن لماذا كان الأمر معقدًا بالنسبة له. كاي لم يكن يستطيع فقط أن يختفي مثل أي شخص آخر. وجهه موجود في كل مكان، وصورته يعرفها الملايين. وصلا إلى محطة المترو وسط الزحام، وكان ذلك أفضل مكان للاختباء مؤقتًا. الناس يتحركون حولهم دون أن يهتموا بمن يقف بجانبهم، وكل شخص يعيش قصته الخاصة. لكن بالنسبة لألين وكاي، كانت قصتهم قد أصبحت سباقًا مع الوقت. وقفا أمام لوحة المواعيد. قال كاي: "سنغادر باريس." نظرت إليه. "إلى أين؟" أجاب: "مكان بعيد." "هل هو آمن؟" صمت قليلًا. ثم قال: "سيكون أكثر أمانًا من هنا." لم يعجبها جوابه، لكنه كان أفضل من البقاء. دخل القطار. جلسا في مكان بعيد عن الأنظار. كانت ألين تنظر إلى الكتاب الموجود داخل الحقيبة، ثم تنظر إلى كاي. كانت تعرف أن لديها أسئلة كثيرة. عن الكتاب. عن المنظمة. عن الأشخاص الذين ماتوا. وعن اسمها الموجود في النهاية. لكنها أدركت شيئًا مهمًا. إذا أرادت معرفة الحقيقة... فعليها أولًا أن تبقى على قيد الحياة. تحرك القطار ببطء، وبدأت أضواء باريس تختفي خلفهما. ولم تكن ألين تعرف إلى أين يأخذها هذا الطريق. لكنها كانت تعرف أن العودة أصبحت مستحيلة.مراقب المنظمةلم تكن الغرفة قد تغيّرت كثيرًا منذ اللحظة التي اجتمع فيها الأربعة حول الطاولة، لكن شيئًا في داخلها كان قد تغيّر بالفعل. لم تعد الأوراق المبعثرة أمامهم مجرد أدلة منفصلة، ولم يعد الدفتر الذي وضعه كاي بينهم مجرد الشيء الغامض الذي يطارده منذ بدأ كل شيء. صار لكل ورقة مكان محتمل داخل صورة أكبر، وصار لكل اسم احتمال أن يقود إلى اسم آخر، وكل تاريخ يمكن أن يخفي وراءه حدثًا لم يفهموه بعد.جلس كاي إلى جوار ألين، بينما جلس محمد عبد العزيز في الجهة المقابلة، وبقي أدريان واقفًا للحظات أمام الطاولة قبل أن يسحب الكرسي ويجلس. كان واضحًا أنه لم يعتد الجلوس مع أربعة أشخاص لمناقشة شيء كان طوال سنوات يحاول أن يخفيه عن العالم. وضع الملف أمامه، ثم بقيت يده فوقه دون أن يفتحه.قال محمد بهدوء: «قبل أن نبدأ، أريد أن أعرف شيئًا واضحًا.»رفع أدريان عينيه إليه.«ما طبيعة عملك داخل المنظمة؟»لم يجب أدريان مباشرة. نظر إلى كاي، ثم إلى ألين، ثم عاد بنظره إلى محمد.قال: «كنت مراقبًا.»كرر محمد: «مراقبًا؟»«نعم. لكن الكلمة أبسط من الحقيقة.»قال محمد: «إذن اشرح لنا الحقيقة.»فتح أدريان الملف أخيرًا، وأخرج من
أثر لا يزال حيًّالم يكن ظهور أدريان في نهاية الليلة السابقة يشبه أي شيء توقعه كاي أو ألين، فبعد أسابيع طويلة من البحث، وبعد أن أصبح اسمه مرتبطًا بكل خيط غامض ظهر أمامهما منذ بداية القضية، كانا يتوقعان أن العثور عليه سيكون بداية لسلسلة طويلة من الأسئلة، وربما مطاردة جديدة، وربما حتى خيبة أمل إذا وجداه وقد قرر أن يختفي إلى الأبد، لكنهما لم يتوقعا أن يقفا أمامه فعلًا، وأن يسمعا منه اسمه بصوته، وكأن الرجل الذي ظل مجرد أثر في الأوراق والصور والحديث المتقطع أصبح فجأة حقيقة تقف أمامهما. ولم يكن كاي وحده من كان يحاول استيعاب الأمر، فألين بقيت صامتة للحظات، تنظر إلى أدريان بحذر شديد، بينما كان محمد عبد العزيز يقف إلى جوارها، يراقب الرجل دون أن يظهر على وجهه مقدار المفاجأة التي شعر بها في داخله.كان المكان هادئًا بصورة جعلت الصمت أثقل من الكلام، والهواء البارد يتسلل من النافذة القديمة إلى الغرفة التي وجدوا فيها أدريان، بينما بقيت آثار السنوات واضحة على الجدران والأثاث البسيط. أدريان لم يتحرك من مكانه، ولم يحاول أن يقترب منهم، بل ترك بينهم مسافة واضحة، وكأنه يعرف جيدًا أن أربعة أشخاص لا يعرفون
الاسم الذي بقي خلف الصورةلم يكن كاي قد نام أكثر من ساعات قليلة منذ الليلة السابقة، ومع ذلك كان مستيقظًا قبل أن تشرق الشمس تمامًا. بقي مستلقيًا للحظات، يحدق في السقف دون أن يحاول العودة إلى النوم، بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسه بطريقة لم يعد قادرًا على إيقافها. منذ أن خرجوا من الدائرة الأولى للأحداث، لم يعد الماضي بالنسبة إليه مجرد شيء حدث وانتهى، بل أصبح أشبه بظل طويل يمتد خلفهم أينما ذهبوا. كلما ظن أنه اقترب من نهايته، ظهر أمامه باب جديد، وخلف كل باب اسم أو صورة أو عنوان أو شخص كان موجودًا في مكان ما من القصة قبل أن يعرف كاي حتى أنه جزء منها. مد يده إلى هاتفه، نظر إلى الوقت، ثم جلس على حافة السرير. كان الهدوء في المنزل غريبًا، فالمدينة في الخارج بدأت تستعيد صوتها تدريجيًا، والسيارات تمر في الشوارع، والناس يخرجون إلى أعمالهم، لكن داخل المنزل كان كل شيء ساكنًا، وكأن المكان نفسه ينتظر شيئًا. التفت كاي نحو ألين، فوجدها نائمة على الأريكة القريبة من النافذة، وقد بقيت بعض الأوراق مبعثرة حولها بعد أن غلبها التعب في وقت متأخر من الليل. لم يوقظها مباشرة. اقترب منها، جمع الأوراق التي كانت ع
الذين لعبت بهم المنظمةبقيت النقطة المضيئة على الخريطة أمام عيني كاي لوقت أطول مما ينبغي، وكأنها لم تكن مجرد علامة تشير إلى مدينة أخرى، بل كانت إصبعًا خفيًا يمتد من مكان مجهول ليشير إليه مباشرة. كانت الغرفة هادئة، والضوء المنبعث من الشاشة ينعكس على وجهيهما، بينما بقيت ألين واقفة إلى جواره، تحدق في الخريطة التي لم تعد بالنسبة إليها مجرد مجموعة من المدن المتباعدة. باريس، دبي، القاهرة، نيروبي، جوهانسبرغ، الخرطوم، والمدينة الجديدة التي لم يعرفا بعد لماذا ظهرت في تلك اللحظة تحديدًا؛ كلها بدت كقطع متناثرة من صورة واحدة، صورة لم يكن أحد منهما قادرًا على رؤية حدودها كاملة.قالت ألين بصوت منخفض:— هل تعتقد أن هذه النقطة مرتبطة بالملف؟لم يجب كاي فورًا. مد يده وأعاد تكبير الخريطة، ثم راقب العلامة الجديدة وهي تتوسط مساحة صغيرة على الشاشة. كان عقله لا يزال عالقًا عند الكلمات الأخيرة التي تركها محمد عبد العزيز قبل أن يفارقهم، وعند الطريقة التي تحدث بها الرجل وكأنه يعرف أكثر بكثير مما سمح لهما بمعرفته. لم يكن كاي يثق به بصورة كاملة، لكنه لم يعد قادرًا على اعتباره مجرد شخص مجهول ظهر من العدم ليزيد ا
لم يكن الطريق إلى العودة يشبه الطريق الذي سلكه كاي وألين في بداية ذلك اليوم. كانت الشوارع نفسها، والمباني نفسها، والمدينة تواصل حركتها المعتادة دون أن تعرف أن شخصين يسيران فيها وهما يحملان الآن جزءًا من حقيقة أكبر بكثير مما توقعاه. كان كاي يقود بصمت، وعيناه ثابتتان على الطريق، بينما كانت ألين تجلس إلى جواره، وقد وضعت يديها فوق حقيبتها، كأنها تحاول أن تمنع أفكارها من التبعثر معها.لم يتحدث أيٌّ منهما خلال الدقائق الأولى.كان محمد عبد العزيز قد ترك وراءه من الأسئلة أكثر مما ترك من الإجابات، وربما كان ذلك مقصودًا. لم يكن الرجل يتحدث كمن يحاول إقناعهما بشيء، بل كمن يعرف أن بعض الحقائق إذا قيلت كاملة في وقت واحد تصبح أخطر من أن تُفهم. كان يعطيهما قطعة، ثم يتوقف. يترك فراغًا، وينتظر منهما أن يملآه بأنفسهما.قالت ألين أخيرًا، دون أن تنظر إليه:— أنت صامت منذ خرجنا.أجاب كاي:— أحاول أن أرتب ما قاله محمد.— وأنا أحاول الشيء نفسه.صمت قليلًا، ثم قال:— هل تصدقينه؟نظرت إليه.— لا أظن أن السؤال هو إن كنت أصدقه أم لا.— إذن ما السؤال؟— السؤال هو: كم جزءًا مما قاله كان يعرفه فعلًا، وكم جزءًا منه
كان الليل قد استقر فوق المدينة حين انتهت الرسالة الأخيرة، ولم يبقَ في الغرفة سوى ضوء المصباح الصغير المنعكس على حافة الطاولة، وعلى الهاتف الذي ظل مفتوحًا أمام الرجل الجالس في الطرف الآخر منها. لم يتحرك طويلًا. بقي يقرأ السطر الأخير مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة لم تكن مجرد رسالة، بل بابًا فُتح فجأة على شيء أكبر بكثير مما كان مستعدًا لمواجهته.رفع عينيه عن الهاتف، ونظر إلى الرجل الجالس أمامه.كان الآخر قد ظل صامتًا طوال الدقائق الماضية، يراقبه دون أن يسأله عن مضمون الرسالة. لم يكن بحاجة إلى السؤال؛ فقد كان يعرف أن الصمت في مثل هذه اللحظات أكثر فائدة من الفضول.قال الرجل الجالس أمامه أخيرًا:— إذن وصلت.أومأ الآخر ببطء.— وصلت.— وهل أجاب؟نظر إلى الهاتف مرة أخرى.— نعم.ساد الصمت.ثم قال الرجل:— ماذا قال؟تردد قليلًا قبل أن يجيبه:— يريد أن يعرف من أرسل الرسالة.رفع الرجل حاجبه.— وهذا متوقع.— وهناك شيء آخر.— ما هو؟أطفأ شاشة الهاتف ووضعه على الطاولة.— لن يأتي وحده.لم تتغير ملامح الرجل كثيرًا، لكنه أسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال بهدوء:— هل هذا يزعجك؟— لا.







