Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل الثالث عشر

Share

الفصل الثالث عشر

last update publish date: 2026-06-15 04:17:31

لم تخبر رهف أحدًا.

لا نادين.

ولا والدتها.

ولا حتى نفسها بالحقيقة كاملة.

منذ أن قرأت رسالة والدها، وهي تشعر وكأن شيئًا تغير داخلها.

ليس العالم من حولها.

بل هي.

كأنها كانت تعيش طوال السنوات الماضية فوق أرض مستقرة، ثم اكتشفت فجأة أن كل شيء تحت قدميها مجرد طبقة رقيقة تخفي هوة عميقة.

كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا.

والمنزل ما يزال هادئًا.

جلست رهف أمام المرآة تمشط شعرها ببطء.

لكن عقلها لم يكن هنا.

بل كان مع الكلمات الأخيرة في الرسالة.

"ابحثي عن الرجل الذي كان يُدعى فارس."

لماذا فارس؟

ومن يكون أصلًا؟

ولماذا ربطه والدها بالحقيقة؟

أغلقت عينيها للحظة.

ثم تنهدت.

الأسئلة أصبحت أكثر من الإجابات.

---

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه.

بين أصابعه الصورة القديمة.

الصورة التي تجمع والده وحسام الشاذلي ويوسف الجندي وفارس المنياوي.

منذ الأمس وهو ينظر إليها عشرات المرات.

كل مرة يكتشف تفصيلة جديدة.

كل مرة يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.

ثم عاد إليه كلام يوسف.

"فارس اختفى... لكنه ترك وراءه شيئًا."

ما هذا الشيء؟

ولماذا يتحدث الجميع عنه وكأنه شبح؟

أدار الصورة بين يديه.

ثم أمسك هاتفه.

واتصل بسليم.

---

بعد نصف ساعة...

دخل سليم المكتب.

يحمل كوب قهوة بيده.

– خير؟

رفع آدم الصورة أمامه.

– محتاج كل حاجة عن الشخص ده.

نظر سليم إلى الصورة.

– مين؟

– فارس المنياوي.

– أول مرة أسمع الاسم.

– وأنا كمان.

جلس سليم على الكرسي المقابل.

– وإيه اللي مخليك مقتنع إنه مهم؟

صمت آدم للحظة.

ثم قال:

– لأن كل الناس خايفة منه رغم إنه مختفي من سنين.

---

ساد الصمت.

ثم ابتسم سليم.

– دي مش إجابة.

– دي الحقيقة.

---

في دار النشر...

وصلت رهف متأخرة قليلًا.

لكنها فوجئت بأن الجميع يتحدثون عن شيء واحد.

السرقة.

ملف الرسائل الأصلية.

اختفاء الملف أصبح الخبر الأول داخل المبنى.

والهمسات في كل مكان.

والتوتر واضح على الوجوه.

---

عندما وصلت إلى مكتبها...

وجدت نادين واقفة أمام النافذة.

تبدو وكأنها لم تنم.

– صباح الخير.

قالتها رهف بهدوء.

لكن نادين لم ترد فورًا.

ظلت تنظر للخارج.

ثم قالت:

– حد سرق الملف.

رهف شعرت بانقباض داخل صدرها.

– عرفت.

– والموضوع أسوأ مما تتخيلي.

---

التفتت إليها.

وكانت عيناها مليئتين بالخوف.

خوف حقيقي هذه المرة.

---

– نادين...

إيه اللي جوه الملف يخليكي مرعوبة بالشكل ده؟

---

صمتت نادين.

لثوانٍ طويلة.

ثم قالت:

– حاجات لو خرجت للناس...

هتدمر حياة ناس كتير.

---

رهف شعرت بقشعريرة.

لكن قبل أن تسأل أكثر...

رن هاتف نادين.

نظرت إلى الشاشة.

فتغير لون وجهها.

---

– مين؟

سألت رهف.

---

لكن نادين أغلقت الهاتف دون رد.

وقالت بسرعة:

– لازم أمشي دلوقتي.

---

وغادرت.

وتركت رهف وحدها.

ومعها عشرات الأسئلة الجديدة.

---

في نفس اللحظة...

كان شخص ما يقف خارج المبنى.

على الرصيف المقابل.

يراقب المدخل.

ويراقب رهف.

منذ أكثر من ساعة.

---

رجل في منتصف الأربعينيات.

يرتدي نظارة سوداء.

ويخفي وجهه تحت قبعة داكنة.

---

أخرج هاتفه.

ثم التقط صورة لرهف وهي تقف قرب النافذة.

وأرسلها لشخص مجهول.

---

بعد أقل من دقيقة...

وصله الرد.

---

"راقبها فقط. لا تقترب منها."

---

ابتسم الرجل.

ثم أعاد الهاتف إلى جيبه.

---

في المساء...

كانت رهف عائدة إلى المنزل.

لكنها شعرت بشيء غريب.

إحساس قديم.

إحساس بأن أحدًا ينظر إليها.

---

التفتت خلفها.

الشارع مزدحم.

الناس تتحرك كالمعتاد.

ولا شيء غير طبيعي.

---

لكن الإحساس لم يختفِ.

---

زادت خطواتها.

ثم عبرت الطريق.

---

وبعد عدة دقائق...

وصلت إلى المنزل.

وأغلقت الباب خلفها.

---

لكن عندما صعدت إلى غرفتها...

وجدت شيئًا لم يكن موجودًا صباحًا.

---

ظرفًا أبيض.

موضوعًا فوق مكتبها.

---

تجمدت مكانها.

---

أمسكته ببطء.

وقلبها ينبض بعنف.

---

لم يكن عليه اسم مرسل.

ولا عنوان.

ولا أي شيء.

---

فتحت الظرف.

وأخرجت الورقة الموجودة بداخله.

---

وكانت تحتوي على جملة واحدة فقط.

---

"إذا كنتِ قرأتِ رسالة والدك... فأنتِ في خطر."

---

شعرت رهف بأن الدم تجمد في عروقها.

---

وسقطت الورقة من يدها.

---

لأن هناك شيئًا آخر مكتوبًا أسفل الجملة.

شيئًا جعل أنفاسها تتوقف.

---

"ولا تثقي في نادين."

---

ظلت رهف تحدق في الورقة لعدة دقائق.

وكأن الكلمات المكتوبة عليها ستتغير إذا انتظرت أكثر.

لكنها لم تتغير.

بل ازدادت رعبًا كلما أعادت قراءتها.

"إذا كنتِ قرأتِ رسالة والدك... فأنتِ في خطر."

"ولا تثقي في نادين."

جلست ببطء على حافة السرير.

وشعرت أن الغرفة أصبحت أصغر.

أضيق.

وأثقل.

من يعرف أنها قرأت الرسالة؟

كيف دخل الظرف إلى غرفتها؟

ومن أين جاء أصلًا؟

الأسوأ من كل ذلك...

كيف عرف بوجود رسالة والدها؟

لم تكن قد أخبرت أحدًا.

ولا حتى والدتها.

إذن...

هناك شخص يراقبها.

الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل نبضات قلبها تتسارع.

---

أمسكت هاتفها.

وفكرت للحظة في الاتصال بنادين.

لكنها توقفت.

ثم نظرت إلى الجملة الثانية مرة أخرى.

"ولا تثقي في نادين."

تنهدت بقوة.

لا.

لن تسمح لرسالة مجهولة أن تفسد صداقتها.

نادين كانت أقرب شخص لها منذ سنوات.

لكن رغم ذلك...

كان هناك سؤال صغير بدأ ينمو داخلها.

سؤال لم تستطع تجاهله.

لماذا كانت نادين تخفي أشياء كثيرة؟

---

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان آدم جالسًا داخل شقته.

وأمامه عشرات الأوراق.

وصور قديمة.

وملاحظات كتبها خلال الأيام الماضية.

كل خيط يقوده إلى نفس النقطة.

حسام.

فارس.

والرسائل.

لكنه ما زال بعيدًا عن الحقيقة.

رن هاتفه.

رفع الشاشة.

فظهر اسم يوسف الجندي.

أجاب فورًا.

– ألو؟

جاءه صوت الرجل متوترًا على غير عادته.

– لازم نقابل بعض.

عقد آدم حاجبيه.

– حصل إيه؟

ساد الصمت لثانية.

ثم قال يوسف:

– حد دخل بيتي النهاردة.

---

تجمد آدم.

– إيه؟

– وفتش كل حاجة.

– سرقة؟

– لا.

---

أجابه يوسف.

– مفيش حاجة اتاخدت.

---

– يبقى كان بيدور على حاجة معينة.

---

– بالضبط.

---

شعر آدم أن الأمور بدأت تتسارع.

أكثر مما ينبغي.

---

في صباح اليوم التالي...

دخلت رهف دار النشر.

لكنها لم تذهب إلى مكتبها.

بل اتجهت مباشرة إلى مكتب نادين.

طرقت الباب.

ثم دخلت دون انتظار الرد.

---

رفعت نادين رأسها.

وتفاجأت من ملامح رهف.

– في إيه؟

---

أغلقت رهف الباب خلفها.

وأخرجت الظرف.

ووضعته أمامها.

---

– إيه ده؟

سألت نادين.

---

– أنا اللي عايزة أعرف.

---

فتحت نادين الورقة.

وبدأت تقرأ.

ثم فجأة...

اختفت الألوان من وجهها.

---

لاحظت رهف ذلك فورًا.

---

– إنتِ عرفتي حاجة؟

---

رفعت نادين نظرها ببطء.

وقالت:

– مين جابلك ده؟

---

– لو كنت أعرف كنت سألتك ليه؟

---

ساد الصمت.

---

ثم قالت نادين:

– اسمعيني كويس يا رهف.

لو حد بعتلك الرسالة دي...

يبقى الموضوع أخطر مما كنت متخيلة.

---

شعرت رهف بالغضب.

---

– كل مرة بتقولي نفس الكلام.

أخطر.

أسوأ.

مشاكل.

أسرار.

لكن عمرك ما بتقولي الحقيقة.

---

تجمدت نادين.

---

لأول مرة...

كانت رهف تنظر إليها بهذه الطريقة.

---

– الحقيقة؟

قالتها نادين بهدوء.

---

– أيوه الحقيقة.

---

اقتربت رهف خطوة.

---

– إنتِ مخبية إيه؟

---

ساد الصمت داخل المكتب.

---

حتى شعرت رهف أن نادين ستتكلم أخيرًا.

---

لكن طرق الباب قطع اللحظة.

---

دخل الموظف بسرعة.

---

– أستاذة نادين...

في واحدة بره مصرة تقابلك.

---

– مين؟

---

– صحفية.

---

تبادلتا النظرات.

---

ثم قالت نادين:

– اسمها؟

---

– ليلى عز الدين.

---

في اللحظة نفسها...

تغيرت ملامح نادين.

---

وكأن الاسم أصابها بصدمة.

---

لاحظت رهف ذلك.

---

– تعرفيها؟

---

لكن نادين لم تجب.

---

بعد دقائق...

كانت ليلى تدخل المكتب.

---

فتاة في أواخر العشرينات.

شعرها الأسود القصير يحيط بوجه حاد الملامح.

وعيناها تحملان ثقة واضحة.

---

نظرت إلى نادين.

ثم إلى رهف.

---

وقالت مباشرة:

– أخيرًا لقيتكم.

---

عقدت نادين حاجبيها.

---

– حضرتك عايزة إيه؟

---

ابتسمت ليلى.

---

– الحقيقة.

---

ساد الصمت.

---

ثم أضافت:

– وبالتحديد...

عايزة أعرف مين فيكم بيدور على فارس المنياوي.

---

شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة.

---

اسم فارس ظهر مجددًا.

---

لكن كيف تعرفه هذه الصحفية؟

---

وكيف وصلت إليهم؟

---

في نفس الوقت...

كان آدم في طريقه إلى لقاء يوسف.

---

لكن قبل أن يصل...

وصله اتصال جديد.

---

رقم مجهول.

---

تردد للحظة.

ثم أجاب.

---

– ألو؟

---

جاءه صوت امرأة.

---

– لو مهتم بحسام الشاذلي...

يبقى لازم توقف تدور.

---

تجمد مكانه.

---

– مين؟

---

لكن الخط أُغلق.

---

بقي الهاتف في يده.

---

وقلبه ينبض بقوة.

---

لأن الصوت كان مألوفًا بشكل غريب.

---

صوت سمعه من قبل.

---

لكنه لم يتذكر أين.

---

وفي دار النشر...

كانت ليلى تجلس أمام رهف ونادين.

---

ثم أخرجت صورة قديمة من حقيبتها.

---

وضعتها على المكتب.

---

نظرت رهف إليها.

---

وشعرت أن الأرض اختفت من تحت قدميها.

---

لأن الشخص الموجود في الصورة...

كان والدها.

---

وبجواره...

فارس المنياوي.

---

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن هنا.

---

بل في المرأة التي تقف بجانبهما.

---

امرأة شابة.

---

تشبه رهف بشكل مخيف.

---

وكأنها نسخة أكبر منها.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status