LOGINحلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجميع.
في تلك اللحظة بالذات، انتاب يسرا شعور غريب ومباغت؛ سكنت حركتها تماماً، وراحت تنقل نظراتها ببطء شديد ما بين ملامح أحمد المستبشرة، وبين وجوه عائلته المحيطة به. داهمتها ريبة قاسية جعلت نبضات قلبها تضطرب؛ شعرت وكأنها لا تجلس وسط بشر حقيقيين، بل أمام ممثلين بارعين على خشبة مسرح، يؤدون مشاهد متقنة الصنع في فيلم سينمائي طويل، حيث كل ابتسامة موزونة بميزان، وكل كلمة منتقاة لإخفاء شيء ما وراء الكواليس. ولم تقو خطيبتنا على مجاراة هذا الزيف الذي شعرت به، فنهضت فجأة من مكانها، متعللة بعبارات مقتضبة، وتحركت بخطى سريعة ومرتبكة لتتوجه نحو صديقتها ريهام التي كانت تقف في زاوية الغرفة تتبادل أطراف الحديث مع نرمين. دنت يسرا منهما، وجذبت ريهام من كفها بحركة مباغتة، ثم انحنت عليها وهسّت في أذنها بنبرة خفيضة، مرتجفة، تفيض بالوجل والقلق - ريهام.. أنا مش مرتاحة للناس دي أبداً ✨✨✨✨✨✨✨✨ تتمدد حنان على فراش المستشفى الأبيض، تشعر بتحسن كبير يسري في أوصالها الواهنة؛ حتى نوبات الغثيان العنيفة التي كانت تمزق جوفها قد هدأت أخيراً، واستكانت معدتها لتتقبل بضع لقيمات من الطعام بنوع من الاستقرار. ولكن، لم يكد هذا السلام المؤقت يستقر في جسدها، حتى تبخر في لحظة وعادت لتنتكس مجدداً وبشكل أشد قسوة، عقب علمها بأن الطبيبة بصدد كتابة أمر خروجها والعودة لتلك الحياة المشتركة مع حسن. كانت تصارع حقيقة مريرة؛ فحسن لم يقدم لها سوى المعروف، ولم يتوانَ يوماً في رعايتها، لكنها ورغم كل شيء لا تستطيع تقبله كزوج في حياتها أو شريك لأيامها. تضاعف بؤسها حتى باتت تشعر بأن جنينها النامي في أحشائها ليس إلا ناراً تكوي ضلوعها، فقط لأنه قطعة منه، وامتداد لرجل لا تملك له في قلبها مكاناً. دلفت والدتها إلى الغرفة في زيارتها اليومية، لتتراجع خطوة وتتطلع إليها بتعجب وقلق؛ ففي اليوم السابق كان حال حنان أفضل بكثير وبدا أن الشفاء يقترب، أما اليوم، فقد عادت لترتمي في وهن شديد وكأن روحها تُسحب منها. اقتربت الأم من الفراش وسألتها بلهفة عن سبب هذه الانتكاسة المفاجئة، لترد عليها حنان بصوت باهت، متهدج، يفيض بالانكسار - مش قادرة يا ماما... مش قادرة أكمل مع حسن. غصب عني قلبي لسه مع عماد.. مش قلبي بس، روحي وكياني كله معاه. أنا حاولت كتير زي ما قولتِلي والله وعافرت مع نفسي بس مقدرتش... أنا مش طايقة حتى ريحته. تجمدت دقات قلب الأم، والتفتت حولها بذعر، تتفحص زوايا الغرفة وبابها الخارجي خوفاً من أن تصل كلمات ابنتها الراعفة إلى مسامع أحد من الطاقم الطبي أو إلى حسن نفسه. اقتربت من رأس حنان، وبنبرة حادة، خافتة، تملأها الصرامة، ردّت عليها - إخرسي خالص.... عماد إيه ده اللي إنتي لسه بتفكري فيه؟ إنتي متجوزة سيد الرجالة.. الكلام الماسخ ده تنسيه وتفوقي لبيتك وجوزك اللي يا ولداه ملحقش يتهنى ولا يشوف يوم حلو. أنا هطلب منه تيجِي تقعدي معايا كام يوم في البيت لحد ما تعقلي وتعرفي مصلحتك فين. تطلعت إليها حنان بعينين غارقتين في الحزن؛ أدركت في تلك اللحظة أن صرختها لم تجد صدى، وأن الجميع حتى أقرب الناس إليها لا يضعون شعورها أو تمزقها الداخلي محل اهتمام أو التفات. ابتلعت غصتها، وأشاحت بوجهها نحو الحائط، مقررة في سكون مظلم أن تدفن أحزانها وأسرارها في أعمق نقطة بداخلها، وتغلق عليها خلف جدار الصمت التام. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ تطلعت إليها ريهام بأعين جاحظة صُعقت مما سمعت، وقبضت على يدها بقوة وجرتها خلفها بعيداً عن الأعين نحو زاوية معزولة في الردهة، وهي تردد بانفعال مكتوم وعتب حاد - إيه الكلام الفاضي اللي إنتي بتقوليه ده؟ هو إنتي لحقتي تعرفيه عشان تحكمي عليه؟ النهاردة لسه قراءة فاتحتك يا يسرا ضيّقت ريهام ما بين عينيها، وواجهت يسرا بنظرة ثاقبة ومستنكرة، كأنها تحاول النفاذ إلى أعماق سريرتها، لتردف بقلق وخوف - يسرا.. إنتِ لسه بتفكري في محمود؟ انتفض جسد يسرا ونفت سريعة تلك الفكرة برعب؛ فبمجرد ذكر اسمه، هاجمتها الذكريات المؤلمة بضراوة كعاصفة سوداء، وتراءت أمامها ملامح ذلك الشخص الذي آذى كرامتها ونفسيتها بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، ليكون شبحه هو التفسير الوحيد الذي وجدته ريهام لخوف صديقتها. قطع حديثهما المتوتر صوت أمنية، أخت أحمد الكبرى، والتي دنت من خلفهما فجأة مرتدية ابتسامة عريضة مطاطية، بينما كانت عيناها ترمقان ريهام بنظرات جانبية فاحصة، متشككة في سر هذا الاجتماع المغلق، لتردد بنبرة مرحة مصطنعة - إيه يا عروسة؟ سايبانا وواقفة مع صاحبتك ليه؟ أحمد بيدور عليكي وعاوزك جوة. ابتلعت يسرا غصتها، ورسمت ابتسامة باهتة على شفتيها لتومئ لها بموافقة سريعة، ثم تحركت ل تنضم إلى جمع العائلة، محاولة بشتى الطرق أن تمثل الاندماج وتصطنع سعادة لا تجد لها في قلبها أي أثر. بينما، في ركن آخر من أركان الغرفة، كانت هناك عيون ترقب المشهد بأكمله باهتمام شديد، وتلتقط همساتهما الحذرة بنظرات حاقدة متشفية، مقررة في سرها التدخل في الوقت المناسب قبل فوات الأوان. ✨✨✨✨✨✨✨ وقف خالد في زاوية المقهى، عيناه تتابعان حركة الزبائن بآلية رتيبة، بينما كان جوفه يعج بصراع عنيف يتطاير في أعماقه كما يتطاير دخان النراجيل والأرجيلة ليملأ فضاء المكان بالوجوم. ألقى نظرة سريعة على الوجوه الشاحبة الجالسة حول الطاولات الخشبية؛ مشروباتهم الساخنة والباردة مستقرة أمامهم، والدخان يتصاعد من أفواههم مع ثرثرة لا تنتهي. كان المقهى أشبه بمسرح مصغر للحياة؛ فمنهم من يجلس باكياً يشكو قسوة زمانه وألمه، ومنهم من يروي بزهو أجوف بطولاته الزائفة في تحدي الأيام، ومنهم ذلك الصامت المنعزل الذي تلمح في عينيه بركاناً داخلياً يوشك أن ينفجر في أي لحظة ليأكل الأخضر واليابس. هو أيضاً، كان بداخله فيض من الأحاديث والقصص، ولكن من ذا الذي يستمع إليه؟ فأحاديثه من نوع آخر، مختلفة وعميقة، تحتاج إلى آذان لم تتلوث بضجيج الحياة لكي تستوعبها. لم يكن خالد يجحد فضلاً، ولا يستطيع إنكار الدور العظيم الذي لعبه شقيقاه سمير وعماد في حياته؛ فقد احتضناه كإبن لهما، وأحاطاه برعاية الأب وسند الأخ، ولكن.. بقيت في روحه مساحات معتمة وأشياء لا يستطيع، بل لا يقوى، على روايتها لهما مهما بلغت درجة القرب. كان أكثر ما يؤرق مضجعه، وينخر في عظامه قسراً، هو ذلك الموقف المخزي الذي اتخذه والده مؤخراً مع شقيقتيه يسرا وشروق. ورغم أنه آثر الصمت التام ولم يفتح فمه بكلمة، ولم يدْلِ برأيه أمام العائلة إعظاماً للموقف، إلا أن صمته ذاك كان يخفي خلفه شلالات من الألم المبرح والخزي من دماء تجري في عروقه وتنتسب لرجل سلبهم الأمان. تحرك بخطى وئيدة وجلس على ذلك الكرسي الخشبي في الركن، وأسند رأسه إلى الجدار، ليشرد بباله نحو حلمه القديم الكبير؛ حلم يراه اليوم يتبخر ويتلاشى من بين يديه كسراب بعيد. طالما تاق لتحضير شهادة الماجستير في علم النفس، وإنشاء مركز متكامل للمصحة والطب النفسي يداوي به جراح البشر، لكن الظروف القاسية كانت تقف له دائماً بالمرصاد، تعوق خطاه وتكسر مجاديفه، كما اعتادت أن تفعل معه في كل منعطف. بينما كان غارقاً في سوداوية أفكاره، انقشعت الغمة فجأة واستفاق خالد على حركة مألوفة؛ إنها تلك الفتاة التي تمر من أمام المقهى كعادتها اليومية. خطت بقوامها الممشوق في ذات الميعاد المقدّس الذي تحفظه ساعته البيولوجية، عائدة من عملها بخطى واثقة هادئة. لم يكن يعلم عنها أي شيء؛ لا اسمها، ولا أصلها، ولا تفاصيل حياتها، سوى أنها تأتي في هذه الدقيقة من كل نهار لتخطف قلبه، وتتركه يصارع طيفها بقية اليوم بطوله. أطلق خالد تنهيدة دافئة، ورسم على شفتيه ابتسامة حالمة نقية؛ فقد أصبحت تلك العابرة ملاذه الآمن وجزءاً لا يتجزأ من أحلامه المؤجلة، ليطلق عليها في سره، وبكل حب، لقب فتاة قلبه المجهولة.- مش قادر أصدق إن إنتِ بجد جنبي دلوقتي، بكلمك كده وبسمع نبرة صوتك وهي طالعة.. أنا حاسس إني أسعد إنسان في الدنيا دي كلها، والمكان مش سايعني من الفرحة. طأطأت راندا رأسها وابتسمت بخجل شديد تلونت معه وجنتاها بحمرة قانية، أغمضت عينيها للحظات تستجمع شجاعتها، ثم رددت بصوت خافت كاد لا يتجاوز مسمعه - دي أول مرة في حياتي كلها أعمل حاجة زي دي أو أوافق أكلم حد.. مش عارفة بجد أنا عملت كده إزاي وليه، بس كل اللي عارفاه ومتأكدة منه إني حاسة بإنجذاب غريب ومشدودة ليك، وعشان كده حبيت أديك وأدي نفسي فرصة. كانت كلماتها الرقيقة بمثابة وقود أشعل نيران الأمل في صدره، فالتمعت عيناه بسعادة طاغية، وتابع بلهفة وعاطفة جياشة صبغت نبرته - أوعدك، أوعدك من كل قلبي إنك مش هتندمي يوم واحد على الفرصة دي.. أنا أتمنى لو أروح أتقدم لك حالا وأخبط على باب بيتكم النهاردة قبل بكرة، بس.. بس خايف أهلك يرفضوني وميرحبوش بيا عقدت راندا حاجبيها وضَيّقت ما بينهما بتعجب، وتطلعت إليه بدهشة واستنكار لتردد - وليه ميرحبوش بيك يا خالد؟ إيه اللي يخليهم يعملوا كده؟ اعتدل خالد في جلسته، ورفع بصره ليتطلع إلى الفراغ أمامه، بينما تسلل
حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد
وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم
تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا
انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت
وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ
- يالا يا لمار اصحي.. هتأخر ولسه هوديكِ عند عمتك. كانت تلك كلمات وليد التي ألقاها بنبرة متثاقلة وهو يحاول إيقاظ طفلته؛ فلديه اليوم جلسة قضية هامة ومصيرية سيترافع فيها بإحدى المحافظات البعيدة، والوقت يداهمه بلا رحمة. تقلبت لمار في فراشها الصغير، وراحت تتذمر بطفولية عابسة، واضعة كفيها الصغيرين على
أصبحت عروساً للمرة الثانية، وفي غمرة هذه المشاعر المتباينة، لم تكن يسرا لتنكر يوماً فضل والدتها التي أفنت عمرها في تربيتها، ولا فضل إخوتها الذين أحاطوها برعايتهم؛ فبالرغم من أنهم إخوة غير أشقاء، إلا أنهم كانوا لها السند والجدار الذي تستند إليه في كل مأزق. ولكن، ورغم كل هذا الدفء العائلي المحيط بها
بات أمر تلك الزيجة يلتهم حيزاً كبيراً من تفكير يسرا؛ إذ وجدت نفسها تتأرجح بين كفتي الرفض والقبول، عاقدةً في مخيلتها مقارنات لا تنتهي حول هذا التحول الجذري. فالموافقة تعني الانخلاع من جذورها، والانتقال للعيش في بلدة أخرى غريبة، لتنسج خيوط علاقات جديدة مع أناس لم تألفهم، وتبدأ في تأسيس أسرة من نقطة ا
وقفت يسرا مكانها دون حراك، وكأن قدميها قد غُرستا في الأرض، تحاول جاهدة استيعاب وتفنيد ما تفوهت به والدتها للتو. كيف تلاشت مأساة خطبتها السابقة بهذه السرعة لتبدأ أخرى في التشكل؟ قطع حبل أفكارها صوت نرمين الذي أتى من خلفها، لتهس في أذنها بنبرة حملت بريقاً غامضاً - عريس إيه بقى يا ريري... مفيهوش غلط







