로그인في أعقاب انكسار مخطط السندات المزورة، خيم صمت حذر على أروقة برج إمبراطورية القمة. كانت شاشات التداول في البورصة تشير إلى استقرار تدريجي لأسهم الشركة بعد صدور البيان الرسمي الصارم عن النيابة العامة، والذي أعلن تجميد تحركات زياد المالية وفتح تحريات جنائية عاجلة في تهم التزوير والشروع في الإفلاس الاحتيالي.في جناحه الخاص بأحد الفنادق الفاخرة في أطراف العاصمة، كان زياد يقف أمام النافذة العريضة، يمسك بكأس زجاجي ببرود ظاهري يخفي خلفه عاصفة هوجاء من الغل والذعر. كانت الطاولة أمامه ملأى بالاستدعاءات القضائية العاجلة وأوامر المنع من السفر الصادرة بحقه.رمى زياد الكأس نحو الجدار الرخامي ليتناثر زجاجه بِدَوِيٍّ حاد، وصاح بنبرة ملؤها الحقد والمكر وهو يلتفت نحو محاميه الخاص المرتجف:"سامر... سامر أطاح بكل خططي في غضون أربع وعشرين ساعة! كيف استطاع الوصول إلى حسابات بنك زيورخ؟ كيف حصل على الشواهد الرقمية للشركة الخارجية بهذه السرعة؟ هذا الرجل ليس مجرد مستشار قانوني... إنه قنبلة موقوتة تهدد بإنهاء وجودي كلياً خلال ساعات!"مسح المحامي عرق جبينه، وقال بصوت خفيض يقطر خوفاً:"سيد زياد... الشرطة القضائية
لم تكن شمس الصباح المشرقة على شوارع العاصمة تصنع دفئاً في أروقة قصر آل القمة، بل كانت البرودة تسري في أرجائه الصامتة كأن الجدران الرخامية تكتنز أسرار الخيبة والجفاء. كانت كارما تجلس خلف المكتب الخشبي العتيق في جناح والدها المريض مراد بك، تتصفح ملفات الميزانية السنوية بعينين تعصرانهما هالات الإجهاد، وتحاول إخفاء الدوار الخفيف الذي يهاجم رأسها بين الحين والآخر عبر رشفات متتالية من القهوة السوداء المرّة.وفجأة، اخترق الهدوء القاتل صوت إطلاق آليات الحراسة عند البوابة الخارجية، ثم انفتح الباب الضخم للجناح بأسلوب متسارع وغير معتاد. دخل رئيس الشؤون الإدارية بالشركة وهو يحمل بيده ملفاً جلدياً أحمر يرمز للإخطارات القضائية المستعجلة، وعلى وجهه شحوب يشي بفاجعة وشيكة.وضع الموظف الملف المكتوم على الطاولة أمام كارما، وقال بنبرة ملؤها التلعثم والذهول:"سيدة كارما... هناك إنذار قضائي عاجل ومحكم أرسل للتو من هيئة التنفيذ التجاري، مرفق بطلب تجميد تحفظي على كافة الأصول العقارية والسيادية لمراد بك شخصياً في مشروع قرية النخيل الاستثماري!"اعتدلت كارما في جلستها، وسحبت الأوراق برعشة غضب عارم. كانت الوثائق
ساد الوجوم البارد أرجاء صالة الاستقبال الخاصة بالمطار الدولي في العاصمة. كانت ندف الجليد القادمة من رحلة زيورخ الليلية ما زالت تترك أثراً خفيفاً من الرطوبة على زجاج النافذة العريضة، بينما كانت العاصمة تعيش ظهيرة خريفية مكفهرة.سارت كارما مراد القمة بخطوات متزنة وثابتة عبر الممر الخاص، ترتدي معطفاً أسود فاخراً ونظارات شمسية داكنة أخفت تحتها الهالات السوداء والشحوب المفاجئ الذي يعلو وجهها بعد خروجها الطارئ من المشفى السويسري. كانت تضع درعها الجليدي الصارم مجدداً، ذلك القناع الصلب الذي اعتاد الجميع رؤيته في عالم المال والأعمال، قناع السيدة الحديدية التي لا تهتز ولا تنكسر أمام عواصف المرض أو خيانات المقربين.على بعد أمتار قليلة خلفها، كان سامر يسير بخطوات موزونة، يحمل حقيبته الجلدية الثقيلة وعيناه لا تفارقان ظهرها المُنْهَك بفعل الإرهاق المخفي. كان يراقب كل حركة صغيرة تبدر منها، جاهزاً للركض والتقاطها فوراً إن اختل توازنها أو داهمها الدوار العادي الذي حذر منه الفريق الطبي. ولكن كارما كانت تتجاهل وجوده كلياً، وتتعامل مع خطاه المتابعة وكأنها ظلال باهتة لغريب لا تربطها به أي صلة.عند خروجهم
ساد الصمت المطبق في أرجاء الغرفة رقم مئتين وأربعة، صمت ثقيل كالجبال لا يقطعه سوى صفير أجهزة مراقبة نبضات القلب التي كانت تصدر أزيزاً متسارعاً يحذر من خطر داهش. كانت شظايا الكأس الزجاجي المكسور تتناثر على الأرضية عند قدمي سامر، والماء الدافئ ينساح ببطء بين الحطام، لكن سامر لم يشعر ببرودة المكان ولا بخطواته التي تجمّدت في أرضها.كانت عيناه معلقتين بذهول وفجيعة على كارما التي كانت تقف عند النافذة الممتدة، المظروف الأسود المفتوح ملقى تحت أقدامها، وفي يدها المرتجفة برعشة مريعة تبرز الصفحة الأخيرة من مسودة عقد الطلاق، موثقة بتوقيعه الخطّي الصريح.خطا سامر خطوة واحدة إلى الأمام غيرَ آبهٍ بشظايا الزجاج التي تحطمت تحت حذائه الثقيل، ومد يده نحوها بنبرة صوت خنقتها العبرة والرجاء:"كارما... أرجوكِ اسمعيني بقلبكِ وعقلكِ قبل أن تحكمي عليّ... لا تدعي السموم التي صبها زياد في هذا المظروف تهدِم اللحظة الصادقة الوحيدة في حياتنا! هذه الورقة... هذه الورقة اللعينة كتبتها في الماضي في لحظة غضب وغرور وألم محرق، حين كنتُ أظن أنكِ تبغضين وجودي وتستمتعين بإهانة كرامتي كل يوم في القصر... ولكنني تمردتُ عليها، وم
كان الفجر ينبلج ببطء شديد فوق قمم جبال زيورخ المغطاة بطبقة كثيفة من الجليد الناصع. تسللت أشعة الشمس الخافتة عبر الستائر الشفافة للغرفة رقم مئتين وأربعة، لتلقي بظلال أرجوانية هادئة على أرجاء المكان الشديد الهدوء.في الزاوية المجاورة للسرير الطبي، كان سامر يجلس على الكرسي الخشبي الثقيل دون أن تغمض له عين طوال الليل. كان يمسك بيد كارما الباردة بين كفيه الدافئتين، ويراقب صعود وهبوط صدرها المتناسق مع أنفاسها الهادئة أثناء نومها العميق. كان وجهها الشاحب يبدو في هذه اللحظات خالياً من كل المساحيق، ورقيقاً إلى حد الخوف؛ خصلات شعرها الكستنائي المبعثرة على الوسادة البيضاء تمنحها ملامح طفولية بريئة لم يسبق له أن رآها في قصر آل القمة أو في أروقة الشركة الصارمة.شعر سامر بغصة ثقيلة تخنق حنجرته وهو يتأمل وجهها. كم حلم لسنوات طويلة بأن يستيقظ ليجد هذا الحنان في عينيها، وكم تمنى أن تذوب جدران الجليد والكبرياء التي فصلت بينهما لسنوات! ولكن المقادير أهدته هذا الحب في أكثر الأوقات هشاشة وخطورة؛ أهدته إياه على هيئة ذاكرة معطوبة ومستقطعة، ترفرف كفراشة رقيقة فوق هاوية سحيقة من الانهيار العصبي.تحركت كارما ب
توقف الزمن كلياً في القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين. كان سامر يمسك بالهاتف المحمول بقبضة مرتجفة، وأنفاسه المتسارعة تتردد في أرجاء المكان الذي غادره الموظفون والمستثمرون للتو. عبر الآلاف من الكيلومترات والمحيطات الممتدة بين العاصمة وجبال سويسرا المثلجة، كان صوت البروفيسور ألكسندر كاهن ينساب عبر الشبكة المشفرة محاطاً بصمت ثقيل وغموض يقطع الأنفاس.ضغط سامر على زر المكبر الصوتي بحذر شديد، وقال بنبرة بحت فيها الحنجرة لفرط الخوف والرجاء:"بروفيسور ألكسندر... أرجوك تحدث بوضوح، ماذا حدث لكارما؟ : هل استفاقت من التخدير الدماغي؟؛ "جاءه صوت الطبيب الخبير هادئاً ولكن نبرته تحمل ذهولاً علمياً نادراً:"سيد سامر... من الناحية الفسيولوجية والتشريحية، الجلسة الصدمية الأولى حققت نجاحاً باهراً؛ ضغط الدماء الدماغي استقر، والشرايين المحيطة بالورم أظهرت استجابة ممتازة للانقباض الموجه... ولكن الاستجابة الذهنية والنفسية عند استفاقتها كانت مفاجأة لم نتوقعها في هذا التوقيت بالذات."بلع سامر ريقه الجاف، وسأل بلهفة:"هل نسيتني؟ هل غابت ذاكرتها كلياً كما حذرتنا سابقاً؟"رد البروفيسور بنبرة دقيقة:"ليس كلياً يا س







