LOGINفي صباح الاثنين استيقظت ياسمين على رنين هاتفها للمرة الخامسة قبل السابعة: منصور، مديرة العلاقات العامة، وأرقام لا تعرفها. فتحت أول رسالة وجدت فيها رابطًا وعنوانًا بخط أسود عريض: «أسرار خفية وراء زواج الحمود والمطيري: هل أخفت الوريثة الأزمة عن مجلسها؟»قرأت المقال واقفة في منتصف الغرفة. اتهامات ملفقة: أنها عرفت بالأزمة قبل موت أبيها بستة أشهر، ووقّعت تحويلين ماليين فاشلين، وأن الزواج صفقة انتهازية استغلت فيها موت أبيها. وتحت الفقرة الثالثة جدول صغير فيه رقم بخط عريض: أربعمئة وثلاثة وسبعون مليونًا.توقفت أصابعها على الشاشة. هذا الرقم كتبته بيدها في ملف واحد، ليراه رائد وحده. لم يوجد في أي مكان آخر في العالم. ارتجفت يدها، لا خوفًا هذه المرة. كان غضبًا بارد الأطراف، تشعر به كمن وجد الخيط الأول في عقدة طويلة. أمسكت هاتفها وضغطت رقم منصور.«رأيتَ المقال؟»«أقرؤه للمرة الثالثة. هذه اتهامات يمكن أن تُسقط أي شركة.»«انظر إلى الجدول الثالث. الرقم الذي ورد فيه هو الرقم الذي وضعناه لرائد وحده. المقال بُني على وثائق مرّت عبر رائد.»صمت منصور لحظة. «تأكدي قبل أن تتحركي. وأخبري سلطان قبل أن يصله من
لم يرَ بندر في هذا الزواج شيئًا يستحق الاحتفال، بل مقعدًا يُسحب من تحت قدميه. سبع سنوات قضاها في المجموعة يُقنع نفسه بأن دوره قادم، وحين أُعلن أن الحمود ستدخل تحت مظلة سلطان، أدرك أنه لن يصعد أبدًا ما دام ابن عمه هو الوريث الوحيد الذي يراه عمّه، وأن ياسمين ستجلس على المقعد الذي حلم به.صباح الاثنين دخل مكتب عمه يحمل طلب ترقية مكتوبًا بعناية: مدير عام للتوسع الإقليمي. قرأ سعود الورقة كاملة، ثم وضعها جانبًا. «مشروعك جيد يا بندر، لكنني أجّلته إلى ما بعد الاندماج.»«سيصير هذا المنصب لسلطان أو لزوجته، أليس كذلك؟»«المنصب للأجدر. وما زلتَ تحتاج أن تتعلم كيف تكسب ثقة من حولك.»«وأنا ابن أخيك، أيها العم. سبع سنوات لا أطلب شيئًا إلا حقي.»«الحق لا يُطالَب به بهذه النبرة.» قالها سعود بلا غضب، وعاد إلى أوراقه. «يمكنك الانصراف.»مشى بندر في الممر بخطى متوترة. أمام مكتب سلطان رأى الباب مفتوحًا وياسمين تضحك بصوت خافت على شيء يقوله ابن عمه، وسلطان يمسح جبينه بظهر يده وهو يبتسم. توقف عند العتبة ولم ينتبه إليه أحد منهما. كان قد حسم أمره: سيبحث عن من يحوّل الشك إلى عنوان.في مساء الأربعاء ارتدى معطفًا
مرّت ثلاثة أسابيع ولم يظهر الرقم المغلوط في أي مكان. بدأت ياسمين تظن أنها بالغت في الشك برائد، وأن الظرف الذي رأته لم يكن سوى سلفة راتب. وبمرور الأيام تغيّر شيء في البيت أيضًا: صار العشاء المشترك موعدًا لا يفوّته أحد منهما، وأصبح سلطان يترك هاتفه في جيبه وهو يجلس إلى المائدة.ذات مساء حكى لها عن أول اجتماع له مع مستثمرين يابانيين. كان في الثالثة والعشرين، وأراد أن يُظهر احترامه فحفظ التحية بلغتهم، لكنه نطق اسم رئيس الوفد بطريقة تعني «الحذاء». انحنى الرجل ببطء، وانحنى بعده أعضاء الوفد الستة، وسلطان يتعرق ولا يفهم لماذا يتبادلون النظرات. ضحكت ياسمين حتى سالت دموعها ووضعت الملعقة من يدها. «وبعد ذلك؟»«وقّعوا العقد. قالوا إن رجلًا يجازف بإهانتهم ليُكرمهم يستحق الثقة.»لاحظت وهي تمسح عينيها أنه ينظر إليها ولا يضحك، ينظر فقط كأنه يحفظ الصوت. قالت وهي تتصنع الجدية: «ماذا؟» فقال: «لا شيء. ضحكتك تشبه صوت شيء ينكسر بلطف.» ثم انتبه لما قاله فأخذ كوب الماء وشربه كله.في الأحد التالي وجدها في الحديقة الخلفية جالسة على العشب، وأمامها حامل خشبي صغير وعلبة ألوان مائية جافة. كانت تحاول رسم الغروب فوق
كان غداء الجمعة في بيت سعود المطيري تقليدًا لا يُلغى. جلست ياسمين إلى يمين نورة، وبندر في آخر المائدة يقطّع اللحم بصمت، ودار الحديث حول أسعار الحديد وأسهم الشحن، حتى وضعت ياسمين شوكتها وسألت فجأة: «عمّي سعود، لماذا اختلف جدّانا؟»توقفت الملاعق. رفعت نورة عينيها إلى أخيها، وتنحنح بندر، وتجمّد وجه سعود كأن أحدًا سكب عليه ماءً باردًا.«قصة قديمة، يا ابنتي.» أخذ منديله ومسح فمه ببطء. «انتهت مع أصحابها، ولا فائدة من إحيائها.»«لكنني نشأتُ على أنكم اعتديتم علينا. وأريد أن أعرف إن كان هذا صحيحًا.»«ياسمين…» همس سلطان.نهض سعود. «سأترك لكم الحلوى.» وخرج من الغرفة، وبقيت الكراسي تصرّ خلفه. أما بندر فابتسم ابتسامة رفيعة وهمس في أذن جاره: «الأميرة تحفر في قبور لا تخصّها.»في السيارة، في طريق العودة، قال سلطان بصوت متعب: «كان عليك أن تنتظري.»«وكم تنتظر؟ أربعين عامًا كما انتظرتم؟» ثم خفضت صوتها. «أنا لا أريد أن أُحرجه. أريد أن أفهم لماذا يصمت الجميع في هذه العائلة بمجرد ذكر اسمنا.»تنهد. «أنا نفسي لا أعرف كل التفاصيل. كل ما سمعته أن جدّينا كانا شريكين في مشروع كبير، واختلفا على توزيع الأرباح، فاف
مع بداية الشهر الثاني من الزواج صدر أول قرار مشترك: توحيد الأنظمة المالية للشركتين في ثلاثة أشهر. استدعى سلطان ياسمين إلى مكتبه صباح الأحد وقال دون مقدمات: «أريدك عضوًا في لجنة القرار. لا ممثلةً عن الحمود فقط، بل شريكةً في كل شيء.»وكانت قد اعتادت صمت المكتب الجديد، فبدت الدعوة كأنها اختبار. توقعت أن يهمّشها. كانت قد سمعت عن شركاء ابتلعوا شركاء بعد التوقيع بأسبوع، فشدّت ظهرها وسألت: «لماذا؟ أنت تملك الأغلبية ولا تحتاج رأيي.»«لأنني أحتاج ما لا تحتويه أرقامي: من يعمل عندكم فعلًا، ومن يكذب في التقارير، ومن يستحق الثقة. أنتِ تعرفين ذلك. أنا لا.» رفع كتفيه. «تجاهل هذه الخبرة سيكون غباءً مكلفًا.»لم تُخفِ دهشتها. «ظننتُ أنك ستأخذ منّي كل شيء بعد أن أنقذتَني.»«لم أنقذك. اشتريتُ حصة في شركة جيدة. والأصل ما زال بين يديك.»في الاجتماع الأول حضر بندر متأخرًا خمس دقائق، وجلس قبالتها وابتسم ابتسامة لا تدلّ على شيء. قدّمت ياسمين خطتها لإعادة هيكلة التسويق: دمج إدارتين متشابهتين، تقليل الإنفاق الإعلاني بمقدار الخُمس، وتحويله إلى حملات مباشرة مع العملاء الكبار. كانت الأرقام مرصوصة على الشاشة، مبنية
في الأسبوع الثاني من الزواج، اتصل بها مدير المشتريات في المصنع الثاني الساعة الرابعة عصرًا بصوت مذعور: «آنسة ياسمين، شركة النور للمواد الخام ألغت العقد. قالوا إن التوريد يتوقف من صباح الغد.»وكان سلطان قد ذكّرها صباحًا بعشاء الثامنة مع شركاء المجموعة، فقالت بلا انتباه: «سأكون هناك.»«هذا مستحيل. العقد ساري ثلاث سنوات!»«قالوا إنهم وجدوا في بنوده ثغرة، وإن محاميهم…» انقطع صوته. «قالوا إن أحدًا نبّههم إليها.»نهضت ياسمين وسحبت حقيبتها. الخطوط الثلاثة في المصنع تعتمد على هذا المورد، وإن توقفت فسيتوقف ألف ومئتا عامل خلال أربعة أيام.قضت المساء كله في المصنع. اتصلت بستة موردين بديلين، فاعتذر أربعة وطلب اثنان دفعًا مقدمًا بضعف السعر. وفي الحادية عشرة ليلًا وقفت أمام مدير شركة النور نفسه في مكتبه المضاء، وقالت بلا مقدمات: «من نبّهكم إلى الثغرة؟»حكّ الرجل ذقنه. «لا أستطيع أن أفصح.»«اسمع، نحن نوقّع منذ خمسة عشر عامًا. إن كنتَ ستنقض العقد فأخبرني على الأقل من يقف خلفك.»تنهد. «كان صوتًا يعرف تفاصيل الاتفاق الجديد مع المطيري. عرض علينا ضعف سعرنا إن انتقلنا إلى مورد جديد يُقدَّم لنا.»وصلت إلى







