Share

٢٤

last update publish date: 2026-08-30 01:25:57

الفصل الرابع والعشرون: البيت الذي لم يُهدم

كانت الجملة الأخيرة التي قالها مازن كافية لتجمد الدم في عروق ليان.

«وجدوه... جدك، وهو الآن أمام منزلك.»

لم تفهم في البداية.

حدقت فيه وكأنها تنتظر منه أن يشرح شيئًا يجعل الكلمات أقل رعبًا.

لكن مازن لم يبتسم.

كان وجهه جادًا تمامًا.

قال سليم:

«كيف عرفت؟»

رفع مازن الهاتف.

«وصلتني رسالة قبل دقائق. أحد الأشخاص الذين أراقب بهم تحركاته أرسل صورة.»

أخذ سليم الهاتف.

نظر إلى الصورة.

كان منزل ليان ظاهرًا فيها.

المنزل الذي ظنت أنه مجرد بيت قديم عاش فيه والدها، ثم أغلقته بعد وفاته.

لكن أمام البوابة كان يقف رجل مسن.

ظهره مستقيم رغم عمره.

ويده تستند إلى عصا سوداء.

رفع سليم عينيه.

«هل أنت متأكد أنه هو؟»

قال مازن:

«مئة بالمئة.»

اقتربت ليان.

نظرت إلى الصورة.

لم تعرف الرجل.

لكن شيئًا داخلها جعلها ترتجف.

قالت:

«هذا هو؟»

أومأ مازن.

«جد سليم.»

نظرت إلى سليم.

«هل تعرفه؟»

ظل صامتًا.

«سليم؟»

قال بصوت منخفض:

«لا.»

«أنت لم تره من قبل؟»

«كنت طفلًا عندما اختفى.»

ثم أعاد الهاتف إلى مازن.

«قيل لي إنه مات.»

قال مازن:

«الجميع كان يريدك أن تصدق ذلك.»

سألت ليان:

«لماذا عاد الآن؟»

نظر إليها.

«بسببك.»

شعرت بقشعريرة.

«ماذا يريد مني؟»

«المفتاح.»

قال سليم:

«لا.»

«ماذا؟»

«لا يريد المفتاح فقط.»

نظر إلى مازن.

«ماذا تريد أن تقول؟»

أجاب مازن:

«يريد الوريثة.»

ساد الصمت.

---

نهضت ليان.

«سنذهب إلى المنزل.»

قال سليم فورًا:

«لا.»

«لماذا؟»

«لأنه ينتظرنا.»

«إذن علينا أن نذهب.»

«هذه بالضبط الفكرة التي يريدها.»

اقتربت منه.

«سليم، هذا الرجل يملك إجابات عن كل ما حدث في حياتي.»

«وأنا لا أثق به.»

«ولا أنا.»

«إذن لماذا تريدين الذهاب؟»

نظرت إليه طويلًا.

«لأنني تعبت من الهروب.»

سكت.

قالت:

«منذ وفاة أبي وأنا أهرب من الحقيقة. كلما اقتربت منها ظهر شخص جديد يخبرني أن هناك سرًا آخر.»

ثم وضعت يدها على صدره.

«لكنني هذه المرة لن أذهب وحدي.»

أمسك يدها.

«لن أسمح لك أن تذهبي وحدك أصلًا.»

ابتسمت.

«كنت أعرف.»

قال مازن:

«لن تكونا وحدكما.»

نظر إليه سليم.

«أنت ستبقى هنا.»

«لماذا؟»

«لأن فارس في المستشفى، وسلمى تحتاج إلى حماية، وآدم أيضًا.»

قال مازن:

«وأنت؟»

«سآخذ ليان.»

تدخلت ليان:

«وأنت؟»

نظر إليها.

«أنا ماذا؟»

«ماذا ستفعل إذا كان جدك ينتظرني فعلًا؟»

اقترب منها.

«سأقف بجانبك.»

«وإذا حاول إيذائي؟»

«سأمنعه.»

«وإذا حاول إيذاءك؟»

صمت لحظة.

ثم قال:

«سأتركه يحاول.»

ضربته بخفة على صدره.

«لا تقل ذلك.»

ابتسم.

«كنت أمزح.»

«أنت لا تجيد المزاح.»

«وأنت لا تجيدين الخوف.»

«أنا خائفة.»

نظر إلى عينيها.

«أعرف.»

«لكنني عندما أكون معك... يصبح خوفي أقل.»

شد على يدها.

«إذن ابقي معي.»

«لن أذهب إلى أي مكان.»

---

بعد ساعة، كانت السيارة تتوقف أمام منزل ليان.

كان الليل قد حل.

المكان يبدو هادئًا بشكل مخيف.

لم تكن هناك سيارات.

ولا رجال.

ولا حركة.

فقط الرجل العجوز الذي ظهر في الصورة.

كان واقفًا أمام البوابة.

ينظر إليهما.

أوقف سليم السيارة.

ثم نظر إلى ليان.

«ابقَي هنا.»

قالت:

«لا.»

«ليان.»

«قلت إنني لن أذهب وحدي، ولم أقل إنني سأتركك تذهب وحدك.»

تنهد.

«أنت عنيدة.»

«وأنت تعرف ذلك.»

فتح الباب.

نزلا معًا.

ظل الرجل مكانه.

كلما اقتربا، بدا وجهه أوضح.

كان يحمل ملامح سليم.

العينان نفسيهما.

حدة الفك.

حتى طريقة الوقوف.

توقفت ليان.

نظرت إلى سليم.

كان هو أيضًا ينظر إليه.

قال الرجل:

«سليم.»

لم يجب.

«كبرت كثيرًا.»

قال سليم:

«أنت جدي.»

ابتسم الرجل.

«وأخيرًا رأيتني.»

قال سليم:

«كنت ميتًا.»

«أحيانًا يكون الموت أفضل مكان للاختباء.»

تقدمت ليان.

قالت:

«ماذا تريد؟»

نظر إليها.

طويلاً.

ثم قال:

«أنتِ تشبهين أمك.»

تجمدت.

«هل كنت تعرف أمي؟»

«أكثر مما تتخيلين.»

«إذن أخبرني أين كانت.»

«كانت هنا.»

نظرت حولها.

«في هذا المنزل؟»

«لا.»

وأشار إلى الأرض.

«تحته.»

شعرت بقشعريرة.

قال سليم:

«الغرفة.»

أومأ الرجل.

«الآن فهمت.»

«ماذا؟»

قال الرجل:

«لماذا اختارك والدك.»

---

قالت ليان:

«لماذا كنت تريدني؟»

«لم أكن أريدك.»

«إذن ماذا تريد؟»

«كنت أريد حماية إرث العائلة.»

ضحكت بمرارة.

«كل شخص يقول إنه يحميني.»

«لأنك لا تعرفين ما تحملينه.»

«أنا لا أحمل شيئًا.»

«بل تحملين أكثر مما حملته العائلة طوال قرن.»

قال سليم:

«تحدث بوضوح.»

نظر إليه.

«سليم، أنت آخر شخص يحق له أن يطلب الوضوح.»

«لماذا؟»

«لأنك لا تعرف من أنت.»

اقترب سليم.

«أعرف من أنا.»

«هل تعرف من كان والدك؟»

صمت.

قال الرجل:

«هل تعرف لماذا كنت أكره النساء؟»

رفع سليم حاجبه.

«أنت؟»

ابتسم الرجل.

«لا.»

ثم نظر إلى ليان.

«هو.»

أشار إلى سليم.

«لماذا؟»

«لأن والدته ماتت بسببه.»

تجمد سليم.

قالت ليان:

«ماذا تقصد؟»

«كانت والدته تحاول الهرب به.»

قال سليم:

«من ماذا؟»

«من العائلة.»

«ولماذا؟»

«لأنها اكتشفت الحقيقة.»

«أي حقيقة؟»

قال الرجل:

«أن العائلة لم تكن تدير شركات فقط.»

سكت.

ثم قال:

«كانت تدير الناس.»

---

قالت ليان:

«ماذا يعني ذلك؟»

«يعني أن كل شخص يحمل اسم الراوي كان يخضع لقواعد معينة.»

«وأنا؟»

«أنتِ لم تكوني جزءًا من القواعد.»

«لماذا؟»

«لأن والدك آدم سرقك من تلك الحياة.»

قال سليم:

«آدم ليس والدها.»

نظر الرجل إليه.

«أنت لا تزال تصدق ذلك؟»

«أخبرني الحقيقة.»

«الحقيقة أن آدم كان أكثر من أب لها.»

قالت ليان:

«ماذا تقصد؟»

«كان حاميها.»

«منك؟»

«من الجميع.»

قالت:

«وأمي؟»

تنهد الرجل.

«سلمى كانت تعرف كل شيء.»

«وأين هي الآن؟»

«في المكان الذي يجب أن تكون فيه.»

«أين؟»

«معك.»

تراجعت ليان.

«ماذا؟»

قال:

«سلمى لم تعد تهرب.»

---

فتح الرجل البوابة.

قال:

«تعالوا.»

لم يتحرك سليم.

«لن تدخل.»

قال الرجل:

«إذا لم تدخل، فلن تعرف ما يوجد تحت المنزل.»

نظر سليم إلى ليان.

كانت عيناها ممتلئتين بالإصرار.

قالت:

«سأدخل.»

أمسك يدها.

«معًا.»

دخل الثلاثة.

كان المنزل مظلمًا.

لكن الرجل لم يشعل الأنوار.

سار مباشرة إلى غرفة والدها.

وقف أمام المكتب القديم.

قال:

«هنا بدأت كل القصة.»

نظرت ليان إلى المكتب.

قالت:

«هذا مكتب أبي.»

«أعرف.»

«ماذا كان يفعل هنا؟»

«كان يكتب أسماء الأشخاص الذين يريدون قتلك.»

فتحت عينيها.

«أين القائمة؟»

«اختفت.»

«من أخذها؟»

نظر إلى سليم.

«أبوك.»

قال سليم:

«آدم؟»

«لا.»

«يونس؟»

«لا.»

ثم قال:

«والدك الحقيقي.»

تجمد سليم.

«أنا لا أفهم.»

«لأنك ما زلت تبحث عن الحقيقة في الأشخاص الخطأ.»

---

جلس الرجل على الكرسي.

قال:

«قبل عشرين عامًا، كان هناك اتفاق.»

«أي اتفاق؟»

«اتفاق بين عائلتي الراوي ومنصور.»

قالت ليان:

«وما علاقتي به؟»

«كنتِ جزءًا منه.»

«كيف؟»

«لأن أمك كانت تحمل سرًا.»

«أي سر؟»

«كانت تعرف أن هناك طفلين سيولد أحدهما ليحمل إرث الراوي، والآخر ليحمل إرث منصور.»

قال سليم:

«أنا وليان.»

أومأ الرجل.

«نعم.»

«لكنني لا أفهم.»

قال:

«لم تكن مصادفة أن تربيا قريبين من بعضهما.»

تراجعت ليان.

«هل كنت أعرفه؟»

«أنتِ؟ لا.»

«لكنني رأيته قبل ذلك؟»

«نعم.»

نظرت إلى سليم.

تغير وجهه.

«أين؟»

قال الرجل:

«في المستشفى.»

«متى؟»

«في الليلة التي ولدت فيها.»

تجمدت ليان.

بدأت ذكريات غير واضحة تتحرك داخل عقلها.

رائحة المستشفى.

صوت امرأة.

بكاء طفل.

ثم صوت رجل يقول:

«لا تدعيهما يلتقيان.»

وضعت يدها على رأسها.

«أنا أتذكر شيئًا.»

اقترب سليم.

«ماذا؟»

«امرأة كانت تحملني.»

«أمك؟»

«لا أعرف.»

ثم نظرت إليه.

«كنت هناك.»

قال:

«ماذا؟»

«أنت كنت طفلًا.»

---

أخرج الرجل صندوقًا صغيرًا من درج المكتب.

وضعه أمامهما.

«هذا لك.»

نظر سليم إليه.

«لي؟»

«نعم.»

فتحه.

وجد بداخله صورة قديمة.

صورتان لطفلين.

واحدة لليان.

والأخرى لسليم.

كانا في غرفة واحدة.

بينهما سرير صغير.

وعلى الصورة تاريخ.

قبل عشرين عامًا.

قالت ليان:

«لماذا كنا معًا؟»

قال الرجل:

«لأن والدتكما كانت تحاول حمايتكما.»

«من ماذا؟»

«من الرجل الذي سيصبح فيما بعد أكبر أعدائكما.»

«من؟»

نظر إلى الباب.

«يونس.»

---

شعر سليم بالغضب.

«أنت قلت إن يونس والدي.»

«هو والدك.»

«إذن لماذا كان يريد قتل ليان؟»

«لأنها تعرف شيئًا لا يريده أن يظهر.»

«ما هو؟»

«أنه لم يكن الرجل الذي قتل أمك.»

تجمد سليم.

«أمي؟»

«والدتك لم تمت بسبب المرض.»

ساد الصمت.

قال الرجل:

«قُتلت.»

«من؟»

«يونس.»

انحبس نفس سليم.

«أنت تكذب.»

«أتمنى لو كنت كذلك.»

قالت ليان:

«ولماذا؟»

«لأنها كانت ستفضح أمره.»

«أي أمر؟»

قال:

«كانت تعرف أن يونس سرق أموال العائلتين، وزور أوراق الملكية، وحاول التخلص من كل شخص يمكنه كشفه.»

ثم نظر إلى ليان.

«وكانت تعرف شيئًا أخطر.»

«ماذا؟»

«أنك أنت الوريثة.»

---

جلس سليم.

كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها واقفًا.

اقتربت ليان.

جلست أمامه.

أمسكت يده.

«سليم.»

لم ينظر إليها.

قال:

«كل حياتي...»

صمت.

«كل ما قيل لي عن أمي كان كذبًا.»

ضغطت على يده.

«أنا هنا.»

رفع عينيه.

«كيف تستطيعين أن تبقي بجانبي بعد كل هذا؟»

استغربت السؤال.

«لأنك سليم.»

«لكن عائلتي...»

«أنت لست عائلتك.»

«ربما أكون مثلهم.»

هزت رأسها.

«لا.»

«كيف تعرفين؟»

اقتربت أكثر.

«لأنني رأيتك عندما كنت خائفًا.»

«متى؟»

«عندما ظننت أنني سأضيع منك.»

صمت.

قالت:

«رأيتك وأنت تخاف عليّ أكثر مما تخاف على نفسك.»

«هذا لا يثبت شيئًا.»

«بالنسبة لي يثبت كل شيء.»

ابتسم رغم حزنه.

ثم قال:

«أنا أحبك.»

«وأنا أحبك.»

وضع جبينه على جبينها.

لبضع ثوانٍ، اختفت كل الأسرار.

لم يعد هناك يونس.

ولا الجد.

ولا المفتاح.

ولا الماضي.

فقط هما.

---

لكن الرجل العجوز قاطع اللحظة.

«إذا كنتما انتهيتما من إنقاذ العالم بالحب...»

نظرت إليه ليان.

«نعم؟»

«هناك شيء يجب أن ترياه.»

فتح بابًا صغيرًا في الأرض.

ظهر درج.

قال:

«انزلا.»

قال سليم:

«لن ننزل قبل أن تخبرنا إلى أين يؤدي.»

«إلى الغرفة التي أخفي فيها والدك الحقيقة.»

«أي والد؟»

«والد ليان.»

قالت:

«آدم؟»

«نعم.»

نزلت ليان.

تبِعها سليم.

---

كانت الغرفة تحت الأرض أصغر مما توقعت.

على الجدران رفوف مليئة بالملفات.

وفي المنتصف طاولة.

وعلى الطاولة صندوق معدني.

قال الرجل:

«هذا لم يفتحه أحد منذ عشرين عامًا.»

قالت ليان:

«لماذا؟»

«لأن المفتاح كان معك.»

أخرجت المفتاح رقم 17.

وضعته في القفل.

دار بسهولة.

فتح الصندوق.

كانت هناك رسائل.

عشرات الرسائل.

كلها باسمها.

بدأت تقرأ أول رسالة.

> «ليان، إذا وصلتِ إلى هنا، فقد أصبحتِ كبيرة بما يكفي لمعرفة الحقيقة.»

توقفت.

كان خط آدم.

تابعت:

> «لم أكن والدك بالدم، لكنني كنت والدك بكل ما يمكن لرجل أن يكونه.»

بكت.

اقترب سليم.

قالت:

«لماذا لم يخبرني؟»

قال الرجل:

«لأنه كان يعرف أن الحقيقة ستجعلك هدفًا.»

أكملت القراءة.

> «أمك لم تتركك لأنها لم تحبك. تركتك لأنها أحبّتك أكثر من نفسها.»

ثم رسالة أخرى.

> «أما سليم، فلا تسمحي لأحد أن يقنعك أن علاقتك به كانت خطة. ربما بدأ الطريق قبل أن تعرفا بعضكما، لكن ما حدث بينكما ملك لكما وحدكما.»

نظرت إلى سليم.

كانت الدموع في عينيه.

قال:

«حتى آدم كان يعرف.»

«ماذا؟»

«أنني سأحبك.»

ابتسمت وسط دموعها.

«ربما كان يعرفني أكثر مني.»

---

فتحت ليان الرسالة الأخيرة.

لكنها كانت مختلفة.

كانت مختومة بختم أحمر.

فتحته.

قرأت:

> «إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فمعنى ذلك أن يونس عاد.»

توقفت.

تابعت:

> «لا تثقي بما يقوله عن سليم.»

نظرت إليه.

ثم أكملت:

> «يونس ليس والد سليم الحقيقي.»

تجمد سليم.

قال:

«ماذا؟»

أكملت:

> «الرجل الذي ربّاه في طفولته ليس والده البيولوجي، لكنني لم أتمكن من معرفة الحقيقة كاملة.»

ثم جملة أخيرة:

> «والحقيقة موجودة في المكان الذي بدأت فيه حياة سليم.»

رفعت ليان رأسها.

«أين وُلدت؟»

نظر الرجل إلى سليم.

قال:

«في منزل والدته.»

«أين؟»

«لم يعد موجودًا.»

«إذن كيف سنجده؟»

قال:

«لم يُهدم.»

سأل سليم:

«ماذا؟»

«المنزل الذي قيل لك إنه احترق قبل عشرين عامًا... لا يزال قائمًا.»

---

في تلك اللحظة رن هاتف سليم.

نظر إلى الشاشة.

كان الرقم مجهولًا.

أجاب.

لم يتحدث أحد.

ثم جاء صوت رجل.

صوت يونس.

«وجدت الرسائل؟»

لم يرد سليم.

قال يونس:

«كنت أعرف أن جدك سيأخذكما إليها.»

قالت ليان:

«ماذا تريد؟»

ضحك.

«أريد أن أخبرك بالحقيقة قبل أن يخبرك بها غيري.»

«قل.»

«سليم ليس ابن الراوي.»

قال سليم:

«أعرف.»

«ولا ابني.»

ساد الصمت.

ثم قال يونس:

«لكن هذا ليس أهم شيء.»

«ماذا؟»

«الأهم أن أم سليم لم تكن المرأة التي كنت تظنها.»

سأل سليم:

«من كانت؟»

«كانت امرأة أحبها رجل آخر.»

«من؟»

«آدم.»

تجمدت ليان.

قال يونس:

«ولهذا السبب...»

توقف.

ثم قال:

«أنت وليان لستما مجرد زوجين جمعتهما الصدفة.»

انقطعت المكالمة.

نظر الاثنان إلى بعضهما.

قالت ليان:

«ماذا يقصد؟»

لم يجب سليم.

كان وجهه شاحبًا.

قال الرجل العجوز:

«لا تذهبا وراء كلامه.»

«لكننا بحاجة إلى معرفة الحقيقة.»

«وستعرفانها.»

«أين؟»

قال:

«في المنزل القديم.»

ثم أضاف:

«لكن احذرا.»

«من ماذا؟»

نظر إلى المفتاح.

وقال:

«لأن الشخص الذي ستجدانه هناك قد يكون آخر شخص تتوقعان أنه ما زال حيًا.»

---

صعدت ليان مع سليم إلى الطابق العلوي.

كان الصمت بينهما مختلفًا هذه المرة.

ليس خوفًا.

بل ثقلًا.

قالت:

«هل أنت بخير؟»

«لا.»

«هل تريد أن نتوقف؟»

نظر إليها.

«لا.»

«لماذا؟»

«لأنني أريد أن أعرف.»

اقتربت منه.

«وأنا معك.»

«حتى لو كانت الحقيقة سيئة؟»

«حتى لو كانت أسوأ شيء يمكن أن نسمعه.»

«حتى لو غيرت كل شيء؟»

أمسكت وجهه.

«هناك شيء واحد لن تغيره.»

«ما هو؟»

«أنني أحبك.»

أغمض عينيه للحظة.

ثم احتضنها.

«أنا لا أعرف كيف أصبحتِ الشيء الوحيد الثابت في حياتي.»

همست:

«لأنك أصبحت الشيء الوحيد الذي اخترته بنفسي.»

ابتعد قليلًا.

«ليان...»

«ماذا؟»

«بعد كل هذا، عندما ينتهي كل شيء...»

«نعم؟»

«أريد أن أتزوجك مرة أخرى.»

ضحكت.

«نحن متزوجان.»

«أعرف.»

«إذن لماذا؟»

«لأنني أريد أن أتزوجك دون عقد قديم، ودون أسرار، ودون خطة وضعها أحد.»

ابتسمت.

«وماذا ستقول لي؟»

«هل تقبلين بي؟»

«أحتاج إلى التفكير.»

فتح عينيه بدهشة.

«ماذا؟»

ضحكت.

«كنت أمزح.»

ثم قالت:

«أقبل.»

قبّل جبينها.

«إذن عندما تنتهي هذه الفوضى...»

«سنبدأ حياتنا.»

«حياة حقيقية.»

«معًا.»

---

لكن قبل أن يخرجا من المنزل، سمعا صوتًا.

خطوات.

قادمة من الممر.

توقف سليم.

أشار إلى ليان أن تختبئ خلفه.

ظهر رجل.

لم يكن يونس.

ولا مازن.

ولا آدم.

ولا فارس.

كان رجلًا في منتصف العمر.

نظر إلى ليان.

ثم إلى سليم.

وقال:

«أخيرًا وجدتكما.»

رفع سليم سلاحه.

«من أنت؟»

ابتسم الرجل.

«الشخص الذي كان يعيش في المنزل الذي قيل لكما إنه احترق.»

قال سليم:

«أين؟»

«في المكان الذي سنذهب إليه.»

تقدمت ليان.

«هل تعرف أمي؟»

تغيرت ملامحه.

«نعم.»

«هل تعرف أين هي؟»

صمت.

ثم قال:

«كانت هنا قبل أسبوع.»

توقفت ليان.

«هنا؟»

«نعم.»

«لماذا؟»

نظر إلى المفتاح في يدها.

«لأنها كانت تبحث عن شيء.»

«ماذا؟»

أجاب:

«عن ابنها.»

نظر إلى سليم.

تجمد.

«ابنها؟»

قال الرجل:

«نعم.»

«من؟»

اقترب الرجل.

ثم قال:

«أنت يا سليم.»

وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت امرأة من خلف الباب.

صوت لم تنسه ليان منذ اللحظة التي احتضنتها فيها في القبو.

صوت سلمى.

لكنها لم تكن وحدها.

كانت تقول:

«لا تخبروه الآن.»

ثم جاء صوت رجل آخر.

صوت آدم.

رغم أن الجميع كان يعتقد أنه في المستشفى.

قال:

«لقد حان الوقت.»

اتسعت عينا ليان.

أمسكت يد سليم بقوة.

همست:

«آدم...»

ومن خلف الباب جاء صوته مرة أخرى:

«افتحوا الباب.»

اقترب سليم.

وضع يده على المقبض.

نظر إلى ليان.

«مستعدة؟»

ابتلعت خوفها.

ثم ابتسمت.

«معك.»

فتح الباب.

لكن الغرفة كانت فارغة.

لم يكن هناك أحد.

فقط جهاز تسجيل صغير فوق الطاولة.

اشتغل تلقائيًا.

وجاء صوت آدم:

«إذا كنتما تسمعان هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت في حمايتكما.»

ثم صمت لحظة.

وقال:

«والآن... حان الوقت لتعرفا لماذا لم يكن من المفترض أن تتزوجا أبدًا.»

تجمدت ليان.

نظر سليم إليها.

وتوقف التسجيل.

ثم انفتح الباب خلفهما وحده.

وفي الخارج...

كان يونس ينتظرهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زوجة الرجل الذي لا يحب النساء   ٣٠

    الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام

  • زوجة الرجل الذي لا يحب النساء   ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع

  • زوجة الرجل الذي لا يحب النساء   ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين

  • زوجة الرجل الذي لا يحب النساء   ٢٧

    الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع

  • زوجة الرجل الذي لا يحب النساء   ٢٦

    الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا

  • زوجة الرجل الذي لا يحب النساء   ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status