Se connecterكان الظلام يبتلع كل شيء.
داخل الخزانة الخشبية الضيقة، لم تكن ليلى تسمع سوى صوت أنفاسها المتسارعة... وأنفاس آدم القريبة منها. كانت المسافة بينهما لا تُذكر. ورغم الفوضى التي تعصف بالخارج، لم يستطع أيٌّ منهما أن يتحرك. خارج الخزانة... تعالت أصوات أقدام المسلحين. - فتشوا كل أوضة! - محدش يخرج من القصر! ارتجفت ليلى دون إرادة. شعرت بيد آدم تستقر برفق فوق يدها. لم ينظر إليها... لكنه همس بصوت يكاد لا يُسمع: - اهدي... لو سمعوا صوتنا انتهى كل شيء. أغلقت عينيها، تحاول السيطرة على ارتجافها. لكن عقلها كان يعصف بعشرات الأسئلة. من هي تلك المرأة؟ ولماذا بدا آدم وكأنه يعرفها؟ ولماذا قال الرجل المسن إن الحقيقة ستجعلها تكره نفسها؟ قطع أفكارها صوت خطوات تقترب. توقفت أمام الخزانة مباشرة. حبست ليلى أنفاسها. ثم سُمِع صوت قائد المجموعة: - افتحوا الخزانة دي. تجمد قلبها. اقترب أحد الرجال. وضعت يده على مقبض الباب... لكن فجأة دوى صوت انفجار في الجهة الأخرى من القصر. صرخ أحد الحراس: - لقينا حد بيهرب من الناحية الغربية! ابتعد الرجل مسرعًا. وانطلقت المجموعة كلها نحو مصدر الصوت. ظل آدم صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم فتح باب الخزانة بحذر. ألقى نظرة سريعة في الممر. - يلا. خرجا بسرعة. كانت أضواء الطوارئ الحمراء تملأ المكان، لتمنح القصر مظهرًا أكثر رعبًا. --- قادها آدم عبر ممر طويل ينتهي بدرج حجري ضيق. توقفت ليلى فجأة. - إحنا رايحين فين؟ - مكان محدش يعرفه. - وأنت عرفته إزاي؟ نظر إليها للحظة. - بعدين. لم يعجبها الرد. لكنها أكملت السير. في نهاية الدرج، فتح بابًا حديديًا قديمًا. دخلت خلفه. كانت غرفة صغيرة، تغطيها الأتربة. في منتصفها مكتب خشبي عتيق. وفوق المكتب... صندوق مغلق. اقترب آدم منه، لكنه لم يفتحه. ظل ينظر إليه بصمت. لاحظت ليلى أن ملامحه تغيرت. وكأن ذكريات قديمة هاجمته دفعة واحدة. سألته بهدوء: - كنت بتيجي هنا؟ هز رأسه ببطء. - زمان... من زمان جدًا. لأول مرة، شعرت ليلى أن الرجل الذي أمامها يحمل حملًا أثقل من أن يرويه بكلمات. --- بينما كان آدم يحاول فتح الصندوق... لفت انتباه ليلى إطار صورة قديم سقط خلف المكتب. التقطته. مسحت الغبار عنه. شهقت. كانت الصورة لطفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات. عرفت وجهها فورًا. إنها هي. ليلى. لكن المفاجأة... أن آدم كان يقف بجوارها وهو طفل أيضًا. حدقت في الصورة طويلًا. همست بعدم تصديق: - مستحيل... رفع آدم رأسه بسرعة. رأى الصورة. اتسعت عيناه. وانتزعها من يدها بسرعة. - منين لقيتيها؟ - دي صورتي... أنا إزاي كنت معاك وأنا أصلًا معرفتكش غير من ثلاث سنين؟ لم يجب. طوى الصورة ووضعها في جيبه. تقدمت نحوه. - لا... المرة دي لازم تجاوب. رفع رأسه إليها. كانت عيناه مليئتين بالتردد. - في حاجات لو عرفتيها دلوقتي... هتبقي في خطر أكتر. - وأنا مش في خطر أصلًا؟ لم يجد ردًا. --- رن هاتفه فجأة. نظر إلى الشاشة. رقم غير مسجل. رد بصمت. جاءه صوت الرجل المسن: - اسمعني كويس... في حد من جوه القصر بيسرب مكانكم. تجمد آدم. - متأكد؟ - للأسف... وإلا عمرهم ما كانوا وصلوا للغرفة السرية. ثم انقطع الاتصال. نظر آدم حوله بحذر. لأول مرة... بدأ يشك في كل شيء. حتى في المكان الذي ظنه آمنًا. وفي اللحظة نفسها... سمع الاثنان صوتًا خافتًا. "تك..." ثم صوت آخر... "تك..." كأن أحدًا يحاول فتح الباب الخارجي بالمفتاح. أطفأ آدم المصباح بسرعة. أصبحت الغرفة غارقة في الظلام. اقترب من ليلى وهمس: - إحنا مش لوحدنا. توقف صوت المفاتيح. ثم جاء صوت امرأة من خلف الباب... هادئًا... وواثقًا... - عارفة إنك هنا يا ليلى... ومش جاية أقتلك. أنا جاية أنقذك من آدم. ساد الصمت. أما ليلى... فلم تعرف للمرة الأولى من يجب أن تخاف منه... ومن يجب أن تصدقه. ثبتت ليلى مكانها. كان صوت المرأة خلف الباب هادئًا بصورة مخيفة. عارفة إنك هنا يا ليلى... ومش جاية أقتلك... أنا جاية أنقذك من آدم. تبادلت ليلى وآدم النظرات. لم يتغير تعبير وجه آدم، لكنه أمسك سلاحه بهدوء. همس: مهما قالت... متفتحيش الباب. لكن المرأة تابعت من الخارج وكأنها تسمعه. طبيعي هيقولك كده... لأنه عارف إن أول ما تسمعي الحقيقة هتسيبيه بنفسك. شعرت ليلى بأن الصراع داخلها يزداد. كل شخص تقابله يؤكد أن الآخر يكذب. ولا أحد يقدم دليلًا كاملًا. اقتربت بخطوة من الباب. فجذبها آدم برفق من معصمها. نظر إليها لأول مرة نظرة خالية من الغموض، وقال بصوت منخفض: أنا مش بطلب منك تثقي فيا... بطلب منك تستني. كانت تلك أول مرة يطلب منها شيئًا دون أوامر أو تهديد. وقبل أن ترد... خرج صوت المرأة مجددًا: لو فضلتي معاه... هتكوني الضحية الجاية. ساد الصمت. ثم سُمعت خطواتها تبتعد. انتظر آدم دقيقة كاملة قبل أن يفتح الباب بحذر. الممر كان خاليًا. لكن على الأرض... وجد ظرفًا صغيرًا. لم يلمسه. استخدم منديلًا والتقطه، ثم فتحه بحذر. لم يكن بداخله سوى مفتاح قديم وبطاقة مكتوب عليها: "الماضي لا يُدفن... إنه ينتظر فقط." في الجهة الخلفية من البطاقة عنوان. نظر آدم إليه، فتغيرت ملامحه. همست ليلى: تعرف المكان؟ أجاب بعد تردد: للأسف... أعرفه. في الوقت نفسه... داخل غرفة مظلمة في مكان آخر... جلس الرجل الشبيه بآدم أمام شاشة كبيرة تعرض تسجيلات كاميرات القصر. ابتسم وهو يشاهد ليلى تغادر الغرفة مع آدم. دخل أحد رجاله. يا فندم... نلحقهم؟ هز الرجل رأسه بالنفي. لا. ليه؟ ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة. لأنهم رايحين للمكان اللي أنا عايزهم يروحوله. ثم أغلق الشاشة. وأضاف بهدوء: اللعبة لسه ما بدأتش.## أنا يوسف... ولست والدك ظلّت ليلى تحدق في الورقة. كانت الكلمات واضحة. لكن عقلها رفض تصديقها. **"أنا يوسف... وأنا لست والدك."** رفعت رأسها ببطء. — عاصم! لم يجب. اندفعت نحوه. كان ملقى على الأرض، والدماء تسيل من كتفه. انحنت بجواره. — عاصم! افتح عينيك! فتح عينيه بصعوبة. — أنا... كويس. — اتصبت. — مش إصابة خطيرة. — مين ضربك؟ نظر خلفها. — البنت. — سارة؟ أومأ. — بس هي ما كانتش عايزة تقتلني. توقفت. — يعني إيه؟ — الرصاصة كانت موجهة للورقة. نظرت ليلى إلى الورقة في يدها. — كانت عايزة إيه؟ قال: — عايزة توصلك للحقيقة. وقفت ليلى. — أنا مش فاهمة أي حاجة. ثم رفعت الورقة. — مكتوب إن يوسف مش أبويا. قال عاصم: — يمكن دي أول حقيقة. — وأول حقيقة بعد كل الكذب ده بتقول إن كل اللي عرفناه غلط. — أيوه. — طب مين أبويا؟ لم يجب. صرخت: — عاصم! قال بصوت منخفض: — لسه ما وصلناش له. *** فجأة... سمعوا صوت خطوات. اقتربت من الممر. رفعت ليلى رأسها. ظهر رجل. كان يرتدي معطفًا أسود. وفي يده مصباح. تجمدت عندما رأت وجهه. — إنت... الرجل ابتسم. — افتكرتيني؟ لم تستطع الكلام.
## المقبرة رقم 17 لم تستطع ليلى النوم. منذ أن خرجت من ذلك المنزل، لم تتوقف الأسئلة عن مطاردتها. من تكون؟ من هي أمها الحقيقية؟ من هو آدم؟ ولماذا كان الجميع يستخدم أسماء مختلفة؟ لكن سؤالًا واحدًا كان أكثر رعبًا من كل شيء: **من هو الطفل الذي اختفى أمامها؟** كانت جالسة في المقعد الخلفي للسيارة، بينما يقود عاصم بصمت. مرّت دقائق طويلة قبل أن تقول: — عاصم. — نعم؟ — أنت كنت عارف إن مريم عايشة؟ ظل صامتًا. — عاصم... أنا بسألك. — كنت شاكك. — وماذا عن آدم؟ شد يديه على عجلة القيادة. — أي آدم؟ نظرت إليه. — شايف؟ صمت. — حتى أنت بقيت بتستخدم نفس اللعبة. قال بهدوء: — لأن اسم آدم بقى أخطر اسم في الحكاية كلها. — أنا مش عايزة اسم. — أمال عايزة إيه؟ — عايزة شخص واحد يقول لي الحقيقة كاملة. نظر إليها من المرآة. — لو قلتها لكِ... مش هتسامحيني. — جرب. صمت لحظة. ثم قال: — الطفل اللي شوفتيه مع مريم... سكت. — إيه؟ — مش أخوكي. تجمدت. — إنت متأكد؟ — أيوه. — مين هو؟ — ما أعرفش. صرخت: — إزاي ما تعرفش؟! — لأن الشخص الوحيد اللي يعرف هويته هو سليم. — يبقى ليه قال إنه آدم؟
## الطفلان اللذان حملا اسم آدم ظلّت ليلى تحدّق في الملف.كانت الكلمات أمام عينيها، لكنها لم تستطع قراءتها.**آدم رائد الراوي.**اسم واحد...لكن سليم قال إن هناك طفلين حملا الاسم نفسه.رفعت عينيها إليه.— يعني إيه طفلين باسم آدم؟ابتسم سليم.— أخيرًا بدأتي تسألي السؤال الصح.قال آدم بعصبية:— متسمعيش له.التفتت إليه.— اسكت!تراجع خطوة.كانت المرة الأولى التي يرى فيها الخوف الحقيقي في عينيها.قالت:— أنا عايزة أسمع.رفع سليم الملف.— أبوكي كان عنده ولدين.— توأم؟— لأ.— أمال؟— واحد ابنه من مريم...ثم نظر إلى الرجل الآخر.— والتاني ابنه من امرأة ثانية.قالت ليلى:— وسمّاهم الاتنين آدم؟— تقريبًا.تدخل الرجل:— كذاب.قال سليم:— هو اللي كذب عليكِ سنين.ثم نظر إلى ليلى.— آدم الأول مات في الحريق.— والتاني؟أشار إلى الرجل.— اتربى باسم مختلف.سألت:— يوسف؟ضحك سليم.— يوسف كان اسمًا مؤقتًا.قال آدم:— أنا اخترته عشان أحمي نفسي.— من مين؟أجاب سليم:— مني.صمت الجميع.ثم اقترب سليم من ليلى.— أنا كنت عايز أقتلك.تراجعت.— ليه؟— لأنك الوحيدة اللي ورثت ذاكرة أمك.— أنا مش فاهمة.— مريم ق
## الرجل الذي قال: «بنتي»توقفت ليلى أمام الباب.لم تكن الجملة التي سمعتها من خلفه مجرد كلمة."أخيرًا رجعتي يا بنتي."صوت الرجل كان هادئًا...لكن قلبها عرفه قبل عقلها.مدّت يدها نحو المقبض.أمسك يوسف ذراعها.— استني.نظرت إليه.— ليه؟— لأننا مش عارفين مين جوه.— عارفين.— مين؟قالت:— الشخص اللي بيقول إنه أبويا.شد يوسف يده.— وده بالضبط اللي يخوفني.فتحت ليلى الباب.صرير طويل شق الصمت.دخل ضوء خافت من الردهة.كان المنزل ضخمًا، قديمًا، وكل شيء فيه مغطى بطبقة من الغبار.لكن وسط كل هذا الخراب...كانت هناك شموع مشتعلة.كأن أحدًا كان ينتظرهم.قال صوت من الداخل:— ادخلي يا ليلى.تجمد يوسف.— الصوت ده...همست ليلى:— تعرفه؟— أيوه.— مين؟قبل أن يجيب، ظهر الرجل.كان طويلًا.شعره أبيض.ووجهه يحمل ملامح ليلى بشكل مخيف.توقفت أمامه.قال:— مش هتقولي "بابا"؟لم تستطع الرد.ابتسم.— كنت عارف إنك هتترددي.ثم أضاف:— لأنهم قتلوا أبوكي الحقيقي...عشان يخلّوكي تصدقي إنك يتيمة.اقتربت منه خطوة.— إنت مين؟قال:— اسمي رائد.تجمد يوسف.— مستحيل.التفت الرجل إليه.— لسه بتشك في كل حاجة يا يوسف؟قال يوس
ظلّت ليلى تحدق في الصورة.كانت يدها ترتجف.التاريخ المكتوب أسفلها لم يكن يحتمل أي تفسير.**بعد وفاة مراد بعامين.**رفعت عينيها إليه.— الصورة دي مزورة؟لم يجب.— مراد!قال بهدوء:— لأ.— يبقى إنت كنت عايش.— أيوه.— وكل اللي حصل...— كان لازم يحصل.ضحكت بمرارة.— كل حاجة عندكم "لازم تحصل".ثم رفعت الصورة.— مين الرجل اللي مات؟اقترب منها، لكنه توقف قبل أن يلمسها.— أخويا.— اسمه؟— مراد.تجمدت.— يعني إنت اسمك مراد؟— أيوه.— وأخوك اسمه مراد؟— كان اسمه مراد.— وإنت؟صمت.ثم قال:— اسمي الحقيقي يوسف.تراجعت ليلى.— رجعنا ليوسف تاني؟أومأ.— أيوه.— يبقى ليه قلت إنك مراد؟— عشان أشوف هتوصلي للحقيقة لوحدك ولا لأ.صرخت:— أنا مش لعبة!— عارف.— لا، مش عارف!ثم أشارت إلى الصورة.— كل مرة أفتكر إني فهمت حاجة، تطلعوا لي باسم جديد وشخص جديد وموت جديد!قال يوسف:— عشان الحقيقة أكبر من اللي تتخيليه.— قولها.— مش هنا.— ليه؟— لأننا مراقبين.توقفت.— مين؟أشار إلى أعلى.كانت هناك كاميرا صغيرة مثبتة في السقف.قال:— سليم.***اقترب عاصم من الكاميرا.أطلق رصاصة.تحطمت.قال:— عندنا أقل من دقيقتي
## الرجل الذي يحمل اسم آدملم تتحرك ليلى.كانت تنظر إلى الرجل أمامها، بينما الجملة الأخيرة التي سمعتها من عاصم تتكرر داخل رأسها:"آدم الحقيقي كان ميت من أول ليلة قابلتيه فيها."نظرت إلى يده التي ما زالت تمسك يدها.ثم رفعت عينيها إلى وجهه.— إنت مين؟لم يجب.— سألتك... إنت مين؟قال بهدوء:— الشخص اللي أنقذك.هزت رأسها.— ده مش جواب.اقترب خطوة.— ليلى...ابتعدت عنه فورًا.— متقولش اسمي.توقف.قالت:— عاصم قال إن آدم مات.— عاصم كداب.— ونادين قالت إن اسمي سارة.— دي حقيقة.— وأمي قالت إني بنت رائد.— دي حقيقة برضه.صرخت:— طب إيه اللي مش حقيقة؟!صمت.ثم قال:— أنا آدم.ضحكت بمرارة.— وإنت متأكد؟— أيوه.— طيب أثبت.لم يتردد.اقترب منها، لكنه لم يلمسها.وقال:— ليلة الحريق، كنتِ بتستخبي تحت السلم.تجمدت.— كنتِ لابسة فستان أبيض صغير.اتسعت عيناها.— وكان في خدش فوق حاجبك اليمين.رفعت يدها دون وعي إلى حاجبها.— إنت...تابع:— كنتِ بتعيطي وبتقولي إنك عايزة أمك.توقفت أنفاسها.— وأنا قلت لك جملة.صمت لحظة.ثم قال:— "لو خرجتي معايا، أوعدك إني هرجعك لماما."بدأت دموعها تنزل.كانت الجملة صحي







