LOGINالمفتاح رقم 12ظل المفتاح الصغير مستقرًا في راحة يد يارا، لكنها لم تكن تنظر إليه بقدر ما كانت تنظر إلى سليم، فقد كانت ملامحه تخبرها أن الرقم البسيط المحفور عليه أعاد إليه شيئًا لم يكن مستعدًا لمواجهته بعد.قالت بهدوء:"إنت متأكد إننا لازم نروح البيت القديم؟"ظل سليم صامتًا للحظات.ثم أومأ."أيوه.""ليه؟"نظر إلى المفتاح."لأن آخر حاجة افتكرتها قبل الحادث كانت إني حطيته هناك."اقتربت منه."طيب نروح بكرة."رفع عينيه إليها."مش النهارده؟"هزت رأسها."إنت محتاج ترتاح."ابتسم."إنتِ لسه بتأمري."ضحكت."وأنت لسه مش بتسمع الكلام.""يبقى واضح إننا فعلًا كنا متجوزين."ضحكت يارا، لكن ضحكتها سرعان ما تحولت إلى ابتسامة هادئة.كانت سعيدة.لأول مرة منذ سنوات، كانت تشعر أنها لا تتحدث مع رجل يحاول أن يتعرف عليها من جديد، بل مع زوجها الذي بدأ يعود إليها ببطء.---في صباح اليوم التالي، خرجا معًا.لم يأخذ سليم أحدًا معهما.كانت يارا تجلس إلى جواره في السيارة، بينما بقي المفتاح داخل حقيبتها.طوال الطريق، كان الصمت هادئًا.حتى قال سليم فجأة:"كنتِ بتحبي البيت القديم؟"نظرت من النافذة."أيوه.""ليه؟""لأنه
الليلة التي سبقت النسيانلم تستطع يارا أن تتجاهل نظرة سليم إلى الدفتر بعد أن خرجا من المكتب، فقد كانت تعرف أن الصفحات الأخيرة منه تحمل تفاصيل من الأيام التي سبقت الحادث، وهي الأيام التي حاولت طوال السنوات الماضية ألا تتذكرها كثيرًا، ليس لأنها كانت تخشى الحقيقة، بل لأنها كانت تخشى أن تكون بعض الذكريات أقوى من قدرتها على احتمالها.جلسا إلى مائدة الطعام، وحاولت يارا أن تتصرف بصورة طبيعية، بينما كان سليم يراقبها بين الحين والآخر.قال وهو يرفع كوب الماء:"إنتِ ساكتة ليه؟"ابتسمت."مفيش.""يارا."نظرت إليه."إنت عارف إني بقيت أعرف لما بتقولي مفيش."ضحكت بخفة."واضح إنك بدأت تفتكر حاجات أكتر.""يمكن."ثم مد يده وأمسك يدها فوق الطاولة."بس لو في حاجة مضايقاكي، قوليلي."ترددت للحظة.ثم قالت:"الأيام اللي قبل الحادث كانت صعبة."تغيرت ملامحه."ليه؟"تنهدت."كنا بنتخانق كتير."رفع حاجبه."بسبب إيه؟""بسبب إنك كنت مشغول جدًا، وكنت بتتجنب الكلام عن مشاكل حصلت في الشغل."صمت سليم.بدأت كلماتها تفتح بابًا صغيرًا في ذاكرته.رأى نفسه يدخل المنزل متأخرًا.يارا تنتظره في الصالة.كانت غاضبة.قالت:"إنت وع
حين بدأت الذاكرة تختارهالم تستطع يارا أن تتحرك للحظات بعد أن قال سليم إنه تذكر أنه اختارها، فقد ظلت تنظر إليه وكأنها تخشى أن تتنفس حتى لا تختفي تلك اللحظة، بينما كان هو يقف أمامها وفي عينيه شيء جديد لم تره منذ الحادث، شيء يشبه الرجل الذي عرفته قبل أن تضيع ذاكرته، لكن أكثر هدوءًا وصدقًا.قالت بصوت خافت:"إنت متأكد إنك افتكرت؟"ابتسم."مش كل حاجة... بس الإحساس كان واضح."اقتربت منه قليلًا."إحساس إيه؟"نظر إلى يديها، ثم أمسكهما بين كفيه."إني كنت شايفك اختياري، مش مجرد حاجة حصلتلي."ارتعشت شفتاها.لم تعرف ماذا تقول.كان هذا أكثر ما احتاجت إلى سماعه طوال السنوات الماضية.جلس سليم على طرف الأريكة، وسحبها لتجلس إلى جواره.ظل صامتًا للحظات، ثم قال:"احكيلي.""عن إيه؟""عننا."نظرت إليه بدهشة."كل حاجة؟"ضحك."مش هقدر أسمع كل حاجة في يوم واحد."ابتسمت."يبقى نبدأ من الأول."هز رأسه موافقًا.وبدأت تحكي.عن أول مرة رآها فيها، وعن أول خلاف بينهما، وعن اليوم الذي أدرك فيه أنه لم يعد يستطيع تخيل حياته من دونها.كان يستمع إليها باهتمام شديد، وأحيانًا يبتسم قبل أن تكمل الجملة، وكأن جزءًا من ذاكرته
الوعد الذي لم ينسه قلبهظل سليم واقفًا أمام يارا، وعيناه معلقتان بها، وكأن السنوات التي فصلتهما عن تلك الليلة اختفت للحظات، فلم يعد يرى أمامه سوى زوجته كما كانت في ذاكرته القديمة، المرأة التي أمسك يدها يومًا ووعدها بأنه مهما حدث فلن يسمح لهذا البيت بأن يمتلئ بالدموع، لكن الغريب أنه لم يكن قادرًا على تذكر كل التفاصيل، فقط ذلك الإحساس الدافئ الذي اجتاح صدره فجأة، وكأن قلبه فتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا.قالت يارا بصوت مرتجف:"إيه الوعد اللي افتكرته؟"لم يجبها فورًا، بل أغلق عينيه وحاول أن يستعيد المشهد كاملًا.ظهر أمامه ضوء خافت، وستائر تتحرك مع نسمة ليلية، وصوت ضحكتها، ثم يده وهي تمسك يدها.كانا يقفان في هذه الغرفة نفسها.كانت يارا ترتدي فستانًا بسيطًا، وشعرها منسدل على كتفيها، بينما كان هو ينظر إليها وكأنه لا يرى في العالم كله سواها.ثم سمع صوته القديم بوضوح:"وعديني إنك مهما حصل مش هتسيبيني أواجه حاجة لوحدي."توقفت أنفاسه.فتح عينيه فجأة.كانت يارا تنتظر إجابته، والدموع تلمع في عينيها.قال بصوت خافت:"أنا اللي طلبت منك الوعد..."اتسعت عيناها."أيوه."ابتسمت رغم دموعها."طلبت مني أوعدك إ
البيت الذي لم ينتظر أحدًا...ظل سليم واقفًا أمام باب الغرفة لثوانٍ طويلة، بينما استقرت يده على المقبض دون أن يدفعه. لم يكن يخشى ما قد يجده في الداخل، بل كان يخشى أن يعجز عن تذكر أي شيء، فيخذل يارا مرة أخرى.وقفت يارا إلى جواره في هدوء.لم تستعجله.ولم تطلب منه الدخول.اكتفت بأن تبتسم ابتسامة صغيرة، وقالت بصوت دافئ:"خد وقتك."التفت إليها، ثم تنهد ببطء."حاسس إن قلبي سابق عقلي."أجابته بابتسامة امتزج فيها الحنين بالألم:"يمكن لأن القلب عمره ما نسي."أغلق عينيه للحظة، ثم دفع الباب برفق.انفتح الباب ببطء...لتظهر غرفة يغمرها ضوء الغروب المتسلل من النافذة.كان كل شيء مرتبًا بعناية، وكأن أحدًا خرج منها بالأمس فقط.السرير الخشبي في مكانه.الخزانة كما هي.وعلى الطاولة الصغيرة بجوار النافذة، مزهرية زجاجية جفت فيها زهور بيضاء منذ زمن، لكنها بقيت محفوظة كما تركتها يارا.تقدمت بخطوات مترددة.مررت أصابعها فوق ظهر الكرسي.ثم همست:"أنا اللي اخترت لون الستاير."ابتسم سليم وهو ينظر إلى الستائر الكريمية."ذوقك حلو."ضحكت بخفة."وإنت كنت عايز اللون الرمادي."نظر إليها بدهشة."بجد؟"هزت رأسها."وقعدنا
٠البيت الذي لم ينتظر أحدًا...لم يغادر أحد منزل كامل مباشرة.ظل المفتاح النحاسي يستقر في يد سليم، بينما كانت عيناه معلقتين به، وكأنه لا يحمل قطعة معدنية صغيرة، بل يحمل سنوات كاملة من حياته التي لم يعد يتذكرها.اقترب نادر منه وربت على كتفه برفق."روحوا لوحدكم."رفع سليم رأسه."وإنتوا؟"ابتسم نادر ابتسامة هادئة."البيت ده مستني أصحابه... مش مستني زوار."نظر عم عادل إلى يارا بعينين امتلأتا بالحنان."روحي يا بنتي... يمكن البيت يفتكر اللي الزمن حاول ينسيه."ابتسمت يارا في امتنان، ثم التفتت إلى ليلى.احتضنتها أختها بقوة."أول ما توصلوا طمنيني."ضحكت يارا بخفة."أول حاجة هعملها."أما يوسف، فاقترب من سليم وربت على كتفه."ولو احتجت أي حاجة... أنا قريب."أومأ سليم شاكرًا، ثم أمسك بيد يارا دون تفكير.كانت حركة عفوية.لكنه لم يترك يدها عندما انتبه إليها.نظرت إلى أصابعه المتشابكة مع أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه.ابتسم بخجل."لو مش مضايقك..."هزت رأسها بسرعة."بالعكس."وشدت على يده برفق.انطلقت السيارة بهدوء، بينما كانت الطرق شبه خالية مع اقتراب الليل.لم يشغلا المذياع.كان الصمت بينهما مريحًا هذ
بقي الهاتف في يد يارا حتى بعد انتهاء المكالمة. أما أصابعها فقد أصبحت باردة بصورة مرعبة. شعرت وكأن الصوت ما زال يتردد داخل أذنيها. "قولي لجوزك يبطل يدور ورا الماضي... لو عايز يفضل عايش." رفعت رأسها ببطء نحو سليم. كان يراقبها. وقد أدرك من ملامحها أن شيئًا سيئًا حدث. اقترب خطوة. "في إيه؟" فت
تجمد الهواء داخل المكان.وبقيت كلمات الرجل تتردد في أذن يارا كصدى بعيد."أنا الشخص اللي كنت رايح تقابله يوم الحادث..."لم يستوعب عقلها ما سمعه فورًا، بينما وقف سليم أمام الباب محدقًا في الرجل بوجه متجهم، وكأن عقله يحاول التقاط ذكرى هاربة تختبئ في مكان ما بين الضباب الذي غطى سنواته الأخيرة.أما ريم
وقف الزمن بالنسبة ليارا للحظة، وهي تحدق في المرأة الواقفة أمام باب الغرفة تحمل باقة ورد بيضاء وكأنها لم تغب يومًا عن حياة سليم، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة أربكت يارا أكثر مما أغضبتها.لم تكن بحاجة إلى سؤال نفسها عن هويتها.كانت تعرفها جيدًا.ريم.الاسم الذي تردد على لسان سليم بعد استيقاظ
"حضرتك مين؟"تجمد كل شيء حولي.الصوت الذي خرج من شفتيه لم يكن مرتفعًا، ولم يحمل قسوة أو غضبًا، لكنه كان كافيًا ليهدم عالمي بأكمله في لحظة واحدة.حدقت فيه غير مصدقة، بينما كانت أصابعي ما تزال متشبثة بيده كأنني أخشى أن يختفي من أمامي إذا تركتها.رمشت عدة مرات.لابد أنني سمعت خطأ.لابد أن تأثير الأدوي







