Share

الرابع

last update publish date: 2026-05-20 16:23:45

انتهى اليوم، وعاد هو إلى المنزل، لكنّه لم يكن كما خرج منه صباحًا.

كان شيءٌ ما بداخله قد تبدّل، وكأن قلبه تُرك هناك على كورنيش أسوان بجوار تلك الفتاة التي اقتحمت حياته صدفةً وأربكت كل شيءٍ فيه.

وما إن دلف إلى المنزل حتى هرول مباشرةً نحو غرفة والدته دون أن يطرق الباب، وهو يناديها بصوتٍ ممتلئ بالحياة:

— ونوووس!

ابتسمت والدته فور أن رأته وقالت بحنان:

— إنت جيت يا ريحة المسك يا أسمر؟!

ضحك بخفة وهو يقترب منها:

— ياااه يا أما، أديلِك زمان مجولتليش كده.

— وإنت كمان ليك زمن مجولتليش يا ونوس، وطالما جولتها تبجى فرحان!

جلس بجوارها وقال بسعادةٍ تكاد تفيض من عينيه:

— فرحان بس؟! جولي الفرحه مش سيعاني... طااااير من الفرحه! أنا لازم أصلي ركعتين شكر لله.

ابتسمت وهي تراقب ملامحه المشرقة قائلة:

— ربنا يزيدك يا نضري... بس مش تجولي إيه اللي جرى كده وخلاك فرحان وتفرحني معاك؟!

تنهد بعشقٍ واضح وقال ببشاشة:

— شوفتها يا أما...

عقدت حاجبيها باستغراب:

— هي مين دي يا حبيبي؟!

— حبة الجلب.

— أيوة أيوة، منتا جولتلي الصبح جبل ما تنزل.

هز رأسه سريعًا وقال بحماس:

— لا يا أما، شوفتها بجد... حجيجة كده، زي ما أنا شايفك دلوجتي.

نظرت له بعدم تصديق وقالت بمزاح:

— هو إنت كنت نعسان بره يا حبة عيني؟ تلجي النوم غلبك كمنك صاحي بدري.

انفجر ضاحكًا وهو يقول:

— يا أما، مكنتش بحلم! كنت صاحي وواعي وفايج.

ثم أخذ يقصّ عليها ما حدث منذ أن سمع صوتها وحتى رحيلها، يحكي وكأنّه يعيش اللحظات من جديد؛

كيف ارتبك حين رآها، وكيف ضحكت، وكيف نطقت اسمه، وحتى كيف كانت تنظر إليه بعينيها الواسعتين المرتبكتين.

وكانت والدته تستمع إليه بصمت، تارةً تبتسم، وتارةً تنظر له بقلقٍ خفي.

وما إن انتهى حتى قالت بهدوء:

— وإنت ناوي على إيه يا نضري؟

أجابها دون تردد:

— هنزل الفيوم وأطلبها من أهلها.

اتسعت عيناها قليلًا وقالت:

— وهي الفيوم دي أوضة وصالة يا ولدي؟ دي بلد كبيرة، وإنت متعرفش عنها حاجة.

وبعدين افرض متجوزة، ولا مخطوبة، ولا بتحب واحد تاني حتى... هتعمل إيه؟

قال بحنقٍ واضح:

— جواز إيه وخطوبة إيه يا أما؟! لا لا، مفيش كلام زي كده. أنا بصيت في إيديها الاتنين، فاضيين.

وبعدين دي شكلها صغيرة لسه، وده اللي شايل همه... إنها متوافجش عشان فرق السن يعني.

وبعدين إنتِ بتحبطيني ليه دلوجتي؟ بتحب ومبتحبش إيه بس!

ربتت على كتفه بحنان:

— لا يا نضري، بعد الشر عنك من الإحباط. ربنا يعمل اللي فيه الخير... بس مراتك يا داود، هتجوللها إيه؟

قطّب حاجبيه قائلًا:

— مراتي مالها؟! هي مش مراتي جبلت بالاتفاق ده من الأول؟! اتجوزتها وهي عارفة إني مبحبهاش ووافجت.

تنهدت والدته وقالت:

— بس أيامها كنتوا لسه صغيرين يا ولدي، وهي جبلت. دلوجتي يمكن متجبلش، وتلاجيها نست الاتفاق أصلًا.

زفر ببطء ثم قال:

— سيبيها لله يا أما... أنا طالع بكرة إسكندرية أشتري شغل، وإن شاء الله لما أرجع أبجى أشوف هعمل إيه.

يلا، تصبحي على خير.

ثم انحنى يقبّل يديها وغادر الغرفة.

خرج إلى الحديقة الصغيرة الملحقة بالمنزل، وافترش الأرض أسفل الشجرة الكبيرة التي اعتاد الجلوس تحتها كلما ضاقت به الدنيا.

أسند رأسه إلى جذعها، ثم أخرج هاتفه وفتح صورتها مع هشام الجخ.

ظل يحدّق بالصورة طويلًا...

يكبّرها مرةً ليرى ابتسامتها، ومرةً أخرى ليتأمل عينيها، ثم يثبت نظره على شفتيها وهو يتذكر صوت ضحكتها التي أسرته دون رحمة.

وكان كلما تذكرها، شعر وكأن قلبه يبتسم رغمًا عنه.

لكنّه فجأة أغلق الهاتف بعنفٍ خفيف، وكأنّه لم يعد يحتمل المزيد، ثم أغمض عينيه مستسلمًا لذكرياتها التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.

"إنت منقذي الأول والأخير..."

صدح صوتها داخل رأسه بوضوحٍ أربكه.

ثم رأى نفسه بالحلم من جديد، يسمعها تقول بخفوت:

— متسيبنيش...

فقال لها بضيقٍ مصطنع:

— طب إنتِ مش هتبطلي تزاوليني عاد؟! أديلِك شهور وأيام بشوفك، ومبتجوليش غير الكلمتين دول!

شعر فجأةً بيدٍ توكزه بعنف، فقال بانزعاج دون أن يفتح عينيه:

— مش هصحى يا رشيدة! مهو مش كل مرة هجوللك سيبيني نايم!

فجاءه صوتٌ رجولي يقول باستغراب:

— أنا "صلاح" يا عمدة! إيه اللي منيمك هنا؟!

فتح عينيه ببطء، ثم نظر إلى محدّثه وقال بنعاس:

— هو إحنا إمتى دلوجتي يا عم صلاح؟

— الفجر أذّن من ربع ساعة أهو.

اعتدل سريعًا وهو يمسح وجهه بكفيه، ثم قال:

— طيب جهّزلي كشف بالبضاعة الناجصة، عشان أنا طالع إسكندرية أجيب شغل، وهجيب النواجص معايا بالمرة.

— تحت أمرك يا عمدة... تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله.

قام داود، توضأ وصلّى الفجر، ثم بدّل ثيابه واستعد للخروج، لكن أوقفه صوت زوجته وهي تقول بنبرةٍ ناعسة:

— رايح فين يا عمدة عالصبح كده؟! ومرجعتش الليلة اللي فاتت دي ليه؟

نظر إليها ببرود وقال:

— وإنتِ يعني بيفرج معاكي رجعت ولا مرجعتش يا رشيدة؟

خفضت رأسها قائلة:

— معلش... راحت عليّا نومة.

— نوم العوافي.

ثم أضاف وهو يلتقط مفاتيحه:

— أنا رايح إسكندرية أشتري شغل... هتعوزي حاجة أجيبهالك وأنا راجع؟

ابتسمت فورًا وقالت بحماس:

— بسمع إن هدوم إسكندرية حلوة جوي، ابجى هاتلي معاك حاجات مشخلعة كده وكلها ترتر.

رفع حاجبه بصدمة مضحكة:

— ترتر؟!! وماله يا رشيدة، نجيب ترتر... اللي تؤمري بيه.

ضحكت وهي تقول:

— ميؤمرش عليك ظالم يا عمدة... مع السلامة.

خرج بعدها واستقل سيارته، ثم انطلق نحو الإسكندرية، بينما كانت الشمس تستعد للشروق ببطء، تلون السماء بدرجاتٍ دافئة من البرتقالي والذهبي.

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

— ألو... أيوة يا خالي... لا، إحنا خلاص داخلين على إسكندرية أهو.

أيوة، ماهو المسافة بين أسوان وإسكندرية كبيرة، عشان كده اتأخرنا، وكمان على ما اتجمعنا واتحركنا وكده...

أيوة، أصل الموبايل بتاعها فصل شحن من أول اليوم يعتبر... لا، هي معاك أهي.

ثم التفت محمد إلى حسناء قائلًا:

— خدي يا حسناء، خالي عايز يكلمك.

أخذت الهاتف وقالت بلطف:

— أيوة يا بابا... وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

كانت رحلة جميلة والله، ولا أروع... إن شاء الله.

ماما كويسة؟!... الله يسلمها... ماشي، مع السلامة.

أغلقت الهاتف ثم أعادته إلى ابن عمتها، لكنها لم تنتبه لأي شيءٍ حولها بعد ذلك.

كانت عيناها معلقتين بذلك الكتاب الموضوع فوق قدميها.

فتحته ببطء، ثم أعادت قراءة الكلمات التي كتبها لها داود مراتٍ ومرات، تشعر أن خلف تلك الكلمات شيئًا خفيًا، إحساسًا لم تستطع تفسيره، لكنه وصل إلى قلبها بطريقةٍ غريبة.

وكانت كلما قرأتها، شعرت بدفءٍ غير مألوف يسري داخلها.

أفاقت من شرودها على صوت ابن عمتها:

— يلا يا حسناء إنتِ وصِبا، عشان نازلين.

نزل الجميع، ثم توجهوا إلى منزل عمتها، حيث استقبلتهم بحفاوةٍ بالغة قائلة:

— حمد لله على السلامة يا حبايبي، يارب تكونوا اتبسطتوا.

لكن مريم قالت بتهكمٍ واضح:

— اتبسطنا آه... كان نفسنا والله يا طنط نتبسط، بس بنت أخوكي بقى ضربت لنا اليوم.

قاطعها محمد مستنكرًا:

— جرى إيه يا مريم؟! هو إنتِ مش قادرة تصبري لما نلقط نفسنا حتى؟! مستعجلة على النقار وحرق الدم؟

ردّت بحدة:

— لا، مش قادرة! وإنت عارف إني كنت مستنية اليوم ده عشان أتفسح وألف أسوان كلها، مش ألف ورا بنت خالك السنيورة عشان معندهاش عقل ولا بتعرف تتصرف! دي بقت عيشة تقرف.

وقفت حسناء تتابع ما يحدث بأعينٍ دامعة وقلبٍ دامٍ، لكنها لم تجادل، فهي تعلم جيدًا أن مريم لا تحبها، ولا ترحب بوجودها بينهم من الأساس.

أخذت حقيبتها ويد الصغيرة "صِبا"، ثم دخلتا الغرفة بهدوء.

بدّلتا ثيابهما، وبعدها ارتمت حسناء فوق الفراش بإرهاقٍ شديد.

كانت منهكة جسديًا ونفسيًا، تشعر وكأن طاقتها قد استُنزفت بالكامل، وكأن ذلك اليوم أخذ منها أكثر مما أعطاها.

أغمضت عينيها تحاول منع دموعها من الهبوط... لكنها غرقت سريعًا في نومٍ عميق.

— متخافيش... مش إنتِ دايمًا تجولي إني منقذك الأول والأخير؟! أنا مش هأذيكي، متخافيش... هاتي إيدك وسلميها لله وامشي معايا.

ابتسمت له ابتسامة مهزوزة، ثم مدّت يدها نحوه، فالتقطها بين كفيه العريضتين وسار بها.

لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها، وتبدلت ملامحها إلى الخوف وهي تنظر للطريق الممتلئ بالشوك.

قالت بقلق:

— إنت جايبني هنا ليه؟ الطريق ده كله شوك... رجليا اتجرحت.

نظر إليها بحنان وقال:

— لا يا ست الناس، دنا فارشلك الأرض ورد والله... إزاي تجرحك؟! هاتي إيدك بس، وامشي معايا متخافيش.

نظرت إليه بثقةٍ تكاد تكون معدومة، لكنها ناولته يدها مرةً أخرى.

وفجأة...

تجمدت ملامحها تمامًا.

اتسعت عيناها بذعر وهي ترى أمامها آخر شخصٍ كانت تتمنى رؤيته.

شهقت بفزعٍ وهي تقول:

— فاادي؟؟!!

إنت جايبني عنده ليه؟!!

مشّيني من هنا عشان خاطري... والنبي أبوس إيدك متسيبنيش ليه!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ست الحسن   السادس

    يرن هاتفها فجأه فتجد المتصل والدها فتجيبه:أيوة ي بابا..عمتي اللي قالتلك..لا مش راجعه..ولا راجعه الفيوم..هو اي اللي مستخبيه دي؟!..و الناس تسأل ليه اصلا ما يسيبوني ف حالي..اللي يسألك قوللهم بتكشف علي بنتها و راجعه..يخبط دماغه ف أقرب حيطه انا مش راجعاله..أه مش راجعه الا أما يطلقني. التفت إليها مصدووم!! شعر بأن سكين قد غرس بقلبه.. لأول مره في حياته يجاهد ألا يبكي.. دموعه محتبسه بمحجريه تقاوم ألا تنهار الآن.. جميع حواسه توقفت عن العمل.. لا يسمع سوي دقات قلبه المتضاربه.. حتي هي لم يعد يستمع لما تقوله.أكملت ببكاء أودي بحياته: ي بابا انت كل مرة بتقوللي ارجعي و اخر مره.. و كل مره برجع بحاجه مكسورة فيا، مره دراعي و مره رجلي، بس المرادي اللي اتكسر ملوش علاج، أنا تعبت و قرفت و جبت أخري.. أيوة مصممه و مش هرجع و خليه يطلقني.. ع اساس اني عبيطه يعني؟! باباااااا يلا سلام دلوقتي معلش. أنهت المكالمه ثم أغلقت الهاتف.. زفرت زفره قويه أخرجت بها كل الطاقه السلبيه الكامنه بها ثم التفتت إلي الشارد بجانبها: ألا صحيح انت جاي اسكندريه لي..... _لما انتي متجوزه سايبه بيتك و جايه هنا ليه؟! =في شوية مشاكل بينا

  • ست الحسن   الخامس

    نظرت له بثقةٍ تكاد تكون معدومة، لكنها ناولته يدها مرةً أخرى، لتتفاجأ بآخر شخصٍ كانت تود رؤيته.اتسعت عيناها بفزع، ثم قالت برعبٍ واضح:— فادي؟!!إنت جايبني هنا ليه؟!مشّيني من هنا... والنبي متسيبنيش ليه!انتفضت فجأة حين شعرت بيدٍ تهزها بعنف، ففتحت عينيها بفزع وهي تقول:— أعوذ بالله! في إيه يا نادين؟! بتصحيني ليه؟!جلست نادين بجوارها وقالت بقلق:— مانتِ نايمة من ساعة ما رجعنا، لا أكل ولا شرب، وكمان خالي قالب الدنيا، رن عليكي كتير وتليفونك لسه مقفول.إنتِ عرقانة كده ليه؟! كنتِ بتجري وإنتِ نايمة ولا بتحلمي بفادي كالعادة؟!أغمضت حسناء عينيها بضيق ثم قالت بإرهاق:— حلم؟! هو ده بييجي في حلم؟! ده بييجي في كوابيس...هفتح موبايلي أهو وأكلم بابا حاضر.— طيب قومي عشان تاكلي وتأكلي "صِبا".— لا، مليش نفس... معلش، لو صِبا هتاكل أكّليها معاكي.ربتت نادين على كتفها بحنان:— طيب يا حبيبتي، على راحتك.نهضت حسناء ببطء، ثم أوصلت هاتفها بالشاحن وفتحته، وما إن انتهى من العمل حتى سارعت بالاتصال بوالدها.— أيوة يا بابا... الحمد لله...كويسة، بتلعب أهي.إيه؟!لا، مش هاجي!وإنت قولتله إيه؟!لا والله يا بابا، ك

  • ست الحسن   الرابع

    انتهى اليوم، وعاد هو إلى المنزل، لكنّه لم يكن كما خرج منه صباحًا.كان شيءٌ ما بداخله قد تبدّل، وكأن قلبه تُرك هناك على كورنيش أسوان بجوار تلك الفتاة التي اقتحمت حياته صدفةً وأربكت كل شيءٍ فيه.وما إن دلف إلى المنزل حتى هرول مباشرةً نحو غرفة والدته دون أن يطرق الباب، وهو يناديها بصوتٍ ممتلئ بالحياة:— ونوووس!ابتسمت والدته فور أن رأته وقالت بحنان:— إنت جيت يا ريحة المسك يا أسمر؟!ضحك بخفة وهو يقترب منها:— ياااه يا أما، أديلِك زمان مجولتليش كده.— وإنت كمان ليك زمن مجولتليش يا ونوس، وطالما جولتها تبجى فرحان!جلس بجوارها وقال بسعادةٍ تكاد تفيض من عينيه:— فرحان بس؟! جولي الفرحه مش سيعاني... طااااير من الفرحه! أنا لازم أصلي ركعتين شكر لله.ابتسمت وهي تراقب ملامحه المشرقة قائلة:— ربنا يزيدك يا نضري... بس مش تجولي إيه اللي جرى كده وخلاك فرحان وتفرحني معاك؟!تنهد بعشقٍ واضح وقال ببشاشة:— شوفتها يا أما...عقدت حاجبيها باستغراب:— هي مين دي يا حبيبي؟!— حبة الجلب.— أيوة أيوة، منتا جولتلي الصبح جبل ما تنزل.هز رأسه سريعًا وقال بحماس:— لا يا أما، شوفتها بجد... حجيجة كده، زي ما أنا شايفك دل

  • ست الحسن   الثالث

    — "واحد ذوق"؟!!أديلِك ساعة بتجولي: يا محمد يا محمد، وجيتي عندي وبجيت "واحد ذوق"؟!وبنت الأبالسة طالعة منها "محمد" كيف الشهد! ماشي يا ست الناس، إن ما بطلتك تجولي "محمد" دي لحد غيري، مبجاش أنا العمدة "داود"!!أفاق من شروده على صوتها وهي تقول:— اتفضل الموبايل يا حضرتك... آه، وبالمناسبة، اسم حضرتك إيه؟ثم أضافت بضحكةٍ خجلة:— أصل أنا فضولية شوية، معلش.— العمدة داود.— محمد.— أفندم؟؟؟؟!!!!كانت الأولى من نصيب عم صالح، والثانية للعمدة، أما الثالثة فخرجت مذهولة من حسناء.همّ داود أن يوضح لها ما يقصده، لكنها قاطعته فجأةً وهي تهب واقفة، وقد اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، بينما فمها يكاد يلامس الأرض من شدة الدهشة، ثم صاحت بانبهار:— هشام الجخ؟!!!!! ❤❤استغرق الأمر من داود بضع لحظات حتى استوعب ما حدث.التفت إلى حيث تنظر، فوجدها تقف بالفعل أمام هشام الجخ، تتحدث إليه بابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها.قالت بحماسٍ طفولي:— حضرتك أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاك دلوقتي! حضرتك متعرفش أنا بحبك قد إيه... ده أنا حافظة كل القصايد بتاعتك بلا استثناء!في المقابل، كان الشاعر يقف مبتسمًا بسعادةٍ واضحة

  • ست الحسن   الثاني

    — لو سمحت...أتاه صوتها ذو البُحّة المميزة التي طالما أرّقت مضجعه وعصفت بكيانه، حتى أصبح كالمغيّب، لا يرى ولا يسمع سواها.شيءٌ بداخله أخبره ألّا يلتفت إليها... حتى كررت نداءها مرةً أخرى.وفور أن التقطت أذناه صوتها الباكي، التفت إليها بكل جوارحه، لكنه صُدم فور أن رآها.ظل ينظر إليها كالمسحور، لا يدري هل يراها حقيقةً أم أنه ما يزال غارقًا في حلمٍ اعتاد زيارته كل ليلة.تمتم بعدم تصديق:— معجول؟! ست الناس؟!انتبهت لما تفوّه به فقالت وسط بكائها:— أفندم؟!أما هو، فكان يسبح في تفاصيل وجهها؛عيناها اللتان يزينهما الليل وسماؤه، أنفها المستقيم المحمرّ من أثر البكاء، وجنتاها الممتلئتان، وفمها المكتنز... ثم عاد ببصره إلى عينيها، وآآآه من عينيها.كانت تنظر إليه على استحياء، ثم قالت بتوتر:— لو سمحت... ممكن موبايل حضرتك بس أتصل على حد من قرايبي؟ لأني تايهة هنا، ومعرفش أنا فين، ولا أعرف حد هنا، وموبايلي فصل شحن و...— إيييييييه لضماهم في فتلة إياك!!كان ذلك صوت عم صالح الذي تفوّه حانقًا، قبل أن يوكزه العمدة قائلًا:— بس يا بجَم! إيه دخلك إنت؟!ثم التفت إليها قائلًا بلطف:— اتفضلي يا ست الناس.قالها

  • ست الحسن   الأول

    تقفُ وحالُها يُغني عن السؤال، تذرع الطريق ذهابًا وإيابًا، وقد ذرفت من الدموع ما يكفي لريِّ جزيرة النباتات بأكملها.كان لديها من التوتر ما يكفي لجعل أطرافها جميعها ترتعد، فكلُّ غادٍ وراحلٍ كان يرمقها بنظراتٍ تزيد من اضطرابها. لم تكن تدري ماذا عليها أن تفعل، ولا ممّن تطلب المساعدة، بل إنها لم تكن تعلم أين هي بالأساس.قالت ببكاءٍ مرتجف:— أنا منّي لله لليوم اللي قلت فيه لنفسي أزور أسوان... يا رب استرها، يا رب ماليش غيرك... معقول هافضل تايهة كده؟! مش هيلاقوني؟!تعالى صوت نحيبها، فالتفت إليها بعض المارة.— أي خدمة يا أستاذة؟ تؤمري بحاجة؟!كان ذلك صوت أحد المارة الذي أفاقها من شرودها، بل وجعلها تنتفض كمن لدغه عقرب. ابتعدت عنه فورًا بعدما رمقته بخوفٍ وغضب.فكلما همّت أن تستوقف أحدًا وتطلب منه المساعدة، تراجعت خشية أن يضايقها أو يستغل كونها تقف وحدها.لكن انتباهها تعلّق هذه المرة برجلٍ يبدو على مشارف الأربعين، تكسو ملامحه الهيبة والوقار.ولأول مرة شعرت أن الله ربما أرسل لها من ينقذها، وأنه على الأرجح لن يمسّها بسوء، فقررت أن تغتنم الفرصة قبل أن تتراجع.— لو سمحت!قالتها بغتةً، كأنها تلتهم الف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status