Share

الثالث

last update publish date: 2026-05-20 16:21:05

— "واحد ذوق"؟!!

أديلِك ساعة بتجولي: يا محمد يا محمد، وجيتي عندي وبجيت "واحد ذوق"؟!

وبنت الأبالسة طالعة منها "محمد" كيف الشهد! ماشي يا ست الناس، إن ما بطلتك تجولي "محمد" دي لحد غيري، مبجاش أنا العمدة "داود"!!

أفاق من شروده على صوتها وهي تقول:

— اتفضل الموبايل يا حضرتك... آه، وبالمناسبة، اسم حضرتك إيه؟

ثم أضافت بضحكةٍ خجلة:

— أصل أنا فضولية شوية، معلش.

— العمدة داود.

— محمد.

— أفندم؟؟؟؟!!!!

كانت الأولى من نصيب عم صالح، والثانية للعمدة، أما الثالثة فخرجت مذهولة من حسناء.

همّ داود أن يوضح لها ما يقصده، لكنها قاطعته فجأةً وهي تهب واقفة، وقد اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، بينما فمها يكاد يلامس الأرض من شدة الدهشة، ثم صاحت بانبهار:

— هشام الجخ؟!!!!! ❤❤

استغرق الأمر من داود بضع لحظات حتى استوعب ما حدث.

التفت إلى حيث تنظر، فوجدها تقف بالفعل أمام هشام الجخ، تتحدث إليه بابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها.

قالت بحماسٍ طفولي:

— حضرتك أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاك دلوقتي! حضرتك متعرفش أنا بحبك قد إيه... ده أنا حافظة كل القصايد بتاعتك بلا استثناء!

في المقابل، كان الشاعر يقف مبتسمًا بسعادةٍ واضحة، ثم قال بمزاح:

— والله ده شيء يسعدني إن بنوتة جميلة زيك تتابعني وتحفظ جصايدي كمان... جوليلي طيب، أكتر جصيدة بتحبيها إيه؟

قالت بسرعةٍ ولهفة:

— "سري جدًا إلى البحر"، و"أيوة بغير"، و"متزعليش"، و...

قاطعها ضاحكًا:

— دنتِ متابعة جيدة فعلًا والله... اتبسطت جدًا.

— إنت مش متخيل مقابلة حضرتك كانت حلم بالنسبة لي، ومش مصدقة إن الحلم اتحقق.

ابتسم لها قائلًا:

— باين من كلامك إنك مش من أسوان.

— لا، أنا من الفيوم، وكنت جاية أسوان زيارة... وتخيل إني تايهة حاليًا وبدور على قرايبي!

ثم ضحكت بخفة وهي تقول:

— الله... دي أحلى مرة أتوّه فيها في حياتي بجد!

هو أنا ممكن أتصور مع حضرتك؟

ضحك قائلًا:

— يا خبر! ده شرف ليا.

— طب أستأذنك ثواني بس.

أما على الجانب الآخر، فكان داود يقف تتآكله النيران دون أن يفهم السبب.

هل من الممكن أن تكون تلك المشاعر الجديدة عليه كليًا... غيرة؟!

وهل من الطبيعي أن يغار على فتاةٍ لم يقابلها سوى منذ ساعات قليلة؟

قطعت شروده عندما وقفت أمامه وهي تقول برجاءٍ أذاب قلبه وأشعل إحساسه:

— هو أنا ممكن أطلب من حضرتك خدمة؟

ابتسم فورًا وقال:

— يا نهار أبيض... إنتِ تؤمريني أمر يا ست الناس.

ابتسمت بحرج:

— ربنا يخلي حضرتك... ممكن بس بعد إذنك أتصور بالموبايل بتاعك مع الجمال اللي بيحصل هناك ده؟!

قطّب حاجبيه متصنعًا الجهل:

— جمال مين؟

— أقصد هشام الجخ يعني.

تمتم بامتعاض:

— أمممم... هشام الجخ عاد؟! ضروري يعني؟

خفضت رأسها قائلة بخجل:

— خلاص، أنا آسفة، مش مهم.

أسرع يقول:

— لا، استني بس، أنا مجصديش حاجة... التليفون وصاحب التليفون تحت أمرك، اتفضلي.

ثم أضاف بتحذيرٍ متصنع:

— بس يعني متتلزجيش فيه، سيبي مسافة... عشان الكورونا وكده، مش أكتر يعني.

ضحكت قائلة:

— آه طبعًا، ما هو أكيد مش هلزق فيه يعني، أنا واخدة بالي.

تمتم داخل نفسه بحسرة:

— ياريتك كنتِ واخدة بالك يا حبة الجلب... كنتِ ريحتيني وطبطبتي على جلبي... بس أقول إيه بقى؟ نصيب.

ذهبت والتقطت صورة "سيلفي" مع الشاعر، ثم شكرته كثيرًا وعادت إلى داود الذي كان يقف يغلي ويزبد من الداخل، ثم أعطته الهاتف قائلة:

— شكرًا جدًا لحضرتك... أنا تقلّت عليك النهارده.

لو ممكن بس رقمك، عشان أبقى أكلمك تبعتلي الصورة واتس.

رفع حاجبه قائلًا بمكر:

— أوي أوي... هتكتبي الرقم على إيه طيب؟

بدأت تفتش داخل حقيبة يدها، لكنها لم تجد سوى كتاب، فأخرجته وقالت:

— هكتب على ضهر الكتاب وخلاص... قول الرقم.

بدأ يملي عليها الرقم، حتى انتهت وهي تقول:

— تمام كده... إن شاء الله لما نوصل وأفتح موبايلي، هبقى أبعتلك على الواتس عشان تبعتلي الصورة.

— إن شاء الله هكو...

لكنها قاطعته فجأةً بعدما ضربت جبهتها بكفها قائلة بشهقة:

— هييييه! يا خسارة... نسيت أقولّه يكتبلي إهداء!

تنهد داود قائلًا بغيظٍ لطيف:

— والله الخسارة هو اللي بتعمليه فيّا ده... بتندهشي أكتر ما بتتنفسي.

ضحكت ملء فمها ثم قالت بمشاكسة:

— طب إيه رأيك تكتبلي إنت الإهداء؟ بما إنكوا ولاد بلد واحدة، هتمشي برضه.

ابتسم قائلًا:

— يا سلاااام! هو أنا أفديك الساعة...

ثم أضاف باستغراب:

— بس غريبة يعني، شايلة جلم من غير ورق؟ يبجى فايدته إيه؟

أجابته بحماس:

— لأ، أصل عندي هواية كده... لما بكون بقرأ كتاب لازم أطلع منه رسالة لحد عزيز عليّا، وأديهوله، وهو بقى يطلع الرسالة بنفسه.

نظر لها بعدم فهم:

— كيف يعني؟ مش واخد بالي.

اقتربت منه ووقفت بجواره، ثم فتحت الكتاب قائلة:

— يعني بص... دي أول صفحة أهي، مكتوب فيها مثلًا عشرين سطر. أنا بقى بالقلم بحدد تحت الكلمات اللي تكوّن الرسالة اللي أنا عايزاها... وهكذا. وصلت؟

ثم رفعت عينيها إليه، لتتفاجأ بعينين لامعتين دامعتين تنظران إليها بنظرةٍ لم تستطع تفسيرها، لكنها سرت داخلها كرجفةٍ دافئة أربكت قلبها.

تنحنح داود سريعًا وقال:

— آه آه... وصلت. حلوة الفكرة.

ثم أضاف بمزاح:

— استني عليّا بس لما الإلهام يحضر.

ضحكت قائلة:

— إلهام مين؟

أجابها فورًا:

— إلهام أخت جمال.

انفجرت ضاحكة لدقيقةٍ كاملة، فبادلها الضحك، لكن ضحكاته كانت وقورة ذات نبرةٍ مميزة جعلتها تتمنى سماعها مرةً أخرى.

وبعدما هدأ ضحكهما، أخذ يخطّ كلمات الإهداء داخل الكتاب، ثم وقعت عيناه على عنوانه:

الآن نفتح الصندوق

فقال بإعجاب:

— العرّاب مرة واحدة؟! شكلك غاوية.

ابتسمت بحماس:

— جدًا... مش قادرة أوصفلك قد إيه بحبه، وبحب كمان أكتب. ده أنا حتى كتبت رواية على قدّي كده.

ضحكت بخجل، فبادلها الابتسام وهو يرى إشراق وجهها قائلًا:

— شيء عظيم... حلو جدًا إنك تشغلي وقتك بحاجة مفيدة ومسلية كمان.

ثم رفع يده بطريقةٍ مسرحية وهو يقول:

— إن شاء الله في يوم من الأيام هنسمع عنك، وهتكوني كاتبة قد الدنيا... الكاتبة الروائية "حسناء...؟!"

ابتسمت قائلة:

— محمد... حسناء محمد.

كم سُرّ قلبه لأن تكون على اسمه ولو صدفة.

ابتسم لذلك الخاطر المجنون الذي مرّ بعقله، ثم قال:

— عاشت الأسامي يا ست الناس.

ابتسمت هي لذلك اللقب الذي بدأ يصبح محببًا إلى قلبها، ثم قالت بلطف:

— تعيش... ربنا يحفظك و...

لكن كلماتها انقطعت مع وصول سيارة أجرة، نزل منها شاب وفتاتان وطفلتان صغيرتان.

وما إن نزلت إحدى الطفلتين حتى اندفعت نحو حسناء وارتمت بين أحضانها، فجثت حسناء على إحدى ركبتيها واحتضنتها بقوة، تغمرها بالقبلات واللهفة.

ثم رفعت رأسها لتنظر أمامها، فوجدت ثلاثة أزواج من العيون؛

الأولى حانقة حاقدة، والثانية مترقبة متلهفة، والثالثة لائمة خائفة.

قالت صاحبة النظرة الأولى بحدة:

— إنتِ إزاي تسيبينا وتمشي؟! هو إنتِ للدرجة دي عيلة صغيرة ومبتعرفيش تتصرفي؟!

فقاطعها صاحب النظرة الثانية قائلًا:

— في إيه يا مريم؟! هي يعني كانت قاصدة تسيبنا وتمشي؟

أما الثالثة فقالت بلوم:

— كده يا حسناء؟! يعني للدرجة دي مفيش عندك ثقة فينا؟! فكرانا ممكن نسيبك ونمشي بجد؟

لم تنطق حسناء بحرف، مما زاد توترهم جميعًا.

ثم حملت الطفلة الصغيرة وسارت خطوتين، لكنها توقفت فجأة، وعادت إلى داود قائلة بابتسامةٍ رقيقة:

— أنا متشكرة لحضرتك جدًا... فرصة سعيدة.

ابتسم لها ابتسامة خرجت من أعماق قلبه وقال:

— أنا الأسعد والله... في حفظ الله.

ثم استدارت وغادرت، وصعدت إلى السيارة وأغلقت الباب.

اقترب الشاب من داود وصافحه قائلًا على عجل:

— متشكرين لحضرتك جدًا.

هز داود رأسه بحنقٍ مكتوم وقال:

— الشكر لله... لا شكر على واجب.

ثم أخذ الآخر الفتيات وغادر.

وذهبت...

ذهبت دون وعدٍ بلقاءٍ آخر.

ذهبت مؤرقة منامه، ورفيقة أحلامه.

ذهبت... وهو لا يدري هل كُتب له أن يراها ثانية، أم كُتب عليه الشقاء بها إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ست الحسن   السادس

    يرن هاتفها فجأه فتجد المتصل والدها فتجيبه:أيوة ي بابا..عمتي اللي قالتلك..لا مش راجعه..ولا راجعه الفيوم..هو اي اللي مستخبيه دي؟!..و الناس تسأل ليه اصلا ما يسيبوني ف حالي..اللي يسألك قوللهم بتكشف علي بنتها و راجعه..يخبط دماغه ف أقرب حيطه انا مش راجعاله..أه مش راجعه الا أما يطلقني. التفت إليها مصدووم!! شعر بأن سكين قد غرس بقلبه.. لأول مره في حياته يجاهد ألا يبكي.. دموعه محتبسه بمحجريه تقاوم ألا تنهار الآن.. جميع حواسه توقفت عن العمل.. لا يسمع سوي دقات قلبه المتضاربه.. حتي هي لم يعد يستمع لما تقوله.أكملت ببكاء أودي بحياته: ي بابا انت كل مرة بتقوللي ارجعي و اخر مره.. و كل مره برجع بحاجه مكسورة فيا، مره دراعي و مره رجلي، بس المرادي اللي اتكسر ملوش علاج، أنا تعبت و قرفت و جبت أخري.. أيوة مصممه و مش هرجع و خليه يطلقني.. ع اساس اني عبيطه يعني؟! باباااااا يلا سلام دلوقتي معلش. أنهت المكالمه ثم أغلقت الهاتف.. زفرت زفره قويه أخرجت بها كل الطاقه السلبيه الكامنه بها ثم التفتت إلي الشارد بجانبها: ألا صحيح انت جاي اسكندريه لي..... _لما انتي متجوزه سايبه بيتك و جايه هنا ليه؟! =في شوية مشاكل بينا

  • ست الحسن   الخامس

    نظرت له بثقةٍ تكاد تكون معدومة، لكنها ناولته يدها مرةً أخرى، لتتفاجأ بآخر شخصٍ كانت تود رؤيته.اتسعت عيناها بفزع، ثم قالت برعبٍ واضح:— فادي؟!!إنت جايبني هنا ليه؟!مشّيني من هنا... والنبي متسيبنيش ليه!انتفضت فجأة حين شعرت بيدٍ تهزها بعنف، ففتحت عينيها بفزع وهي تقول:— أعوذ بالله! في إيه يا نادين؟! بتصحيني ليه؟!جلست نادين بجوارها وقالت بقلق:— مانتِ نايمة من ساعة ما رجعنا، لا أكل ولا شرب، وكمان خالي قالب الدنيا، رن عليكي كتير وتليفونك لسه مقفول.إنتِ عرقانة كده ليه؟! كنتِ بتجري وإنتِ نايمة ولا بتحلمي بفادي كالعادة؟!أغمضت حسناء عينيها بضيق ثم قالت بإرهاق:— حلم؟! هو ده بييجي في حلم؟! ده بييجي في كوابيس...هفتح موبايلي أهو وأكلم بابا حاضر.— طيب قومي عشان تاكلي وتأكلي "صِبا".— لا، مليش نفس... معلش، لو صِبا هتاكل أكّليها معاكي.ربتت نادين على كتفها بحنان:— طيب يا حبيبتي، على راحتك.نهضت حسناء ببطء، ثم أوصلت هاتفها بالشاحن وفتحته، وما إن انتهى من العمل حتى سارعت بالاتصال بوالدها.— أيوة يا بابا... الحمد لله...كويسة، بتلعب أهي.إيه؟!لا، مش هاجي!وإنت قولتله إيه؟!لا والله يا بابا، ك

  • ست الحسن   الرابع

    انتهى اليوم، وعاد هو إلى المنزل، لكنّه لم يكن كما خرج منه صباحًا.كان شيءٌ ما بداخله قد تبدّل، وكأن قلبه تُرك هناك على كورنيش أسوان بجوار تلك الفتاة التي اقتحمت حياته صدفةً وأربكت كل شيءٍ فيه.وما إن دلف إلى المنزل حتى هرول مباشرةً نحو غرفة والدته دون أن يطرق الباب، وهو يناديها بصوتٍ ممتلئ بالحياة:— ونوووس!ابتسمت والدته فور أن رأته وقالت بحنان:— إنت جيت يا ريحة المسك يا أسمر؟!ضحك بخفة وهو يقترب منها:— ياااه يا أما، أديلِك زمان مجولتليش كده.— وإنت كمان ليك زمن مجولتليش يا ونوس، وطالما جولتها تبجى فرحان!جلس بجوارها وقال بسعادةٍ تكاد تفيض من عينيه:— فرحان بس؟! جولي الفرحه مش سيعاني... طااااير من الفرحه! أنا لازم أصلي ركعتين شكر لله.ابتسمت وهي تراقب ملامحه المشرقة قائلة:— ربنا يزيدك يا نضري... بس مش تجولي إيه اللي جرى كده وخلاك فرحان وتفرحني معاك؟!تنهد بعشقٍ واضح وقال ببشاشة:— شوفتها يا أما...عقدت حاجبيها باستغراب:— هي مين دي يا حبيبي؟!— حبة الجلب.— أيوة أيوة، منتا جولتلي الصبح جبل ما تنزل.هز رأسه سريعًا وقال بحماس:— لا يا أما، شوفتها بجد... حجيجة كده، زي ما أنا شايفك دل

  • ست الحسن   الثالث

    — "واحد ذوق"؟!!أديلِك ساعة بتجولي: يا محمد يا محمد، وجيتي عندي وبجيت "واحد ذوق"؟!وبنت الأبالسة طالعة منها "محمد" كيف الشهد! ماشي يا ست الناس، إن ما بطلتك تجولي "محمد" دي لحد غيري، مبجاش أنا العمدة "داود"!!أفاق من شروده على صوتها وهي تقول:— اتفضل الموبايل يا حضرتك... آه، وبالمناسبة، اسم حضرتك إيه؟ثم أضافت بضحكةٍ خجلة:— أصل أنا فضولية شوية، معلش.— العمدة داود.— محمد.— أفندم؟؟؟؟!!!!كانت الأولى من نصيب عم صالح، والثانية للعمدة، أما الثالثة فخرجت مذهولة من حسناء.همّ داود أن يوضح لها ما يقصده، لكنها قاطعته فجأةً وهي تهب واقفة، وقد اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، بينما فمها يكاد يلامس الأرض من شدة الدهشة، ثم صاحت بانبهار:— هشام الجخ؟!!!!! ❤❤استغرق الأمر من داود بضع لحظات حتى استوعب ما حدث.التفت إلى حيث تنظر، فوجدها تقف بالفعل أمام هشام الجخ، تتحدث إليه بابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها.قالت بحماسٍ طفولي:— حضرتك أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاك دلوقتي! حضرتك متعرفش أنا بحبك قد إيه... ده أنا حافظة كل القصايد بتاعتك بلا استثناء!في المقابل، كان الشاعر يقف مبتسمًا بسعادةٍ واضحة

  • ست الحسن   الثاني

    — لو سمحت...أتاه صوتها ذو البُحّة المميزة التي طالما أرّقت مضجعه وعصفت بكيانه، حتى أصبح كالمغيّب، لا يرى ولا يسمع سواها.شيءٌ بداخله أخبره ألّا يلتفت إليها... حتى كررت نداءها مرةً أخرى.وفور أن التقطت أذناه صوتها الباكي، التفت إليها بكل جوارحه، لكنه صُدم فور أن رآها.ظل ينظر إليها كالمسحور، لا يدري هل يراها حقيقةً أم أنه ما يزال غارقًا في حلمٍ اعتاد زيارته كل ليلة.تمتم بعدم تصديق:— معجول؟! ست الناس؟!انتبهت لما تفوّه به فقالت وسط بكائها:— أفندم؟!أما هو، فكان يسبح في تفاصيل وجهها؛عيناها اللتان يزينهما الليل وسماؤه، أنفها المستقيم المحمرّ من أثر البكاء، وجنتاها الممتلئتان، وفمها المكتنز... ثم عاد ببصره إلى عينيها، وآآآه من عينيها.كانت تنظر إليه على استحياء، ثم قالت بتوتر:— لو سمحت... ممكن موبايل حضرتك بس أتصل على حد من قرايبي؟ لأني تايهة هنا، ومعرفش أنا فين، ولا أعرف حد هنا، وموبايلي فصل شحن و...— إيييييييه لضماهم في فتلة إياك!!كان ذلك صوت عم صالح الذي تفوّه حانقًا، قبل أن يوكزه العمدة قائلًا:— بس يا بجَم! إيه دخلك إنت؟!ثم التفت إليها قائلًا بلطف:— اتفضلي يا ست الناس.قالها

  • ست الحسن   الأول

    تقفُ وحالُها يُغني عن السؤال، تذرع الطريق ذهابًا وإيابًا، وقد ذرفت من الدموع ما يكفي لريِّ جزيرة النباتات بأكملها.كان لديها من التوتر ما يكفي لجعل أطرافها جميعها ترتعد، فكلُّ غادٍ وراحلٍ كان يرمقها بنظراتٍ تزيد من اضطرابها. لم تكن تدري ماذا عليها أن تفعل، ولا ممّن تطلب المساعدة، بل إنها لم تكن تعلم أين هي بالأساس.قالت ببكاءٍ مرتجف:— أنا منّي لله لليوم اللي قلت فيه لنفسي أزور أسوان... يا رب استرها، يا رب ماليش غيرك... معقول هافضل تايهة كده؟! مش هيلاقوني؟!تعالى صوت نحيبها، فالتفت إليها بعض المارة.— أي خدمة يا أستاذة؟ تؤمري بحاجة؟!كان ذلك صوت أحد المارة الذي أفاقها من شرودها، بل وجعلها تنتفض كمن لدغه عقرب. ابتعدت عنه فورًا بعدما رمقته بخوفٍ وغضب.فكلما همّت أن تستوقف أحدًا وتطلب منه المساعدة، تراجعت خشية أن يضايقها أو يستغل كونها تقف وحدها.لكن انتباهها تعلّق هذه المرة برجلٍ يبدو على مشارف الأربعين، تكسو ملامحه الهيبة والوقار.ولأول مرة شعرت أن الله ربما أرسل لها من ينقذها، وأنه على الأرجح لن يمسّها بسوء، فقررت أن تغتنم الفرصة قبل أن تتراجع.— لو سمحت!قالتها بغتةً، كأنها تلتهم الف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status