Masukتأملت تارا كوب العصير في يدها لثوانٍ، وارتسمت على شفتيها الخجلتين ابتسامة دافئة، ثم رفعت عينيها إلى سما وقالت بنبرة تحمل مزيجاً من الفرحة والارتباك الرقيق: = "تعرفي يا سما.. علي كلمني مبارح بليل، بعد ما اطمن إنك رجعتي لبيتك وخالد رجعتله روحه، وقال لي كلام خلاني طول الليل مش عارفة أنام من كتر التفكير والفرحة." اعتدلت سما في جلستها، ووضعت كفها فوق يد تارا بفضول ومحبة، وقالت بابتسامة مشجعة: = "خير يا تارا؟ علي قالك إيه؟ احكيلي يلا، ده أنا بحب أشوفك مبسوطة كده!" أخذت تارا نفساً عميقاً، والتحمت وجنتاها باللون الوردي، ثم قالت بصوت خفيض يقطر بالرومانسية والرقة: = "علي عاوز يقدم ميعاد كتب الكتاب يا سما! كان المفروض نعمله كمان أربع شهور مع الفرح لما الشقة تجهز خالص، بس هو كلمني وقال لي إنه مش قادر يصبر أكتر من كده. قال لي بالنص: 'يا تارا، أنا لما شفت خالد وسما، وشفت قد إيه الدنيا ممكن تتقلّب في لحظة، وقد إيه وجود الشخص اللي بتحبيه جنبك وفي بيتك بيدي أمان وحياة، حسيت إننا بنضيع وقت في الانتظار مالوش لازمة. أنا عاوزك تبقى مراتي حلالي رسمي في أقرب وقت، نكتب الكتاب الشهور دي، وبعدين نكمل
في منتصف الظهيرة، كانت شمس الصيف المشرقة تكسو صالة الشقة العتيقة في حي جليم ببريق ذهبي دافئ، وترسل نسائم البحر العليلة عبر الستائر الشيفون الخفيفة. كانت سما تجلس في ركنها المفضل بجوار النافذة، تحتسي كوباً من القهوة، وشعور عارم بالسكينة والاطمئنان يغمر روحها بعدما استعادت بيتها، وحصنها، وجوار زوجها خالد. وفجأة، رن جرس الباب بنغمات متقطعة ومتلهفة. قامت سما بخطوات هادئة وفتحت الباب، لتفاجأ بـ "تارا"، شقيقة خالد الصغرى، تقف عند العتبة وتحمل في يديها علبة حلوى فاخرة، وعلى وجهها الرفيع ابتسامة تجمع بين الخجل، والشوق، والارتياح الشديد. قالت تارا بصوت رقيق يملؤه الود والعفوية: = "أنا آسفة يا سما لو جيت من غير ميعاد وبسرعة كده.. بس والله العظيم ما قدرت أصبر أكتر! من ساعة ما علي كلمني وبلغني إنك رجعتي بيتك ونورتيه، وأنا مستنية خالد ينزل المستشفى والعيادة عشان أجيلك أطمن عليكِ وأحضنك." ابتسمت سما بصفاء ومحبة صادقة، وفتحت ذراعيها لتتلقف تارا في عناق دافئ ومحكم. رحبت بها بحرارة وقالت بالعامية اللطيفة: = "يا حبيبتي يا تارا! إيه الكلام ده بس؟ ده بيتك وأنتِ تنوري في أي وقت يا حبيبتي.. تعالي أ
انساب الليل على شاطئ جليم بهدوء مهيب، محتضناً البناية العتيقة ورذاذ البحر الخفيف الذي يتطاير مع النسيم العليل. داخل الغرفة الهادئة، كانت أضواء الشارع الخافتة تتسلل عبر فتحات الستائر الخفيفة، لترسم ظلالاً دافئة وشاعرية على الجدران، وتلقي برداء من السكينة المطلقة على السرير الذي شهد عودة الحياة والروح بعد جفاف ودمر طال لسبعة أيام كاملة. ساد الغرفة صمت عميق، لا تخترقه إلا أنفاسهما المتناغمة الهادئة. كان خالد غارقاً في نوم عميق لم يعرفه منذ أسبوع كامل؛ نوم يفيض بالراحة والسكينة بعدما زالت عن كاهله أثقال الهم، والسهد، والمواجهات القاسية. كان يحتضن سما بجسده القوي كأنه سور من فولاذ يحميها من العالم أجمع؛ ذراعه الأولى ممتدة أسفل رأسها لتكون وسادته الحنونة، وذراعه الأخرى ملتفة حول خصرها برقة متناهية، يضغط بها نحو صدره العريض حتى لا تفصل بينهما أنملة واحدة. أما سما، فكانت تدفن رأسها الصغير في تجويف عنقه وكتفه، متوسدة دفء جسده الذي طالما كان ملاذها وأمانها الوحيد. كانت يدها الرقيقة مستقرة فوق صدره، تشعر بضربات قلبه المنتظمة الهادئة التي كانت بالنسبة لها أجمل لحن يطمئن روحها المجهدة. كان جس
أول ما استقبله كان ذلك المزيج الساحر الذي افتقده حد الموت؛ رائحة الطعام المنزلي الدافئ المألوف، مختلطة برائحة عطرها الأنثوي الرقيق الذي يميزها عن نساء الأرض أجمعين. كانت الشقة مضاءة بنور الشمس، دافئة، تنبض بالحياة بعد أن كانت مقبرة باردة طوال الأسبوع الماضي. خطا خالد خطوة للداخل، وأغلق الباب خلفه بقدمه دون أن يرفع عينيه عن المشهد الذي أمامه. كانت سما تقف في منتصف الصالة، على بُعد خطوات من السفرة المجهزة. كانت ترتدي فستاناً منزلياً زيتي اللون... ناعماً ينسدل على جسدها الممشوق برقة بالغة، ويبرز أنوثتها الهادئة بطريقة تسلب العقل. كانت قد صففت شعرها بطريقة بسيطة لكنها جذابة، ووضعت لمسات خفيفة جداً من الزينة أضاءت وجهها الشاحب فبدت في عينيه كحورية هبطت من السماء لتنتشله من قاع الجحيم. كانت تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع الدافئة، وابتسامة رقيقة، خجولة وعاشقة، ترتسم على شفتيها. تسمر خالد في مكانه لثانية واحدة، يلتهم تفاصيلها بعينيه المحرومتين. أسقط مفاتيحه وهاتفه على الطاولة الجانبية دون اهتمام، ولم ينطق بحرف واحد. فالكلمات في هذه اللحظة كانت أضعف وأفقر من أن تعبر عن بركان الع
في أروقة المستشفى العام، وتحديداً في مكتب رئيس قسم الجراحة، كان اليوم يسير بثقل جبل على صدر الدكتور خالد. كان يجلس خلف مكتبه الخشبي العريض، مرتدياً معطفه الطبي الأبيض الذي بدا وكأنه يزن أطناناً فوق كتفيه المنهكتين. لم ينم منذ ثمانٍ وأربعين ساعة؛ فبعد ليلته العاصفة في مديرية الأمن، وتقديم البلاغ الحاسم ضد يوسف، ثم ذهابه لفيلا الدكتور نديم في منتصف الليل ليعطي سما صورة المحضر، وانتهاءً بمواجهته الصاخبة والقاسية مع والدته في شقة العائلة، كانت طاقته قد استُنزفت حتى آخر قطرة. كانت أمامه ملفات طبية لحالات حرجة تحتاج إلى مراجعة، وكوب من القهوة السوداء التي بردت تماماً دون أن يرتشف منها رشفة واحدة. عيناه كانتا غائرتين محاطتين بهالات داكنة تفضح سهره وعذابه النفسي، وعقله كان شارداً تماماً، يسبح في غياهب التفكير في زوجته. كان يتساءل في صمت يمزق روحه: هل كانت خطوته الليلة الماضية كافية؟ هل نجح في إيصال رسالته لها؟ هل أدركت سما، تلك الرقيقة المكسورة، أنه مستعد لحرق العالم بأسره من أجل استعادة شعورها بالأمان؟ تنهد خالد بعمق، ومسح وجهه بكفيه الخشنتين، محاولاً طرد الأفكار المظلمة التي تهمس له
كانت خيوط الشمس الذهبية تترجل بنعومة فوق زجاج النافذة، لتنسكب على وجه سما الشاحب وتعلن عن ميلاد فجر جديد. جلست سما على طرف السرير العتيق في غرفتها ببيت أبيها، تضغط بأصابع مرتجفة على الورقة الرسمية المختومة الصادرة من مديرية الأمن—تلك الورقة الحكومية التي أحضرها خالد بنفسه في منتصف الليل، متغاضياً عن كبريائه ورتبته ومكانته الاجتماعية المرموقة كجراح معروف، وواضعاً اسمه ومستقبله ومهنته في مهب الريح وأروقة المحاكم والأقسام، لمجرد أن يعيد لها حقاً سُلب منها بالخوف والابتزاز، وليثبت لها أن أمانها هو قضيته الأولى والأخيرة في هذه الحياة. أغمضت سما عينيها، وتنفسَت بعمق لأول مرة منذ أسبوع كامل من الجحيم والاحتجاز النفسي. استحضرت في مخيلتها ملامح وجه خالد المنهكة التي أضناها السهر والندم، وعينيه الحمراوين الغائرتين المليئتين بالدموع الحارقة والرجاءونبرة صوته المبحوحة الموجوعة وهو يرجوها أن تسامحه، ثم تذكرت كبرياءه الذي انحنى تحت قدميها وهو يجثو على ركبتيه بالصالونوركضته المتأججة في منتصف الليل نحو المواجهة كوحش كاسر ليقتلع الخوف والرعب من قلبها ويسحق يوسف بالقانون. دارت في رأسها التساؤلات
تنهدت سما ببطء… تنهيدة خرجت من عمق صدرها وكأنها تحمل معها كل ما علق بداخلها من تعبٍ لم تجد له اسمًا، ثم انحنت تُكمل ما بدأته، تمرر قطعة القماش على سطح الطاولة للمرة الثالثة، رغم أنها أصبحت نظيفة بالفعل… لكنها لم تكن تنظف المكان بقدر ما كانت تحاول أن تُفرغ شيئًا بداخلها، شيئًا أثقل من أن يُحكى، وأصع
رغم علمها أنه من الممكن أن تظل في تلك المشفي، رغم تأكدها أنها ستحصل علي عنايه اكبر فيها، رغم راحتها في المكان الا أنها اختارت أن تجرب العيش في بيت جددتها، في ذلك الريف الذي كبرت فيه، متجاهله تماما المرض، فقط ستتعامل وكأنها لم تكتشفه وقفت في ذلك البيت الواسع ذو الألوان البُنيه الهادئه تتفقده باشت
اتسعت عيناها بصدمة = "ايه، قذارني " فصرخ بيها مجددا = "بتقابلي مين من ورايا قوليلي ؟!" سقطت الكلمة عليها أقسى من المرض نفسه. = "انت… بتقول ايه يا سوف انت واعي ؟!" اقترب منها، يمسك ذراعها بقسوه = "بقول الحقيقة… انتي فاكراني هفضل مغفل؟!" بكت… بانهيار = "يوسف أنا تعبانة… وكمان انت تش
لم تكن تعرف أن اليوم الذي خرجت فيه من بيتها فقط لتطمئن على صحتها… سيكون هو اليوم الذي تُطرد فيه من حياتها كلها سما المُحمدي… الفتاة التي لم يكن لها من الدنيا سِوى بيت صغير ورجل ظنته وطنًا، كانت تسير في الشارع ببطء، تمسك هاتفها بين يديها، تُعيد قراءة الرسالة التي أرسلتها له منذ ساعات…







