ログインبحسب ما يُقال، فجواد وحاتم شقيقان من الأب نفسه ولكن من أمهات مختلفة، وكان الجد مديح قاسيًا وصارمًا معه في صغره.وكانت أكثر الكلمات التي تطرق مسامعه هي: "ألا يمكنك أن تتعلم من أخيك الأكبر؟""أخوك الأكبر ذكي وفطن، فكيف أنجبتُ أبلهًا مثلك؟""أتعجز عن فهم تقرير بسيط كهذا؟ لو كان أخوك الأكبر مكانك..."ولأنه الابن الثاني في العائلة، فقد وُضع في مقارنة مستمرة مع أخيه الأكبر.ومقارنةً بهالة حاتم الساطعة، بدا جواد عاديًا للغاية، ورغم أنه بذل قصارى جهده، إلا أن الفجوة بين بذل الجهد والموهبة الفطرية كانت سحيقة.لم يكن حاتم ذكيًا فحسب، بل كان أيضًا مجتهدًا للغاية.والجهد المدعوم بالموهبة والعبقرية يكون ذا نفعٍ عظيم، وهو ما عجز جواد عن مواكبته طوال حياته.ظل حاتم يمثل العقدة النفسية التي تلاحق جواد طوال عمره.وبعد أن توضّحت الأمور وظهرت الحقيقة أخيرًا، بات بمقدوره طرد عائلة حاتم بشكل قانوني وعلني، واستعادة كل ما ينتمي إليهم!"يا مصطفى، أنت شخص ذكي وفطن، ولن أطيل اللغو معك، حتى لو اشتريتم بعض الأسهم، فإننا نحوز أسهم الجد الراحل، الخسارة تلاحقكم حتمًا! فلماذا تعذبون أنفسكم بأن تصبحوا أضحوكة بين الجمي
أدرك أحمد ما يدور في خلدها، فقال مطمئنًا إياها: "اطمئني يا سارة، لقد أرسلتُ رجالي للبحث عنها منذ فترة طويلة، إلا أن الأمر صعب للغاية."فنفوذه يتركز في دولة الشمال في النهاية، ويصعب عليه بسط سيطرته هنا، فضلًا عن أن صفوان خطط لهذا اليوم منذ سنوات طويلة، ولن يسمح لأحد باكتشافه بسهولة.ولهذا السبب عجز حاتم عن النوم طوال الليل، فكل الرجال الذين أرسلهم قد اختفوا ولم يصله منهم أي خبر.وبعد أن جثا أحمد ليومين كاملين، خانته قواه وسقط مغشيًا عليه وسط المطر دون أن يلين موقف أفراد عائلة رشيد قيد أنملة.قال باسم بنبرةٍ باردة: "ليته يموت هنا."وعلّق سيف متفقًا معه: "بالفعل، دائماً يموت الأخيار صغارًا، بينما يعمّر الأشرار إلى أرذل العمر."واكتفى حاتم بقوله: "ألقوا به في الخارج، إن رؤيته تزعجني."شعرت سارة ببعض الصداع، فيبدو أن قبول عائلة رشيد لأحمد ليس بالأمر الذي قد يتحقق في وقتٍ قصير.فطلبت من خالد حمل أحمد إلى الفراش والاعتناء به جيدًا.وكان مصطفى هو الأقل عداءً لأحمد من بين إخوتها، فتقدم ببطء نحو سارة قائلًا: "لقد دبرت سالي المبلغ بالكامل.""إذن يمكن لعرضنا المشوق أن يبدأ."أسرعت سالي بالقدوم في
إن بعض الآلام لا يمكن للمرء أن يشعر بها بحقٍ ما لم يمر بها بنفسه، وبعد مرور كل هذا الوقت، تحررت سارة من الكثير من أحقاد الماضي.فهي ما زالت تحب أحمد، كما أن لديها أربعة أطفالٍ يجمعون بينهما.ولأنها مرت بتجربة الفراق والموت، ثم اجتمعت بعائلتها من جديد، أدركت مدى أهمية العائلة، وبدلاً من إهدار الوقت في الانتقام، آثرت أن تقدر الحاضر وتغتنم كل لحظة.فباتت أكثر حذرًا وحرصًا من أي شخص آخر في الحفاظ على كل ما نالته بعد تعبٍ ومشقة.ولكن الآخرين لا يملكون قلبها؛ لذا بناءً على أفعال أحمد السابقة، لن تسامحه عائلة رشيد ولو بعد حين. جثا أحمد في الفناء ليوم وليلة، ليس وكأن سارة لم تطلب منه النهوض، بل كان يكتفي بالرد عليها برقة قائلاً: "يا سارة، أريد الزواج منكِ، وأريد أن أقيم لكِ زفافًا مهيبًا، فالزواج الذي يفتقر إلى مباركة الوالدين ليس كاملًا، ومهما كان الثمن، سأطلب من عائلتكِ أن تسامحني."فتنهدت سارة بنبرة خافتة قائلة: "لماذا تعذب نفسك؟""ما يحدث لي اليوم هو نتيجة لأفعالي، وما يعني هذا مقابل أن تكوني على قيد الحياة وتوافقي على الزواج مني مجددًا؟"لقد تخدرت ركبتا أحمد تمامًا، لكن ظهره ظل منتصبًا،
لا شك أن الآثام التي ارتكبها أحمد في حق سارة في الماضي لا تعد ولا تحصى!وكم تمزقت أفئدة عائلتها حين علموا بما مرت به!ولن ينقضي الأمر بسهولة بمجرد أن تخبرهم أنها لم تعاني أو أن كل شيءٍ قد مضى بالفعل، فكيف قضت تلك الليالي الطويلة بمفردها تصارع المرض؟لم يستطع حاتم أن يسامحه على الإطلاق، وبات يرى أحمد كعدوٍ لدود.فقالت سارة محاولةً تهدئته: "يا أبي، لا تنفعل، فجسدك يحتاج إلى الراحة الآن."وضع حاتم يده على صدره قائلًا: "يا ابنتي، بغض النظر عما إذا كانت عائلة رشيد في مأزق أم لا، فمن المستحيل أن أسمح لكِ بالبقاء مع هذا الرجل مجددًا"وبينما يتحدث، حدق حاتم في أحمد بغضبٍ قائلًا: "ما الذي تنظر إليه؟ لماذا لم ترحل بعد؟ عائلة رشيد لا ترحب بك أبدًا! في الماضي قمت بإيذاء ابنتي مستغلاً غياب عائلتها، وأنا أخبرك الآن أن تبتعد عن ابنتي فورًا! وأنا على استعداد لإعالتها طوال حياتها.""يا عمي، أنا أعلم أن كل ما حدث في الماضي كان خطئي، وأنني لن أكفر عن ذنوبي تلك أبدًا، والآن كل ما أرجوه هو الاعتذار وتعويضها عما فعلته.""لا حاجة لنا بذلك! لو كان الاعتذار مجديًا فما الداعي لوجود الشرطة إذن؟ وسواء كنت صادقًا
في عتمة الليل، وقفت مرمر صامتةً تراقب هذان الاثنان المتعانقان، وارتسمت على فمها ابتسامة خفيفة.وكانت تمسك بهاتف محمول في يدها، وتبث المشهد مباشرة لفارس، ودوى عبر الهاتف صوت آدم المتحمس قائلًا: "اقتربي أكثر، لا يمكنني الرؤية بوضوح."أبعدت مارية رأسه قائلةً: "اخفض صوتك قليلاً، لا تزعج أبي وأمي، وأزح رأسك الكبير هذا، لقد حجبت الرؤية عني تمامًا.""من صاحب الرأس الكبير؟ تعال يا فارس واحكم بيننا، نحن توأمان، وإذا كان رأسي كبيرًافيجب أن يكون رأسينا مماثلين."كانا يتشاجران في كل مرة يلتقيان بها، وهو ما يتناقض تمامًا مع هدوء فارس ومرمر.ورغم أن مرمر عاجزة عن الكلام، إلا أن رؤية والديها المتعانقين أمامها، وسماع شجار ومشاكسات اخوتها في أذنها جعلها تشعر بسعادة غامرة.هكذا يجب أن تكون العائلة.لقد أخبرتها أمها أنها بمجرد العودة إلى مدينة الشمال ستعيد توثيق زواجها من أبيها، وعندها سيصبحون عائلة حقيقية.وذلك اليوم سيأتي قريبًا جدًا.ولم تظهر سارة طوال اليومين الماضيين، وظلت تعتني بعائلتها في الخفاء.كانت ملامح حاتم رقيقة، وبوجود سارة إلى جانبه تحسنت حالته النفسية كثيرًا.وكان يطيل النظر بحنان إلى هذه
كان قاسم حذرًا للغاية بطبيعته، ولم تكن لديه طموحات كبرى، بل كل ما يرجوه هو أن يعيش حياته بسلام وأمان فحسب.وليس أنه شحيح بماله، بل إنه فقط يشعر أن سالي تريد الرهان بكامل مدخراتهما من أجل مستقبل مجهول، وإذا خسرا فسينتهي بهما المطاف بلا أي شيء.وكانت نشأة قاسم مشابهة لسالي تقريبًا، وبسبب بعض الفرص نال هويته الحالية كشاب نبيل، وهو ما يقدره كثيرًا.وحتى لو انسحبا وتراجعا الآن، فإن الأموال التي بين أيديهما تكفيهما للعيش برغد لبقية عمرهما.إنه ليس طماعًا، وبالنسبة له فإن هذه هي ذروة حياته، ولم يتطلع أبدًا أن يصبح فاحش الثراء بين عشية وضحاها.ولكن من الواضح أن أفكار سالي كانت مختلفة تمامًا عنه، وبعد أن بذل جهودًا حثيثة لنصحها، لم ينجح في إقناعها، بل زادها الأمر غضبًا."يا قاسم، أنا أسألك فقط، هل ستساعدني أم لا؟""يا سالي، وكيف لا أساعدكِ؟ أنا فقط...""إذن كف عن الهراء، وعندما أسيطر على عائلة رشيد، ستنعم أنت أيضًا برغد العيش معي."تنهد قاسم قائلاً: "يا سالي، أنتِ تعلمين أنني سأحبك على الدوام بغض النظر عن هوية كلٍ منا، وأيًا كان ما تطلبيه مني فسأمنحه لكِ حتى وإن كانت نجوم السماء.""إذن اذهب واب
كان أحمد يدرك تلك الحقائق كلها، ويدرك أن سارة لا يمكن أن تجهلها.فخلال الأيام التي قضياها في عبور الغابة، لم تُبدِ سارة ملامح امرأةٍ ضعيفة مدللة، بل كانت شجاعةً، حازمةً، تعرف تمامًا ما تريد.لقد كان مقتل فاتن آنذاك كفيلاً بتحطيمها تمامًا، ولا يُعقل أن تكتفي بقتل كريم بهذه البساطة.قال محمود بقلق: "س
كانت الخطوط المتوترة على جسد أحمد قد شعرت بها سارة منذ البداية، ففي الهواء الخانق، كان جسداهما يغرقان في العرق بعد ساعات من العمل في الحقول، بينما راحت رائحة الدواء العالقة على بشرتها تتصاعد أكثر فأكثر، كأنها سمّ يتسلل في صمت ليغوي كل حواسه.ربّتت سارة على يده التي لم تهدأ حركتها قائلة بهمس حازم: "ك
قالت سارة ببرودٍ وهي تمسح بنظراتها جميع الحاضرين: "لا يهمّني من تكونون، من يأتي إلى هذه القرية عليه أن يلتزم بقوانينها، وإلّا فليغادر من تلقاء نفسه."أمسك الطبيب عصمت بذراع ندى التي كانت على وشك الانفجار، وقال محاولًا تهدئتها: "أيتها الفتاة، كفي عن هذا، نحن لسنا في مدينة الشمال الآن، ثمّ أليست رغبتك
كان صوته المليء بالرجاء حزينًا إلى حد بعيد، رفعت سارة رأسها لتقع عيناها على نظراته المبللة، كأنها عينا جروٍ صغير تُرك وحيدًا.أهذا حقًا هو أحمد الذي تعرفه؟ أم أن روح كلب ما حلت مكانه؟قالت سارة بجفاف: "كيف أساعدك؟"أشار أحمد بأصبعه على راحتها، فاشتعل وجه سارة حُمرة حتى كاد ينفجر دمها.سارعت تنفي ثلا