FAZER LOGINبقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.
لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.
في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."
لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها بالزواج ثم خاف، وعن سنوات طويلة قضتها في غرفة رقم سبعة لا تعرف فيها نهارًا من ليل، تعد الأيام على الجدار حتى لا تفقد عقلها. ولم تلعن أحدًا ولم تطلب انتقامًا، بل قالت فقط: "أريد أن تنالي حقك، وأن تنال البنات الأخريات حقهن."
تحولت قضية دفتر الساعة إلى أكبر قضية عرفها القضاء في العقود الأخيرة. وصلت الشرطة إلى المستشار هشام الجارحي في المطار وهو يحاول مغادرة البلاد بتذكرة حجزها قبل ساعات من مداهمة الدار، وسقط بعده الواحد تلو الآخر رجال أعمال وأطباء وضباط سابقون، ذكرت أسماؤهم بخط ماهر الشناوي الأنيق في دفتر لم يتخيل يومًا أن ينجو. وفي التحقيقات اعترف سائق الطبيب بأنه هو من دخل مكتب عادل نصّار ليلة اللقاء، وكتب الرسالة المزورة بأمر مخدومه، فبرئت نور من الشبهة وعاد اسم أبيها إلى ما كان عليه: رجل أخطأ كثيرًا ودفع الثمن كاملاً.
ذهبت نور في اليوم التالي إلى قبر عادل نصّار وحدها. لم تدرِ أي شعور تحمله له: أهو غضب أم شفقة أم شيء ثالث بلا اسم. وقفت أمام الرخامة الباردة وقالت بهدوء: "لقد قلت الحقيقة في النهاية، وهذا وحده سيشفع لك عندي." ثم انصرفت دون أن تلتفت.
جاء سامي إلى شقة الجدة في صباح يوم الجمعة، منكسر الكتفين لا يجرؤ على رفع عينيه. قال إنه سيدلي بكل ما يعرفه في المحكمة، وإنه باع سيارته ليسدد ما أخذه من عادل نصّار، وإنه لا يطلب صفحًا. نظرت إليه نور طويلاً، ثم مدّت ذراعيها وضمته بقوة. "أنت الوحيد الذي بقي لي من جدتي يا عمو. لا أريد أن أخسرك أنت أيضًا."
أما العقيد يحيى سرور فقد طلب لقاء هدى وحده في المستشفى. لم يعرف أحد ما دار بينهما، لكنه خرج بعد ساعة ووجهه مبتل، وقال لابنه وهو يعبر الممر بخطوات أخف مما رآه عليها منذ سنين: "قالت لي إنني لم أقصّر، وإن الذنب ليس ذنبي. لا أعرف إن كنت أصدقها، لكنني أحاول."
وفي مساء اليوم نفسه جلس كريم إلى جوار نور على شرفة الشقة القديمة، وقال بابتسامة خجولة: "وعدتك ألا أخفي عنك شيئًا. لهذا أخبرك الآن أنني لا أريد أن ينتهي كل هذا بيننا." ضحكت نور لأول مرة منذ شهور ضحكة صافية، ووضعت رأسها على كتفه دون أن تجيب.
في شهر مارس بدأت أولى جلسات المحاكمة في قاعة مكتظة بالصحفيين وعائلات لم تعرف يومًا أين ذهب أبناؤها. جلست نور في الصف الأول محاطة بأمها وعمها وكريم والعقيد، وكانت تشعر لأول مرة منذ سنوات أن ثقل الحياة الذي حملته على كتفيها قد انخفض قليلاً. رأت المتهمين خلف القضبان بوجوه شاحبة يتفادون النظر إلى أحد، ورأت بينهم ماهر الشناوي مرفوع الرأس كما كان في مكتبه، لكن عينيه حين مرّتا على أمها التجأتا فجأة إلى الأرض. في تلك اللحظة عرفت أن الوحش الذي طاردها شهورًا لم يكن سوى رجل خائف ينتظر حسابه، وأن الخوف يغيّر ملامح الأقوياء كلهم حين تسقط عنهم الأقنعة أمام الجميع. كانت الساعة القديمة تنتظرها في البيت، فقد رمّمتها وأعادت عقاربها إلى الحياة، وقررت ألا تعلقها على الجدار إلا بعد أن ينطق القاضي بالحكم.
وعند انتهاء الجلسة الأولى، بينما كانت نور تتهيأ للخروج وسط الزحام، لمست يد امرأة شابة كتفها بتردد. كانت في الثلاثين، ذات عينين قلقتين وملامح مألوفة على نحو غريب، وتحمل في يدها ورقة مطوية بعناية.
"أرجوك، هل لي بكلمة؟" قالت المرأة بصوت مرتعش. "سمعت اسمك في الأخبار، وقرأت في الصحف عن الدفتر. اسمي فاطمة، وأنا مُتبنّاة، وقد اكتشفت منذ أيام أن ورقة ميلادي تحمل تاريخ الليلة نفسها التي ولدتِ فيها تقريبًا." فتحت الورقة أمام نور، وأشارت بإصبع مرتجفة إلى رقم مكتوب بالحبر الباهت في أسفلها. "قال لي والداي الذين ربياني إن هذا رقمي عند المستشفى. المولودة رقم تسعة وثلاثين."
تجمدت نور مكانها، وشعرت بيد كريم تشد على كتفها من الخلف. ثم نظرت في عيني المرأة الغريبة، ورأت فيهما ما رأته هي في المرآة حين وقفت أول مرة أمام غرفة رقم سبعة: شوقًا هائلاً إلى أم لم تعرفها.
"تعالي معي،" قالت نور بصوت هادئ وحازم. "نحن نعرف كيف نبحث."
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







