LOGINفي مساء اليوم التالي…
ذهب وليد إلى منزل علي ليطمئن عليه. فتح له علي الباب، وكان يبدو أكثر هدوءًا مما توقع. جلسا قليلًا، ثم قال وليد مباشرة: — ما الذي تنوي فعله الآن؟ جلس علي أمامه، وظل لحظة يفكر قبل أن يجيب: — لديّ فكرة. نظر له وليد باهتمام: — فكرة ماذا؟ ابتسم علي ابتسامة خفيفة وقال: — إذا نجحت… سأثبت لهم أنني لا أحتاج إلى أحد. عقد وليد حاجبيه: — تقصد الشركة؟ نظر علي بعيدًا وقال: — حين تكتمل الفكرة… سأخبرك. فهم وليد أن الحديث انتهى عند هذا الحد. فنهض وقال: — فقط لا تجعل الغضب يتخذ القرار بدلًا منك. أومأ علي دون أن يرد. بعد خروج وليد… أخرج علي هاتفه واتصل بنهال. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — هل أنتِ مشغولة؟ تنهدت وقالت باعتذار: — للأسف… عندنا ضيوف اليوم ولن أستطيع الخروج. سكت لحظة ثم قال: — لا بأس. ثم أضاف بهدوء: — سأمر على شروق. تغير صوت نهال فورًا: — شروق؟ هل حدث شيء؟ ابتسم وقال: — لا… لا تقلقي. عندي فكرة فقط… وعندما نلتقي سأخبرك. هدأت قليلًا وقالت: — حسنًا… وخذ بالك من نفسك. أغلق الهاتف. ثم أخذ مفاتيحه وغادر. وصل إلى المكان الذي اعتادت شروق الوقوف فيه قرب البحر. ركن السيارة على مسافة قصيرة. ونزل. كانت تقف خلف طاولة صغيرة رتّبت عليها الإكسسوارات التي تصنعها. تمرّ عليها بعناية بين الحين والآخر. تستقبل المارة بابتسامة هادئة وتشرح لهم بابتسامة خفيفة. توقف للحظات يتأملها. لم تكن تلك الفتاة المنعزلة التي عرفها في البداية. كان هناك شيء تغيّر… شيء يشبه العودة للحياة. اقترب منها. وأمسك بإحدى الأساور وقال: — هذه جميلة جدًا… هل يمكنني شراؤها؟ رفعت رأسها. وحين رأته ابتسمت تلقائيًا. وقالت: — بالطبع. ثم نظرت إلى السوار وأضافت بمزاح خفيف: — لكن هذه غالية. رفع حاجبه وقال: — حقًا؟ وكم سعرها؟ ابتسمت وقالت: — بالنسبة لك… بلا مقابل. هز رأسه مبتسمًا: — لا… هذا يفسد الفكرة. وأخرج المال ووضعه على الطاولة. نظرت إليه باستغراب: — هل ستدفع فعلًا؟ أجاب بهدوء: — جئت لأشتري… لا لأحصل على معاملة خاصة. ثم أشار إلى المقعد المجاور لها: — هل تسمحين أن أجلس قليلًا؟ أومأت له. جلس. وبعد لحظات قالت وهي تنظر إليه: — خير؟ ثم ابتسمت وأضافت: — هل حدث شيء جديد بينك وبين نهال؟ ضحك علي وقال: — لا. ثم نظر إليها وقال: — بالمناسبة… أنتما الاثنتان غريبتان جدًا. كلما تحدثت مع واحدة سألتني عن الأخرى. ثم أضاف بمزاح: — بهذا الشكل سأبدأ أغار من علاقتكما. ضحكت شروق. وقالت: — لا تقلق… ما زال أمامك وقت طويل لتنافس. ابتسم. ثم سكت قليلًا. وقال بهدوء: — في الحقيقة… لدي فكرة. وأريد أن آخذ رأيك فيها. نظرت له بدهشة: — ومنذ متى أصبحتُ مستشارة أعمال؟ ابتسم وقال: — منذ رأيت شخصًا يبدأ من جديد… دون أن ينتظر أن ينقذه أحد. سكتت. ونظرت إليه لحظة. ثم قالت بهدوء: — حسنًا… احكِ لي. ظل علي ينظر إلى البحر للحظات… ثم التفت إلى شروق وقال فجأة: — لديّ فكرة. نظرت إليه باهتمام: — أي فكرة؟ أخذ نفسًا هادئًا ثم قال: — المشروع الذي ستتنافس عليه الشركات… أريد أن ننفذه نحن. نظرت إليه بعدم فهم. فأكمل: — أنا وأنتِ. اتسعت عيناها قليلًا. وقالت بسرعة: — لكن المشروع مطروح للشركات… وأنت الآن… فهم ما تقصده. فابتسم وقال: — نعم… لم أعد في الشركة. ثم سكت لحظة وأضاف: — لذلك فكرت أن أبدأ من جديد. نظرت إليه دون كلام. فأكمل وكأنه يفكر بصوت مرتفع: — لن نحتاج إلى شيء كبير في البداية. أنا تركت الفيلا اليوم… ورجعت إلى شقتي. هي الشقة الوحيدة المسجلة باسمي. كبيرة ومكانها ممتاز. أستطيع تقسيمها… جزء للعمل، والجزء الآخر أسكن فيه. ثم نظر إليها مباشرة وقال: — ونؤسس شركة صغيرة. وسكت لحظة قبل أن يكمل: — ما رأيك أن تكوني معي؟ تجمدت شروق للحظات. لم تكن تتوقع هذا. سألت بهدوء: — هل تقصد… أن أعمل معك؟ ابتسم وقال: — لا. ثم نظر إليها وأضاف: — أقصد أن نبدأها معًا. انخفضت نظرتها للطاولة أمامها. ثم قالت بعد تفكير: — لكن الوقت ضيق جدًا… والأشياء هذه تحتاج وقتًا طويلًا… إجراءات وترتيبات وتجهيزات. هز رأسه وقال بثقة: — لا تقلقي. لديّ أشخاص يمكنهم إنهاء كل شيء بسرعة. اتركي هذه عليّ. ثم ابتسم وقال: — أنتِ فقط فكري في التصميم. نظرت إليه للحظات. ثم قالت بهدوء: — أنت متأكد أن القرار هذا بسبب المشروع… وليس لأنك غاضب من والدك؟ ساد الصمت. ثم أجاب: — لا توجد علاقة بيني وبينه أصلًا. رفعت رأسها إليه. ورأت أنه قالها ببساطة… لكن خلفها شيء أعمق بكثير. فقالت بهدوء: — حتى لو كانت هناك خلافات… لا تأخذ قرارًا كبيرًا وأنت متألم. ثم أكملت: — أنا لا أقول ارجع. ولا أقول لا تبدأ. لكن… فكر بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — هل هذا رفض؟ هزت رأسها وقالت: — هذا طلب تأجيل. ثم ابتسمت لأول مرة منذ بداية الحديث: — أعطني الليلة أفكر… وأنت أيضًا. وغدًا نتخذ القرار. نظر إليها للحظة… ثم ابتسم وقال: — اتفقنا. وعاد الاثنان ينظران إلى البحر… لكن هذه المرة… كل واحد منهما كان يفكر في بداية جديدة.ساد الصمت للحظات… ثم ابتسمت شروق ابتسامة خافتة وقالت: — هل تعلم… كم مرة سقطت؟ ثم هزت رأسها قليلًا وأضافت: — لا أعتقد أنني أستطيع عدّها. كنت في كل مرة أظن أنني وصلت للنهاية… ثم أجد شيئًا صغيرًا يجعلني أتمسك من جديد. أمل. شخص. حلم. أي شيء يمنعني من الاستسلام. كنت أُحبط… ثم أنهض. أتعثر… ثم أحاول مرة أخرى. ومع الوقت فهمت أن السقوط لا يعني النهاية. ظل علي ينظر إليها قليلًا ثم قال بهدوء: — أحيانًا أنسى أنكِ… رغم هدوئك… مررتِ بأشياء أصعب مما أتصور. تردد للحظة ثم قال: — هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟ ولو لا تريدين الإجابة… لا بأس. رفعت شروق عينيها إليه وقالت بهدوء: — لا… لم يعد الأمر يؤلمني كما كان. بفضل دكتورة ريهام… أصبحت أستطيع أن أتحدث دون أن أهرب. سألها بهدوء: — لماذا أنتِ وحدك؟ أين بقية عائلتك؟ سكتت شروق قليلًا. ثم قالت: — بعد كل ما حدث… كانت أمي الشيء الوحيد الذي كنت أنتظره. كنت أعد الأيام… وأقول لنفسي إن أول ما أخرج سأجدها. ثم عادت بذاكرتها بعيدًا… كنت أقف أمام هاتف دار الرعاية… وأتصل بخالتي سهام. وما إن سمعت صوتها حتى سأ
في صباح اليوم التالي…استيقظت شروق مبكرًا.بقيت تنظر قليلًا إلى السقف.كانت تعرف أن اليوم لن يكون سهلًا.أمس خسروا المشروع…لكن ما كان يؤلمها أكثر هو شكل علي وهو يغادر.أمسكت هاتفها واتصلت بنهال.ردت نهال بعد لحظات:— صباح الخير.ابتسمت شروق وقالت:— صباح النور… هل ستأتين إلى المكتب معي؟ردت نهال:— عندي مشوار مع ماما، سأُنهيه وأمر عليكم.— حسنًا… سننتظرك.أغلقت شروق الهاتف.ثم خرجت.وفي الطريق توقفت أمام محل زهور.وقفت للحظات…ثم اشترت باقة صغيرة.ليست فخمة.مجرد زهور هادئة بألوان بسيطة.ثم ذهبت إلى المكتب.كان المكان هادئًا.لا أحد وصل بعد.دخلت من الباب الجانبي المؤدي مباشرة إلى مساحة العمل.كانت قد تعمدت الوصول مبكرًا.لا لشيء…فقط شعرت أن المكان يحتاج أن يعود كما كان.خلعت حقيبتها.وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة.ترتب الملفات.تعيد الأقلام إلى أماكنها.تغلق الأدراج المفتوحة.ثم وضعت باقة الزهور على مكتب علي.ونظرت إليها لحظة.ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.وعادت تكمل الترتيب.أثناء تنظيف الأرض…وجدت بقايا كوب مكسور.انحنت تجمع القطع.لكن إحدى القطع جرحت يدها.سحبت يدها بسرعة.ظهر خط أحمر
جاء اليوم المنتظر. اجتمعت الشركات المشاركة داخل القاعة. شاشات العرض تعمل. الملفات أمام الجميع. ووجوه تحمل خليطًا من التوتر والثقة. جلس علي إلى جوار وليد وشروق. أما نهال فجلست خلفهم تتابع بصمت. نظر علي أمامه للحظات. لم يكن يشعر بالقلق… بل بشيء أقرب إلى اليقين. ليس غرورًا. لكن شعور بأن كل ما مروا به خلال الأسابيع الماضية… لا بد أن ينتهي بشيء يستحق. نظر إلى شروق وقال بهدوء: — مهما كانت النتيجة… أنا فخور باللي عملناه. ابتسمت شروق وقالت: — وأنا أيضًا. بدأت اللجنة تتحدث. شرح طويل. معايير تقييم. قدرة تنفيذ. استدامة. تكلفة. سجل الشركات. وكل دقيقة كانت تمر… يزداد معها الترقب. ثم جاء الإعلان. قال رئيس اللجنة: — وبعد دراسة جميع العروض المقدمة… ونظرًا لعدة اعتبارات مرتبطة بالتنفيذ والإمكانات… تم اختيار… شركة الريان. ساد الصمت. لثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية. شعرت شروق وكأن الصوت أصبح بعيدًا. أما علي… فبقي ينظر للأمام. بهدوء غريب. ثم التفت ببطء. على الطاولة المقابلة… كان حمدي الريان جالسًا. وإلى جواره وفاء. نظرت وفاء نحوه للحظة. لم تبتسم. لكن نظرته
بينما كانوا منشغلين بمراجعة الرسومات وتبادل الأفكار… رن جرس الباب. رفع علي رأسه باستغراب وقال: — لا أعتقد أن أحدًا سيأتي الآن. اتجه إلى الباب وفتحه. فتوقف لثوانٍ. كان وليد يقف أمامه. لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفات أو يبدو كعادته داخل الشركة… بل كان يقف مبتسمًا وكأنه اتخذ قرارًا مهمًا. دخل ونظر حوله قليلًا. ثم قال بهدوء: — يبدو أنني وصلت في الوقت المناسب. نظر إليه علي باستغراب وقال: — وليد؟ ماذا تفعل هنا؟ ابتسم وليد وقال: — قدمت استقالتي. وجئت لأعمل معكم. ساد الصمت للحظات. نظرت شروق إلى نهال بدهشة. أما علي فبقي ينظر إليه وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم قال: — استقلت؟ لكن… كيف عرفت أصلًا؟ أنا بدأت الإجراءات اليوم فقط. ابتسم وليد ابتسامة صغيرة وقال: — يبدو أنك نسيت أين كنت تعمل. ثم أردف بهدوء: — الخبر وصل إلى الشركة كلها. وأنت تعرف أن حمدي بيه… لا يفوته شيء. سكت قليلًا ثم أكمل: — لديه أشخاص يعرف من خلالهم كل ما يحدث. نظر إليه علي بصمت. ثم قال: — لكن لماذا تركت عملك؟ نحن حتى الآن لا نملك مكتبًا جاهزًا. ولا فريقًا. ولا يوجد أي ضمان أن الأمر سينجح. ابتسم و
في صباح اليوم التالي… استيقظ علي مبكرًا على غير عادته. ظل مستلقيًا للحظات ينظر إلى السقف. ثم نهض فجأة وكأن القرار الذي اتخذه بالأمس لم يكن مجرد فكرة عابرة. أمسك هاتفه وبدأ يجري عدة اتصالات متتالية. مكتب محاسبة. إجراءات قانونية. أحد معارفه في التراخيص. مهندس تشطيبات. ثم شخص آخر يثق به في تجهيز المكاتب. كل شيء كان يتحرك بسرعة. وكأن هذه الخطوة لم تولد بالأمس… بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة. بعد ساعات… كان يقف داخل شقته. شقة كبيرة لم يعد إليها منذ فترة طويلة. فتح النوافذ ودخل ضوء الصباح. تأمل المكان بهدوء. ثم أخرج ورقة وبدأ يرسم بعض الخطوط والأفكار. توقف فجأة. ثم أمسك هاتفه واتصل بشروق. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — ستأتين في أي ساعة؟ سكتت قليلًا ثم قالت باستغراب: — آتي إلى أين؟ قال وكأن الأمر محسوم: — إلى الشقة. سنبدأ العمل. نراجع التصميم ونرى كيف سنعيد تقسيم المكان. ضحكت شروق وقالت: — لحظة… ألم نتفق أننا سنفكر أولًا؟ أجاب بهدوء: — أنا انتهيت من التفكير. بدأت بالفعل في الإجراءات. وسنحتاج تعديل بعض الأشياء في الشقة. وعندي أكثر من تصور. و
في مساء اليوم التالي… ذهب وليد إلى منزل علي ليطمئن عليه. فتح له علي الباب، وكان يبدو أكثر هدوءًا مما توقع. جلسا قليلًا، ثم قال وليد مباشرة: — ما الذي تنوي فعله الآن؟ جلس علي أمامه، وظل لحظة يفكر قبل أن يجيب: — لديّ فكرة. نظر له وليد باهتمام: — فكرة ماذا؟ ابتسم علي ابتسامة خفيفة وقال: — إذا نجحت… سأثبت لهم أنني لا أحتاج إلى أحد. عقد وليد حاجبيه: — تقصد الشركة؟ نظر علي بعيدًا وقال: — حين تكتمل الفكرة… سأخبرك. فهم وليد أن الحديث انتهى عند هذا الحد. فنهض وقال: — فقط لا تجعل الغضب يتخذ القرار بدلًا منك. أومأ علي دون أن يرد. بعد خروج وليد… أخرج علي هاتفه واتصل بنهال. ردّت بعد لحظات: — أهلًا. قال مباشرة: — هل أنتِ مشغولة؟ تنهدت وقالت باعتذار: — للأسف… عندنا ضيوف اليوم ولن أستطيع الخروج. سكت لحظة ثم قال: — لا بأس. ثم أضاف بهدوء: — سأمر على شروق. تغير صوت نهال فورًا: — شروق؟ هل حدث شيء؟ ابتسم وقال: — لا… لا تقلقي. عندي فكرة فقط… وعندما نلتقي سأخبرك. هدأت قليلًا وقالت: — حسنًا… وخذ بالك من نفسك. أغلق الهاتف. ثم أخذ مفاتيحه وغادر. وصل إلى المكان الذي اعتاد







