เข้าสู่ระบบظلت كلمات نهال تتردد في ذهن شروق.
ثم عادت تتذكر ما حدث خلال اليوم. المشروع. العميلة. الخسارة. وذلك الصمت الذي غلّف ملامح علي. ولسبب لم تستطع تفسيره… عاد إليها ذلك الشعور الذي ظنت أنها تجاوزته منذ زمن. أن كل شيء تقترب منه… ينتهي بطريقة سيئة. أن كل بداية تحمل معها نهاية مؤلمة. أغمضت عينيها للحظة. ثم هزّت رأسها وكأنها تحاول طرد هذه الأفكار. لكنها بقيت هناك… في مكان لا تصل إليه المحاولات. بعد أن غادرت نهال منزل شروق… وقفت قليلًا أمام المبنى. كانت تعلم أن الاستمرار في الصمت سيجعل الأمر أكثر سوءًا. تنفست بعمق. ثم اتجهت إلى منزل علي. وقفت أمام الباب مترددة. رفعت يدها أكثر من مرة ثم أعادتها. وفي النهاية… ضغطت الجرس. فتح علي الباب. بدا مرهقًا. ملامحه هادئة أكثر مما توقعت. وهذا جعل الأمر أصعب. نظر إليها دون أن يتكلم. فقالت بهدوء: — علي… أريد أن تتحدث معي. نظر إليها لحظة ثم قال: — ليس الآن يا نهال. أريد أن أبقى وحدي. اقتربت خطوة وقالت بصوت أكثر هدوءًا: — أرجوك. لا تجعل ما رأيته اليوم يكون حكمك النهائي. تنهد وقال: — قلت ليس الآن. لكنها لم تتحرك. وقالت بعد صمت قصير: — عندما رأيتني سابقًا مع وفاء… قلت لي إن الحكم قبل الاستماع ظلم. أعطني الفرصة نفسها. ظل ينظر إليها للحظات. ثم قال بهدوء: — هناك فرق. رفعت عينيها إليه. فأكمل: — علاقتي بوفاء انتهت منذ وقت طويل… انتهت قبل أن أعرفك. أما أنتِ… فبدأتِ بالابتعاد. ثم بدأتِ تخفين. ثم رأيتك اليوم مع شخص لا أعرفه… في وقت لم أفهم فيه أصلًا لماذا أصبحتِ بعيدة. تنفست نهال ببطء وقالت: — الأمر ليس كما بدا. لكن علي قاطعها بهدوء: — المشكلة ليست أنكِ كنتِ تجلسين مع شخص آخر. المشكلة أنني لم أعد أعرف أين أقف. لو أخبرتِني… حتى لو كان الوضع معقدًا… لكان الأمر مختلفًا. لكن أن أكتشف وحدي… فهذا يجعلني أفكر: كم مرة كان هناك شيء ولم أعرفه؟ سقطت دمعة من عيني نهال. وقالت بصوت خافت: — كنت أحاول ألا أخسر أحدًا. بابا… وأنت… وكل شيء. ابتسم علي ابتسامة قصيرة متعبة وقال: — أحيانًا… وأنتِ تحاولين حماية الجميع… تكتشفين أنك بدأتِ تخسرينهم واحدًا تلو الآخر. ساد الصمت. ثم قال وهو يبتعد خطوة للخلف: — أنا لا أريد أن أظلمك. ولا أقول إنكِ أخطأتِ وحدك. لكنني أيضًا… لا أستطيع أن أتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. أعتقد أننا نحتاج أن نتوقف قليلًا. لا كعقاب… لكن لأن الاستمرار بهذه الطريقة سيجعلنا نؤذي بعضنا أكثر. نظرت إليه نهال طويلًا. لم تكن تتوقع هذا الهدوء. كانت تتوقع غضبًا… عتابًا… أي شيء. لكن هذا الهدوء… كان أقسى. حركت رأسها ببطء. ثم قالت: — فهمت. استدارت وغادرت. أما علي… فأغلق الباب بهدوء. واستند إليه للحظات. ولأول مرة منذ فترة… لم يشعر بالغضب. فقط شعر… أن شيئًا كان يبتعد عنه. وأنه لم يعد يملك القوة للحاق به. أغلقت شروق الباب على نفسها… وكأنها أغلقت معه كل شيء. لم تعد ترد على الهاتف. ولا على الرسائل. ولا حتى على طرقات الباب. جلست في صمت طويل، تستسلم تدريجيًا لذلك الشعور القديم الذي ظنت أنها تجاوزته… أن كل محاولة للوقوف يعقبها سقوط جديد. كلما شعرت أن الحياة بدأت تهدأ… حدث شيء يعيدها إلى البداية. المشروع. العميلة. الكلام المنتشر. حالة الإحباط التي رأتُها في المكتب. كل ذلك أعاد إليها ذلك الإحساس الذي كانت تحاول التخلص منه… إحساس العجز. فبدأت تنسحب مرة أخرى. من الناس. ومن الكلام. ومن نفسها. أما نهال… فلم تكن أفضل حالًا. لكنها كانت تعرف أن ترك شروق وحدها الآن ليس فكرة جيدة. اتصلت بها أكثر من مرة. لا رد. أرسلت رسائل. لا رد. ثم تذكرت أن معها نسخة من مفتاح الشقة. وصلت. طرقت الباب. انتظرت. ولا شيء. فتحت الباب بهدوء ودخلت. توقفت مكانها. الشقة مظلمة. الستائر مغلقة. ولا صوت. تقدمت ببطء… حتى وجدتها. كانت شروق تجلس في أحد الأركان. صامتة. تنظر إلى نقطة غير واضحة أمامها. اقتربت نهال وأضاءت الأنوار. أغمضت شروق عينيها وقالت بهدوء: — أطفئيها. لكن نهال لم تتحرك. وقالت وهي تنظر إليها بقلق: — أقلقتِني. جلست أمامها. ورغم أن الحزن كان واضحًا على ملامح نهال أيضًا… إلا أنها حاولت أن تبدو هادئة. في البداية… لم تتكلم شروق. فقالت نهال محاولة كسر الصمت: — هل قررتِ العودة لعزلتك مرة أخرى؟ رفعت شروق عينيها ببطء. ثم قالت: — كنت أظن أنني بدأت أتعافى. كنت أظن أنني أصبحت أتعامل مع الأمور بشكل أفضل. لكن يبدو أنني ما زلت أهرب عند أول أزمة. سكتت قليلًا ثم أكملت: — كنت أرى كل شيء يتحسن. الشركة. العمل. حتى أنا… ثم فجأة… عاد الإحساس نفسه. أن كل شيء قد يضيع في لحظة. نظرت إليها نهال وقالت بهدوء: — طبيعي أن تخافي. وطبيعي أن تتعبي. لكن ليس طبيعيًا أن تختفي. سكتت شروق. فأكملت نهال: — أنتِ من أكثر الناس التي أعرفها وقفت بعد أشياء أصعب من هذا. لن أصدق أن مشروعًا أو أزمة ستجعلك تنهارين. قالت شروق بصوت منخفض: — لا أشعر أن عندي طاقة. ابتسمت نهال ابتسامة خفيفة وقالت: — إذًا لا تفعلي شيئًا اليوم. لكن افتحي الستائر. وردي على الناس. وخذي نفسًا. ثم نكمل غدًا. نظرت إليها شروق طويلًا. ثم قالت: — جلوسي وحدي لم يساعد. ابتسمت نهال وجلست بجوارها على الأرض وقالت: — لهذا أنا هنا.في منزل نهال… كان الجميع يجلسون في غرفة الضيوف. الأجواء هادئة من الخارج… لكن نهال كانت تشعر بثقل لا يراه أحد. كان شريف يجلس مع والدها يتحدثان عن العمل والمشروعات، بينما والدتها تبدو راضية عن سير الأمور. وفجأة… نظر شريف إلى والد نهال وقال بابتسامة: — ما رأيك أن نحدد موعد الخطوبة؟ ساد هدوء قصير. ثم رد والد نهال بهدوء: — لا بد أن نسأل نهال أولًا. ثم رفع صوته: — نهال… تعالي يا بنتي. دخلت نهال وجلست. نظر إليها والدها ثم قال بلطف: — شريف يسأل إن كنا سنحدد موعد الخطوبة. نظرت نهال للحظات. ثم قالت بهدوء: — أعتقد أننا نتسرع. نظر الجميع إليها. فأكملت بثبات: — نحن ما زلنا في مرحلة التعارف. ولا أرى أن من الصحيح أن نأخذ خطوة كبيرة ونحن لا نعرف بعضنا بما يكفي. ساد الصمت. بدت الدهشة على وجه والدتها. أما والدها فظل ينظر إليها للحظات. ثم قال: — تقصدين أنك تريدين وقتًا؟ هزت رأسها بهدوء: — نعم. أعتقد أن القرار يحتاج هدوءًا أكثر. نظر شريف إليها ثم ابتسم وقال: — لا مشكلة. من حقك أن تأخذي وقتك. لكن رغم هدوئه… شعرت نهال أن الحديث لم ينتهِ بعد. وفي الوقت نفسه… كانت شروق ق
قررت شروق أن تعود إلى جلساتها مع دكتورة ريهام. لم تكن متأكدة إن كانت تريد الحديث فعلًا… لكنها شعرت أن الهروب هذه المرة لن يفيد. وصلت في موعدها. جلست كعادتها. لكن دكتورة ريهام لاحظت الفرق منذ اللحظة الأولى. هدوء أكثر من المعتاد. وتعب لا يشبه التعب الجسدي. ابتسمت وقالت بلطف: — تبدين مختلفة اليوم. رفعت شروق كتفيها محاولة التجاهل. لكن دكتورة ريهام لم تضغط. بدأ الحديث عن الأيام الأخيرة. عن العمل. وعن الإحباط. وعن شعورها بأنها تعود خطوات إلى الخلف كلما حاولت أن تتقدم. استمعت إليها ريهام حتى انتهت. ثم سألت بهدوء: — شروق… هل سألتِ نفسك يومًا لماذا تضعين حدودًا صارمة جدًا مع الرجال؟ صمتت شروق. لم تُجب مباشرة. فأكملت ريهام: — لا أقصد أن هذا خطأ. لكن يبدو أحيانًا أن الأمر ليس مجرد حذر… كأنه دفاع قديم. ظلّت شروق صامتة. ثم قالت بعد وقت: — ربما… لأنني لم أشعر بالأمان لفترة طويلة. نظرت إلى الأرض ثم أكملت: — بعد الأحداث التي مررت بها… والفترة التي قضيتها خارج بيتي… كان العنف والعصبية شيئًا أراه كثيرًا. وأصبحت أميل للعزلة أكثر. ثم سكتت. لكن دكتورة ريهام انتظرت. فقا
نظرت شروق إلى نهال طويلًا… ثم قالت بهدوء: — ماذا حدث مع علي؟ تنهدت نهال وأخفضت نظرها. ثم قالت بصوت متعب: — حاولت أن أتحدث معه… لكني أشعر أن الأمور لن تعود كما كانت. لا أعرف… لكن هناك شيء تغيّر. كان هادئًا جدًا… وهذا ما أخافني أكثر. سكتت لحظة ثم أضافت: — أشعر بألم كبير… ليس لأننا تشاجرنا، لكن لأنني لأول مرة أشعر أن المسافة بيننا حقيقية. ظلت شروق تستمع إليها بصمت. ثم قالت بهدوء: — لا تتعجلي بالحكم. أحيانًا الناس عندما تتعب… لا تبتعد لأنها لم تعد تهتم. بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتصرف. أعطيه وقتًا. وحاولي أن تتحدثي معه مرة أخرى عندما تهدأ الأمور. أنا متأكدة أنه سيفهم. رفعت نهال عينيها إليها وقالت: — وهل أنتِ مقتنعة بما تقولينه فعلًا؟ ابتسمت شروق ابتسامة خفيفة سرعان ما اختفت. ثم قالت: — لا أعرف… لكنني أتمنى ذلك. ساد الصمت للحظات. ثم قالت شروق فجأة: — أما أنا… فأعتقد أنني سأخبر علي أنني لن أستطيع الاستمرار في العمل. التفتت نهال إليها بسرعة وقالت باستغراب: — ماذا؟ قالت شروق وهي تنظر أمامها: — منذ أن بدأنا وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادرة. لكن كلما شعرت أن
ظلت كلمات نهال تتردد في ذهن شروق. ثم عادت تتذكر ما حدث خلال اليوم. المشروع. العميلة. الخسارة. وذلك الصمت الذي غلّف ملامح علي. ولسبب لم تستطع تفسيره… عاد إليها ذلك الشعور الذي ظنت أنها تجاوزته منذ زمن. أن كل شيء تقترب منه… ينتهي بطريقة سيئة. أن كل بداية تحمل معها نهاية مؤلمة. أغمضت عينيها للحظة. ثم هزّت رأسها وكأنها تحاول طرد هذه الأفكار. لكنها بقيت هناك… في مكان لا تصل إليه المحاولات. بعد أن غادرت نهال منزل شروق… وقفت قليلًا أمام المبنى. كانت تعلم أن الاستمرار في الصمت سيجعل الأمر أكثر سوءًا. تنفست بعمق. ثم اتجهت إلى منزل علي. وقفت أمام الباب مترددة. رفعت يدها أكثر من مرة ثم أعادتها. وفي النهاية… ضغطت الجرس. فتح علي الباب. بدا مرهقًا. ملامحه هادئة أكثر مما توقعت. وهذا جعل الأمر أصعب. نظر إليها دون أن يتكلم. فقالت بهدوء: — علي… أريد أن تتحدث معي. نظر إليها لحظة ثم قال: — ليس الآن يا نهال. أريد أن أبقى وحدي. اقتربت خطوة وقالت بصوت أكثر هدوءًا: — أرجوك. لا تجعل ما رأيته اليوم يكون حكمك النهائي. تنهد وقال: — قلت ليس الآن. لكنها لم تتحرك. وقالت بعد ص
لم يكن النجاح الذي بدأ علي يحققه يروق لحمدي الريان. في البداية تعامل معه باعتباره اندفاعًا مؤقتًا… محاولة لإثبات الذات ستنتهي سريعًا، ثم يعود علي إلى مكانه الطبيعي داخل المجموعة. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. الأيام مرّت. والمكتب الصغير لم يتراجع. العمل بدأ يتزايد. العملاء يتحدثون عنهم. والاسم الذي بدأ كفكرة… صار يتردد في السوق. وهنا أدرك حمدي أن الأمر لم يعد مجرد عناد. جلس في مكتبه يتأمل التقارير أمامه، ثم قال بصوت هادئ يخفي ضيقًا واضحًا: — كنت أظن أنه سيعود أسرع من هذا. جلست وفاء أمامه في هدوء، ثم قالت: — علي لا يتراجع بسهولة… وأنت أكثر من يعرف ذلك. رفع نظره إليها. فأكملت: — لكنه أيضًا لا يحتمل أن يرى شيئًا تعب فيه ينهار أمامه. توقفت لحظة ثم قالت بنبرة محسوبة: — إذا لم نستطع أن نجعله يعود بإرادته… فلنجعل الطريق أمامه يضيق حتى لا يجد غير العودة. ثبت حمدي نظره عليها. ثم قال: — يبدو أن لديكِ فكرة. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — دع الأمر لي. وإذا نجح… فلن يفكر في البقاء خارج الشركة يومًا إضافيًا. ارتسمت على وجه حمدي ابتسامة خفيفة وقال: — وإن حدث ذلك… فلديّ لك
نظرت نهال إلى شروق لثوانٍ طويلة… ثم قالت بهدوء بدا وكأنه قرار أكثر منه اقتناعًا: — القرار النهائي… سأنفذ ما طلبه والدي. شهر واحد فقط… ثم ينتهي كل شيء. وسأبتعد هذه الفترة عن علي… حتى لا يشعر بأي شيء. ظلّت شروق صامتة للحظات، ثم قالت بهدوء: — لن أتدخل في قرارك… رغم أنني لا أوافق عليه. لكن أتمنى فقط ألا يتحول ما نحاول حمايته… إلى شيء نخسره لاحقًا. اكتفت نهال بابتسامة صغيرة، ثم غادرت. في ذلك اليوم… توجهت شروق إلى المكتب كعادتها. لكنها منذ أن دخلت شعرت أن المكان لم يعد كما كان. هواتف لا تتوقف. رسائل جديدة. طلبات معاينة. وصور المشروع الأول بدأت تنتشر بين معارف العروسين. دخلت وهي تنظر حولها بدهشة. رفع وليد رأسه من أمام الحاسوب وقال بحماس: — يبدو أننا لن نحصل على راحة قريبًا. ابتسم علي وهو يقلب بعض الأوراق أمامه وقال: — أول مرة أشعر أن التعب له نتيجة. جلست شروق مكانها، وبدأت تراجع الرسومات الجديدة. ومع مرور الساعات… تحول المكتب الصغير إلى مساحة مليئة بالحركة. عملاء يدخلون. مكالمات لا تنتهي. نقاشات حول الألوان والتصميمات. وخطط لموا







