Se connecterلم أتحرك.
كان هذا أسوأ ما في الأمر: أنني انتظرت ثمانية عشر عامًا لأجد أبي، فلما وقف أمامي لم تتحرك قدماي. كان عجوزًا قبل أوانه، في حوالي الخمسين، ولحيته مشبّعة بالملح، وكتفاه العريضتان مائلتان كمن حمل سنينًا لم تُدفع أجرتها. لكن يديه كانتا متشققتين مثل يدي، مملوءتين بندوب الحديد الصغيرة، وكان إبهامه الأيمن معوجًّا كما تعوج إبهامي أنا. — لا تتكلم كثيرًا يا غيث، قال وهو ينزل عن سرجه ببطء. أنا أعرف أن صوتي لم يعد معك. أخبرني بذلك الحجر منذ أن نبض لك مرّة ولم أكن هناك. كنت أريد أن أصرخ في وجهه. وكنت أريد أن أرمي نفسي في صدره. ولم أفعل أيًّا منهما، فقد خرج من فمي السؤال الوحيد الذي بقي: — لماذا تركتني أبكيك أربعة أيام في البيت؟ لم يكن هذا سؤالي الأول لكنه أصدقها. انكمش وجهه كما تنكمش الورقة فوق النار. — لأنني متّ. كان لا بد أن أموت. الذين يطاردون الحجر لا يسألون أحدًا إن كان له ابن. يأخذون كل ما في البيت. فدفنتُ نفسي في قبر فارغ، وحضر الناس جنازتي، واختبأتُ خلف السروة التي لم تعد تراها عيونك، أراك تبكي وأشدّ على شفتي بأسناني لكي لا أناديك. كان صوته لا يزال غريبًا علي. لكن الجملة الأخيرة اخترقتني من المكان الذي لا تصل إليه الأصوات. تقدمتُ خطوة واحدة، فوضع يده المتشققة على رأسي كما لو كنت طفلًا في السابعة. وفي تلك اللحظة أطلقت فجر صهيلًا منذرًا. من الكثيب المقابل كان الغبار يتصاعد من الشمال. خمسون فارسًا، أو مائة، بدت كشريط رمادي يزحف على بياض الملح، وفي مقدمتهم فارس على حصان أسود، عرفته من مسافة الخطر قبل أن أراه جيدًا. — هلال، قال عاصم بصوت كأنه آتٍ من بئر بعيدة. تعقبنا من مضيق الصدى. — لم يتعقبكم، قال منذر بهدوء مرير. هذا المدخل لا يعرفه أحد. لكن من هم خلفه يعرفونه جيدًا. لم أفهم ما قصد. ولم تمهلني الأرض لأفهم. انفصل من صف الفرسان راكب واحد واندفع نحونا كالسهم، ثم استدار فجأة ورفع قوسه. وكان هلال الذي أعرفه قد وقف على الكثيب باردًا كالحجر، لا يتحرك. كان هلال قد رآها. جلست نجود على الملح عند مدخل النفق، كما تجلس عجوز لا تعرف أين هي. وكان هلال ينظر إليها كما ينظر رجل إلى بيته الذي أحترق منذ سنين وهو يراه قائمًا. أنزل قوسه ببطء. ثم ترجّل عن حصانه ومشى نحوها، ولم يرفع أحد من فرسانه سلاحًا ولا صوتًا. انحنى أمامها حتى صار وجهه في مستوى وجهها، وقال كلمة لم أسمع منها غير شكلها على شفتيه: — أمّي. رفعت نجود رأسها ونظرت إلى الرجل الضخم المحني أمامها. كانت نظرتها لطيفة متسائلة، نظرة من يحاول أن يتذكر شيئًا لا ينتمي إليه. — أنت فارس طيب، قالت. لكن عينيك تشبهان عيني رجل كنت أعرفه... كان صغيرًا. كان يخاف من الرعد. كان هلال يتنفس بصعوبة كمن يحمل صخرة. — نعم، قال. كان يخاف من الرعد. وكان هذا كل ما استطاع أن يقوله. ثم ركع على ركبتيه في الملح، وانهار أمام امرأة لا تعرف اسمه، كما تنهار مئذنة قديمة بعد عاصفة واحدة أخيرة. ولم أسمع السهم. لم أسمع شيئًا قبل أن رأيته مغروسًا في صدر نجود، بتلك المسافة القصيرة التي لا تعطي الموت وقتًا ليستأذن. ريشة سوداء تهتز في الهواء، ومن الكثيب المقابل راكب واحد في الصف الخلفي لا أحد ينظر إليه قد أنزل قوسه أيضًا، ببطء من لا يندم. كان هلال قد مدّ يديه فوجدها تسقط في أحضانه. وكان صوته حين صرخ لم يكن صوت فارس بل صوت طفل تركه الجميع في بيت مهجور. — أمّي! أنا هلال! أنا ابنك! حملها وهو يبكي، الفارس الذي أرعب الصحاري. وكانت هي تنظر إلى وجهه، وفي عينيها شيء يشبه الحنان دون أن يكونه، كما يشبه الصدى الصوت دون أن يكونه. — لا تبكٍ يا بني، قالت له، وهي تمسح دمعته بأطراف أصابعها. لا تبكِ... لا أعرف ما اسمك، لكنني أحب رائحتك. وانهارت فجأة. لم تكن هذه الأم العجوز قد سقطت من مائدة النسيان كما ظننا، بل أصابها سهم من الصف الخلفي. في ظهرها، بين كتفيها، كان الريش الأسود يرتجف بهدوء كما ترتجف أجنحة طائر أصيب في الهواء. سحبت هديل سيفي من حزامي وهي تصرخ بشيء لم أفهمه. وجرى عاصم نحو الرماة بخنجره. وكان منذر قد أمسك بلجام فجر، ولم أعد أدري أي فجرين تقف هنا. وكان الفرسان الرماديون يتقهقرون متراجعين، والفارس المقنّع الذي أطلق السهم خرج من الصف ورفع اللثام عن وجهه لأول مرة. كان سعد. الذي قتلته في مضيق الصدى. كان سعد حيًا، وكان يبتسم.دفنّاها قبل أن ترتفع الشمس.لم نجد خشبًا لنحفر لها تابوتًا، ولا ماءً لنغسلها، فغطّاها هلال بعباءته، ووضع على صدرها خنجرًا صغيرًا لا أعرف من أين جاء به. لم يبكِ. هذا ما لم أنسه: رجل قتل عشرات الفرسان ولم يرمش، كان يرتجف وهو يضع الملح فوق وجه امرأة لم تعرفه حين ماتت.حين انتهى، وقف طويلًا ثم قال بصوت لا يشبه صوته:— ابني على هذا الجبل.لم يقل لمن يوجّه الجملة. ثم اعتلى حصانه وانطلق شمالًا مع فرسانه، وبقي الغبار خلفهم معلّقًا في الهواء ساعة كاملة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تنساهم.لم يتبعه سعد. هرب مع الظلام، كما يهرب من أتقن الجريمة قبل أن يتقن الاعتذار. ولم نعرف كيف نجا من مضيق الصدى، ولا من أين جاء بذلك الابتسام.— لا وقت للأسئلة، قال أبي. سيعودون قبل المساء.كان يمشي أمامنا بخطوات ثقيلة كمن يحمل سنواته الثماني عشرة على كتفيه، وكان يمسك لجام فرس بيضاء ثانية سمّاها «غسق»، وقال إنها وُلدت في الليلة نفسها التي وُلدت فيها فجر، من الأم نفسها.— فجر للحجر، وغسق لمن يحمله.لم أسأله ما يعنيه ذلك. كنت أنظر إلى هديل التي كانت تمشي بجانب عاصم، وبينهما مسافة لا تتسع لشيء، ومع ذلك كان عاصم يمشي كأنه
لم أتحرك.كان هذا أسوأ ما في الأمر: أنني انتظرت ثمانية عشر عامًا لأجد أبي، فلما وقف أمامي لم تتحرك قدماي. كان عجوزًا قبل أوانه، في حوالي الخمسين، ولحيته مشبّعة بالملح، وكتفاه العريضتان مائلتان كمن حمل سنينًا لم تُدفع أجرتها. لكن يديه كانتا متشققتين مثل يدي، مملوءتين بندوب الحديد الصغيرة، وكان إبهامه الأيمن معوجًّا كما تعوج إبهامي أنا.— لا تتكلم كثيرًا يا غيث، قال وهو ينزل عن سرجه ببطء. أنا أعرف أن صوتي لم يعد معك. أخبرني بذلك الحجر منذ أن نبض لك مرّة ولم أكن هناك.كنت أريد أن أصرخ في وجهه. وكنت أريد أن أرمي نفسي في صدره. ولم أفعل أيًّا منهما، فقد خرج من فمي السؤال الوحيد الذي بقي:— لماذا تركتني أبكيك أربعة أيام في البيت؟لم يكن هذا سؤالي الأول لكنه أصدقها. انكمش وجهه كما تنكمش الورقة فوق النار.— لأنني متّ. كان لا بد أن أموت. الذين يطاردون الحجر لا يسألون أحدًا إن كان له ابن. يأخذون كل ما في البيت. فدفنتُ نفسي في قبر فارغ، وحضر الناس جنازتي، واختبأتُ خلف السروة التي لم تعد تراها عيونك، أراك تبكي وأشدّ على شفتي بأسناني لكي لا أناديك.كان صوته لا يزال غريبًا علي. لكن الجملة الأخيرة اخ
مشينا في الممر ثلاث ساعات، أو ربما أكثر؛ فالظلام يسرق الوقت كما يسرق كل شيء. كانت هديل تمشي بين عاصم وبيني، تتحسس الجدار بيدها المحروقة، ولا تنطق. وكنت أسمع تنفسها خلفي حين أبطئ، وأسمع صمت عاصم أمامي حين أسرع. وبين الصمتين كان الحجر يخفق على صدري، مرة كأنه يطمئنني، ومرة كأنه يتهمني. حين توقفنا لنريح الجياد، جلست على صخرة ملحية باردة، وأخرجتُ ضمادة من حقيبتي ورحتُ أُلفّها على كتفي حيث خدشتني مطرقتها. أخذتها هديل من يدي دون كلمة، وانحنت أمامي على ركبتيها. — اترك لي هذا، قالت. أنا أعرف الجروح. كانت أصابعها تعمل بمهارة من اعتاد أن يداوي نفسه وحده. وكان ضوء الحجر الأزرق يسقط على وجهها فيُظهر الندبة الطويلة على خدها، ويجعل عينيها النحاسيتين تبدوان كجمرتين تحت ماء. — كيف حصلتِ عليها؟ سألتها وأنا أنظر إلى يديها لا إلى وجهها. الحروق. لم ترفع رأسها. — كنتُ في السابعة. صعدتُ إلى مغارة الجبل التي يحرسها الشيخ الأكبر، وكان ممنوعًا على الأطفال دخولها. رأيتُ في عمقها جمرة صغيرة تتوهج وحدها بلا حطب ولا ريح، فمددتُ يدي إليها كما يفعل طفل مع قطة. سكتت لحظة، ثم قالت: — لم يأخذ الجبل مني ذاكرتي
كان الممر السري أضيق مما تصوّرت، حتى اضطررت إلى أن أقود ريحًا بلجامه وأنحني تحت سقف من الملح يتلألأ فوق رأسي كأنه سماء من نجوم مجمّدة. كان عاصم يمشي أمامي بمشعل أعطتنا إياه نجود، وكانت فجر تمشي خلفي بخطوات راضية هادئة، كأنها تعود إلى بيتها بعد سفر طويل. أما الحجر فلم يهدأ. منذ أن دخلنا الممر وهو ينبض على صدري بإيقاع متسارع، لا كنبض النائم كما كان، بل كنبض من يجري للقاء شخص يعرفه. وكلما قطعنا خطوة أخرى في الظلام، ازداد ضوؤه الأزرق حتى صار يستغني عن المشعل. — هذا ليس جيدًا، همس عاصم وهو يتوقف. الحجر يستجيب لشيء قريب. أمسكتُ مقبض السيف الأسود، وتقدّمت خطوة لأقف بجانبه، فما رأيت شيئًا قبل أن أسمع صوت الحديد. طارت مطرقة من الظلام فانغرست في الملح بجانب رأسي بشبر واحد، ثم انهارت شظايا الملح على كتفي كالثلج. وقبل أن أرفع سيفي، كان جسد خفيف قد قفز من العتمة على صدري، وثمة ركبة تضغط ضلعي، ونصل بارد يلامس حلقي. — حامل الحجر؟ همس صوت أنثوي مبحوح من العطش أو الغضب. أنت الذي جلبت النار على أهلي؟ رفعت عينيّ نحو الوجه الذي فوقي، ولم أستطع أن أتكلم. كان وجه فتاة في مثل عمري تقريبًا، مغبّرًا با
لم يتحرك عاصم.كان واقفًا عند مدخل الوادي كتمثال، والملح الأبيض يلمع خلفه كأن الأرض كلها قد ابيضّت فزعًا. تقدّمت منه خطوة وقلت بصوت لم أعرفه من نفسي:— من هي؟لم يجب. نظرت إلى يده على القوس فرأيتها ترتجف ارتجافة خفيفة، لا تشبه ارتجافها في مضيق الصدى حين كان يحميني من السهام.— لا تسأله، قالت نجود من خلفي. هو تعب من حمل السؤال منذ أن كان طفلًا. دعه يجلس أولاً.أشارت إلى صخرة قرب النار، وجلس عاصم عليها كمن هوت ساقاه دفعة واحدة. ولم تنظر إليه العجوز، بل كانت تنظر إلى النائمين كما تنظر أم إلى أطفالها في ليلة شتاء.— هؤلاء هم قبيلة من سهل الملح، قالت. أهل مملحة ما تزال على الطريق القديم. جاؤوا إليّ قبل أسبوعين هاربين من هلال، الذي أراد أن يضم رجالهم إلى فرسانه، ونساءهم إلى مطابخه. فأنمتهم بالحجر، لأن هلالاً لا يدخل هذا الوادي، ولا تدخله خيوله.— لماذا لا يدخله؟ سألت.ابتسمت ابتسامة من يخفي مرارة قديمة.— لأن هذا الوادي ملكي. وهلال لا يستطيع أن ينظر إلى وجهي وأنا لا أعرفه.كان الصمت بعد الجملة ثقيلًا حتى سمعت نار الحطب تقرقر بهدوء. فهمت ما لم تقله بالكلمات: أن هلالاً ليس قائد فرسان الرماد ف
لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما







