ログインدفنّاها قبل أن ترتفع الشمس.
لم نجد خشبًا لنحفر لها تابوتًا، ولا ماءً لنغسلها، فغطّاها هلال بعباءته، ووضع على صدرها خنجرًا صغيرًا لا أعرف من أين جاء به. لم يبكِ. هذا ما لم أنسه: رجل قتل عشرات الفرسان ولم يرمش، كان يرتجف وهو يضع الملح فوق وجه امرأة لم تعرفه حين ماتت. حين انتهى، وقف طويلًا ثم قال بصوت لا يشبه صوته: — ابني على هذا الجبل. لم يقل لمن يوجّه الجملة. ثم اعتلى حصانه وانطلق شمالًا مع فرسانه، وبقي الغبار خلفهم معلّقًا في الهواء ساعة كاملة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تنساهم. لم يتبعه سعد. هرب مع الظلام، كما يهرب من أتقن الجريمة قبل أن يتقن الاعتذار. ولم نعرف كيف نجا من مضيق الصدى، ولا من أين جاء بذلك الابتسام. — لا وقت للأسئلة، قال أبي. سيعودون قبل المساء. كان يمشي أمامنا بخطوات ثقيلة كمن يحمل سنواته الثماني عشرة على كتفيه، وكان يمسك لجام فرس بيضاء ثانية سمّاها «غسق»، وقال إنها وُلدت في الليلة نفسها التي وُلدت فيها فجر، من الأم نفسها. — فجر للحجر، وغسق لمن يحمله. لم أسأله ما يعنيه ذلك. كنت أنظر إلى هديل التي كانت تمشي بجانب عاصم، وبينهما مسافة لا تتسع لشيء، ومع ذلك كان عاصم يمشي كأنه يحميها من هواء الصباح. وكنت أنا أسير خلفهما، وأنظر إلى ظهريهما، وأتساءل لأول مرة في حياتي: هل يمكن للقلب أن يغار على اسم نسيه؟ في اليوم الثالث رأينا المدينة. لم تكن مدينة كما عرفتُ المدن. كانت غابة من الزجاج المحطّم والحديد الصدئ، تمتد في الأفق كأسنان وحش مات واقفًا. أبراج تعلو مئات الأمتار ثم تنكسر في منتصفها، فتتدلى منها هياكل معدنية تئن مع كل ريح. وبين الأبراج طرق عريضة لم أرَ مثلها، رماديّة، مشقوقة، ملأى بآلاف العربات الصدئة المتروكة في أماكنها كما كانت ساعة انطفأ العالم. — هذه عربات بلا خيول، همس عاصم. جدّتي كانت تحكي عنها. — كانت تسير بالنار الباردة التي ماتت، قال أبي. ولم يبقَ منها إلا الحديد. دخلنا المدينة عند الظهر، ولم يجرؤ أحد منا على رفع صوته. كانت الريح تعوي بين الأبراج بلحن غريب، والزجاج المتناثر يلمع تحت أقدام الخيل كأنه جليد في صحراء. وعلى بعض الجدران بقايا كلمات كُتبت بألوان لا تزال حيّة بعد كل هذه السنين: أسماء، وأرقام، وسهام، وجملة واحدة تكررت في عشرات الأماكن بخط مرتجف: «نحن هنا. لا تتركونا.» توقفتُ أمام جدار كُتبت عليه هذه الجملة بخط صغير، وبجانبها رسم طفل: بيت وشجرة وشمس وأربعة أشخاص ممسكين بأيدي بعضهم. تحت الرسم عبارة بالحروف نفسها: «أمي قالت إن النور سيعود غدًا». — أجيال مرّت، قلتُ لنفسي، وما زال الغد لم يأتِ. اقتربت هديل مني بصمت ووقفت إلى جانبي. لم تقل شيئًا. مدّت يدها المتشققة ولمست الرسم بأطراف أصابعها، فأضاء الحجر في صدري ضوءًا خافتًا كأنه يتنفس. رأيت وجهها في ذلك الوهج الأزرق الرقيق، ورأيت دمعة تنساب على ندبتها. — أبي كان يقول إن الذين ماتوا في ليلة الانطفاء لم يموتوا من الظلام، قالت بهمس. ماتوا من الخوف. ثلاثة أيام في العتمة قبل أن يدركوا أن النور لن يعود. — وأمك؟ — ماتت بعد ذلك بسنوات. لكنني لا أذكر كيف. ذاكرتي بها فجوات كثيرة. لم أفهم حينها ما قصدت. ظننتها تحدثني عن حزنها. وكان عاصم، على بعد خطوات، يراقبنا. ثم أدار وجهه بسرعة وعاد إلى الخيل. عند العصر مررنا بمبنى ضخم انهار نصف سقفه، وفوق بابه المحطم لوحة نحاسية خضراء كُتب عليها: «مكتبة». دفع عاصم الباب بكتفه فصرخ الحديد كأنه يستيقظ بعد نوم طويل. كانت الرفوف تمتد في العتمة إلى ما لا نهاية. آلاف الكتب، وقد صار معظمها كتلًا رمادية تتفتت بين الأصابع ما إن تلمسها، كأن الزمن أكل الحكايات ولم يبقِ لها غير رائحتها الحامضة. مشيت بين الرفوف ويدي تتحسس الأغلفة المتآكلة، وأحسست بشيء يشبه الجنازة. لكن هديل وجدت كتابًا واحدًا صمد، مغلّفًا بمعدن رقيق في صندوق حديدي مغلق. فتحته بحذر. كان أول سطر في صفحته الأولى بخط أنيق لم يبهت: «ليس الذي ينطفئ هو النور. الذي ينطفئ هم الذين يتوقفون عن إشعاله.» قرأتها هديل بصوت عالٍ، ثم رفعت رأسها ونظرت إليّ، ولأول مرة منذ التقينا ابتسمت. ابتسامة صغيرة، مرتجفة، كأنها تتذكر شيئًا لا يعود إليها إلا نادرًا. — هل تعرف أنك أول من أحببت أن أقرأ له شيئًا؟ قالت. كانت كلمة «أحببت» قد خرجت منها قبل أن تنتبه. تورّدت ندبتها. وأنا لم أستطع أن أقول شيئًا، فقد كان الحجر يخفق على صدري كما لو أنه يضحك. في المساء بحثنا عن مأوى فوجدنا نفقًا طويلًا تحت الأرض، فيه سلالم حديدية تنزل إلى عتمة لا قرار لها. كان أبي يعرفه. — كانت هنا قطارات، قال. تحمل آلاف الناس في دقائق. نزلنا. ربطنا الخيل عند المدخل، وحملنا المشاعل. وكان في الأسفل رصيف طويل وعربات حديدية بالية، نوافذها محطمة، ومقاعدها ممزقة، وفيها بقايا حقائب وأحذية ودفاتر تحوّلت أوراقها إلى غبار حين لمستها. جلسنا في إحدى العربات حول نار صغيرة أشعلناها من قطع الخشب المحطمة. لم نأكل كثيرًا. وكان أبي يتكلم قليلًا، وكنت أنظر إليه وأنا أفكر أنني أمام رجل لا أعرف صوته ولا أستطيع أن أتخيّله يناديني. — أخبرني عن أمي، قلتُ فجأة. نظر إليّ. لم أره قط ينظر إلى شيء بهذا الألم. — ماتت وأنت في الثالثة. هذا ما قلتُه للناس. — وما الحقيقة؟ — الحقيقة... أنني لا أذكر اسمها يا غيث. تجمّد الدم في عروقي. — حين حملتُ الحجر في شبابي، قال لي أن لكل استعمال ثمنًا. فاستعملته لأنقذك من النار التي أحرقت بيتنا يومًا، وأخذ مقابل ذلك أحبّ ما كان في قلبي. أخذ وجهها واسمها وصوتها. لا يبقى منها عندي إلا هذا. أخرج من صدره شريطًا أحمر باهتًا، مربوطًا في عقدة صغيرة قديمة. — وكنت أحتفظ به لأنني لا أعرف لماذا أحتفظ به. التفتُّ إلى عاصم. كان ينظر إلى الشريط الأحمر، وإلى الخيط الذي حول معصمه، ثم إلى هديل. لم يقل كلمة. لكن وجهه قال كل شيء. كانت هديل هي التي رأت الجدار. كنا قد افترقنا لنستكشف النفق، وحين ابتعدتُ عن النار وجدتها واقفة أمام جدار حجري عريض عند نهاية الرصيف، تمسك مشعلها المرتجف وتقرأ شيئًا بصمت مرعب. — غيث، قالت بصوت بالكاد سمعته. تعال. اقتربت. كان الجدار كله مغطى بالأسماء. آلاف الأسماء، محفورة بالمسامير والسكاكين والأظافر، أسماء رجال ونساء وأطفال، صفوف فوق صفوف، تمتد من الأرض إلى سقف النفق. وعلى كل اسم تاريخ. — هؤلاء الذين... همستُ. — الذين حملوا الحجر، قالت. ومن مات بسببه. مررتُ بعيني على الصفوف. أسماء لا أعرفها. ثم، في الصف الأخير تحت أعلى الجدار، وجدتُ اسمًا أعرفه: «منذر بن سالم». وتاريخ قبل ثمانية عشر عامًا. وبجانبه كلمة واحدة: «ميت». وتحته مباشرة، بحروف جديدة جدًا لا يزال غبارها الأبيض يتساقط منها، محفورة بسكين لم يمرّ على حفرها يوم واحد، قرأتُ: «غيث بن منذر». وبجانبه تاريخ هذا اليوم. لم أستطع أن أتنفس. مددت يدي بارتعاش نحو الحروف، فوجدت الغبار الأبيض يلتصق بأصابعي. وأسفل اسمي، سطر آخر، أحدث من الأول: «ومن يحمله بعده: هديل.» التفتُّ إلى هديل. كانت تحدّق في الاسم المحفور بجانب اسمها، وفي عينيها النحاسيتين رعب أعمق من كل ما رأيته في وجهها منذ التقينا. — لم أكتب هذا، همست. أقسم لك. لم أكتبه. ومن بعيد، عند مدخل النفق، سمعنا صهيل فجر. صهيلًا طويلًا مرتجفًا، ثم صمتًا مفاجئًا. ثم خطوات. خطوات كثيرة، ثقيلة، تنزل السلالم الحديدية ببطء.دفنّاها قبل أن ترتفع الشمس.لم نجد خشبًا لنحفر لها تابوتًا، ولا ماءً لنغسلها، فغطّاها هلال بعباءته، ووضع على صدرها خنجرًا صغيرًا لا أعرف من أين جاء به. لم يبكِ. هذا ما لم أنسه: رجل قتل عشرات الفرسان ولم يرمش، كان يرتجف وهو يضع الملح فوق وجه امرأة لم تعرفه حين ماتت.حين انتهى، وقف طويلًا ثم قال بصوت لا يشبه صوته:— ابني على هذا الجبل.لم يقل لمن يوجّه الجملة. ثم اعتلى حصانه وانطلق شمالًا مع فرسانه، وبقي الغبار خلفهم معلّقًا في الهواء ساعة كاملة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تنساهم.لم يتبعه سعد. هرب مع الظلام، كما يهرب من أتقن الجريمة قبل أن يتقن الاعتذار. ولم نعرف كيف نجا من مضيق الصدى، ولا من أين جاء بذلك الابتسام.— لا وقت للأسئلة، قال أبي. سيعودون قبل المساء.كان يمشي أمامنا بخطوات ثقيلة كمن يحمل سنواته الثماني عشرة على كتفيه، وكان يمسك لجام فرس بيضاء ثانية سمّاها «غسق»، وقال إنها وُلدت في الليلة نفسها التي وُلدت فيها فجر، من الأم نفسها.— فجر للحجر، وغسق لمن يحمله.لم أسأله ما يعنيه ذلك. كنت أنظر إلى هديل التي كانت تمشي بجانب عاصم، وبينهما مسافة لا تتسع لشيء، ومع ذلك كان عاصم يمشي كأنه
لم أتحرك.كان هذا أسوأ ما في الأمر: أنني انتظرت ثمانية عشر عامًا لأجد أبي، فلما وقف أمامي لم تتحرك قدماي. كان عجوزًا قبل أوانه، في حوالي الخمسين، ولحيته مشبّعة بالملح، وكتفاه العريضتان مائلتان كمن حمل سنينًا لم تُدفع أجرتها. لكن يديه كانتا متشققتين مثل يدي، مملوءتين بندوب الحديد الصغيرة، وكان إبهامه الأيمن معوجًّا كما تعوج إبهامي أنا.— لا تتكلم كثيرًا يا غيث، قال وهو ينزل عن سرجه ببطء. أنا أعرف أن صوتي لم يعد معك. أخبرني بذلك الحجر منذ أن نبض لك مرّة ولم أكن هناك.كنت أريد أن أصرخ في وجهه. وكنت أريد أن أرمي نفسي في صدره. ولم أفعل أيًّا منهما، فقد خرج من فمي السؤال الوحيد الذي بقي:— لماذا تركتني أبكيك أربعة أيام في البيت؟لم يكن هذا سؤالي الأول لكنه أصدقها. انكمش وجهه كما تنكمش الورقة فوق النار.— لأنني متّ. كان لا بد أن أموت. الذين يطاردون الحجر لا يسألون أحدًا إن كان له ابن. يأخذون كل ما في البيت. فدفنتُ نفسي في قبر فارغ، وحضر الناس جنازتي، واختبأتُ خلف السروة التي لم تعد تراها عيونك، أراك تبكي وأشدّ على شفتي بأسناني لكي لا أناديك.كان صوته لا يزال غريبًا علي. لكن الجملة الأخيرة اخ
مشينا في الممر ثلاث ساعات، أو ربما أكثر؛ فالظلام يسرق الوقت كما يسرق كل شيء. كانت هديل تمشي بين عاصم وبيني، تتحسس الجدار بيدها المحروقة، ولا تنطق. وكنت أسمع تنفسها خلفي حين أبطئ، وأسمع صمت عاصم أمامي حين أسرع. وبين الصمتين كان الحجر يخفق على صدري، مرة كأنه يطمئنني، ومرة كأنه يتهمني. حين توقفنا لنريح الجياد، جلست على صخرة ملحية باردة، وأخرجتُ ضمادة من حقيبتي ورحتُ أُلفّها على كتفي حيث خدشتني مطرقتها. أخذتها هديل من يدي دون كلمة، وانحنت أمامي على ركبتيها. — اترك لي هذا، قالت. أنا أعرف الجروح. كانت أصابعها تعمل بمهارة من اعتاد أن يداوي نفسه وحده. وكان ضوء الحجر الأزرق يسقط على وجهها فيُظهر الندبة الطويلة على خدها، ويجعل عينيها النحاسيتين تبدوان كجمرتين تحت ماء. — كيف حصلتِ عليها؟ سألتها وأنا أنظر إلى يديها لا إلى وجهها. الحروق. لم ترفع رأسها. — كنتُ في السابعة. صعدتُ إلى مغارة الجبل التي يحرسها الشيخ الأكبر، وكان ممنوعًا على الأطفال دخولها. رأيتُ في عمقها جمرة صغيرة تتوهج وحدها بلا حطب ولا ريح، فمددتُ يدي إليها كما يفعل طفل مع قطة. سكتت لحظة، ثم قالت: — لم يأخذ الجبل مني ذاكرتي
كان الممر السري أضيق مما تصوّرت، حتى اضطررت إلى أن أقود ريحًا بلجامه وأنحني تحت سقف من الملح يتلألأ فوق رأسي كأنه سماء من نجوم مجمّدة. كان عاصم يمشي أمامي بمشعل أعطتنا إياه نجود، وكانت فجر تمشي خلفي بخطوات راضية هادئة، كأنها تعود إلى بيتها بعد سفر طويل. أما الحجر فلم يهدأ. منذ أن دخلنا الممر وهو ينبض على صدري بإيقاع متسارع، لا كنبض النائم كما كان، بل كنبض من يجري للقاء شخص يعرفه. وكلما قطعنا خطوة أخرى في الظلام، ازداد ضوؤه الأزرق حتى صار يستغني عن المشعل. — هذا ليس جيدًا، همس عاصم وهو يتوقف. الحجر يستجيب لشيء قريب. أمسكتُ مقبض السيف الأسود، وتقدّمت خطوة لأقف بجانبه، فما رأيت شيئًا قبل أن أسمع صوت الحديد. طارت مطرقة من الظلام فانغرست في الملح بجانب رأسي بشبر واحد، ثم انهارت شظايا الملح على كتفي كالثلج. وقبل أن أرفع سيفي، كان جسد خفيف قد قفز من العتمة على صدري، وثمة ركبة تضغط ضلعي، ونصل بارد يلامس حلقي. — حامل الحجر؟ همس صوت أنثوي مبحوح من العطش أو الغضب. أنت الذي جلبت النار على أهلي؟ رفعت عينيّ نحو الوجه الذي فوقي، ولم أستطع أن أتكلم. كان وجه فتاة في مثل عمري تقريبًا، مغبّرًا با
لم يتحرك عاصم.كان واقفًا عند مدخل الوادي كتمثال، والملح الأبيض يلمع خلفه كأن الأرض كلها قد ابيضّت فزعًا. تقدّمت منه خطوة وقلت بصوت لم أعرفه من نفسي:— من هي؟لم يجب. نظرت إلى يده على القوس فرأيتها ترتجف ارتجافة خفيفة، لا تشبه ارتجافها في مضيق الصدى حين كان يحميني من السهام.— لا تسأله، قالت نجود من خلفي. هو تعب من حمل السؤال منذ أن كان طفلًا. دعه يجلس أولاً.أشارت إلى صخرة قرب النار، وجلس عاصم عليها كمن هوت ساقاه دفعة واحدة. ولم تنظر إليه العجوز، بل كانت تنظر إلى النائمين كما تنظر أم إلى أطفالها في ليلة شتاء.— هؤلاء هم قبيلة من سهل الملح، قالت. أهل مملحة ما تزال على الطريق القديم. جاؤوا إليّ قبل أسبوعين هاربين من هلال، الذي أراد أن يضم رجالهم إلى فرسانه، ونساءهم إلى مطابخه. فأنمتهم بالحجر، لأن هلالاً لا يدخل هذا الوادي، ولا تدخله خيوله.— لماذا لا يدخله؟ سألت.ابتسمت ابتسامة من يخفي مرارة قديمة.— لأن هذا الوادي ملكي. وهلال لا يستطيع أن ينظر إلى وجهي وأنا لا أعرفه.كان الصمت بعد الجملة ثقيلًا حتى سمعت نار الحطب تقرقر بهدوء. فهمت ما لم تقله بالكلمات: أن هلالاً ليس قائد فرسان الرماد ف
لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما